القائمة إغلاق

حلقة: مدينتان – الجزء 5 Episode: Two Cities – Part

حلقة: مدينتان – الجزء 5

برنامج: من البداية للنهاية

لمشاهدة الحلقة على الفيس بوك أضغط هنا

لمشاهدة الحلقة على اليوتيوب

video
play-sharp-fill

 

لسماع الحلقة على الساوند كلاود

 

 

برنامج من البداية للنهاية

(راديو الحق المغير للحياة).

الحلقة الثانية عشر: مدينتان (الجزء الخامس).

 

 

تنويه: العظة مكتوبة بـالذكاء الاصطناعي، لم تُراجع من خدمتنا بعد، إن وجدت أخطاءً في الكتابة تواصل معنا واذكرها لنا.

 

مدينتان: رحلة الوعي بالمملكة الروحية

أهلاً بك في حلقة جديدة من حلقات “راديو الحق المغير للحياة”، في برنامجنا “من البداية للنهاية”. كما سرنا في المرة السابقة في رحلة أسميناها “مدينتين”، سنكون اليوم بصدد استكمال هذه الرحلة المباركة.

في رحلتنا السابقة، تعلمنا عن مدينتين: مدينة بابل ومدينة الله. قد تتساءل: لماذا نتعلم هذه الأمور؟ ولماذا من الضروري أن نفهم المدينتين اللتين نحن موجودون فيهما فعليًا؟ السبب هو أننا نحتاج إلى فهم المبادئ التي يحاول إبليس أن يزرعها ليطمس هوية الإنسان، وكيف يضع مبادئ سحب وإغواءات بأشكال مختلفة تمامًا. وفي المقابل، تعلمنا عن المملكة المجيدة، مدينة الله، وكيف أن كل شخص وُلد من الله قد صار بالفعل داخل هذه المملكة، ويمتلك في داخله كل الإمكانيات ليحيا فيها بمجد ويستمتع بكل الروعة التي نتحدث عنها. لقد أعلن لنا الدكتور أكرم في المرة السابقة، وسرنا في محطة رائعة داخل مملكة الله، ونحن نشتاق أن نعرف عنها أكثر فأكثر، وأن نعرف كيف نحياها. فهل هي حقًا حقيقة واقعة؟

من ضمن ما تعلمناه أن هذه المملكة هي مملكة روحية، أي أنها أقوى جدًا من الأمور المادية التي نلمسها. ولكن، ربما بسبب انشغالنا وضجيج العالم من حولنا، أُغلقت أعيننا عن إدراك مدى حقيقة هذه المملكة الروحية.

إنني أشعر بنفس الامتنان الذي تشعر به تجاه القس رامز، لأجل التعليم الكتابي الذي نقلنا، ولأجل الرعاية الشخصية. وأشجعك عزيزي القارئ على الرجوع إلى السلسلة التي ندرسها الآن، وهي متوفرة تحت اسم “الملكوت الحالي” للقس رامز غبور. حقًا، لقد أنار القس رامز أعيننا على جزء ظل خفيًا لسنوات، ونحن نتحدث عن مدينتين. المدينة التي نحن فيها هي مدينة روحية، لكن لها تأثير مباشر على العالم المادي. هي حقيقية لدرجة تفوق حقيقة أنني أمسك شيئًا ماديًا بيدي، لكن لسنوات طويلة، تم خداع الناس بالحواس الخمس، فأصبحوا يصدقون فقط ما يرونه، وما يسمعونه، وما يشعرون به، بدلاً من أن يصدقوا الحقائق الروحية التي تكلم بها الله.

أتذكر عندما التقى الملاك بزكريا، حيث ظهر له عن يمين المذبح كما هو مُدوَّن في إنجيل لوقا الإصحاح الأول، وقال له إن طلبته هو وزوجته قد سُمعت وسيكون لهما ابن. أصاب الذهول زكريا ولم يصدق، فسأل سؤالاً يشوبه الشك: كَيْفَ أَعْلَمُ هَذَا؟” (لُوقَا ١: ١٨). استفز ذلك الملاك، نعم، لقد استفزه السؤال، وقال له: “كيف لا تصدق؟ أَنَا جِبْرَائِيلُ الْوَاقِفُ قُدَّامَ اللهِ، وَأُرْسِلْتُ لأُكَلِّمَكَ وَأُبَشِّرَكَ بِهَذَا“) لُوقَا ١: ١٩(. هذا يوضح لنا كيف ينظر عالم الروح إلى عالمنا؛ إنهم يرون عالمنا المادي وكأنه ليس حقيقيًا بقدر عالم الروح. الأمر يشبه تمامًا لو أنني جلست أشاهد لعبة أو فيلمًا؛ قد أعيش داخل الدراما الخاصة به، لكني أفهم أنه ليس حقيقيًا. فعالم الروح ملموس وحقيقي جدًا، لدرجة أن الملاك استغرب واستُفِز قائلاً: كيف لا تصدقني؟ كيف لا تصدق ما أقوله لك؟ أنا قادم مباشرة من محضر الله، أنا الواقف أمام الله. لقد تعجب من الشك الذي لدى البشر.

كيف يمكنك أن تشك في أمر كهذا، هل هو محتمل أم لا؟ هذا هو الغرض من حلقات “مدينتين”؛ أن أصير واعيًا لهذه المدينة. لا ينبغي أن أكون غير واعٍ بها لكونها غير ظاهرة. هذا هو الهدف الذي من أجله نتناول موضوع “مدينتين”، ونحن نركز بشكل أكبر على مدينة الله التي قال عنها الرسول بولس في رسالة العبرانيين: قَدْ أَتَيْتُمْ إِلَى… مَدِينَةِ اللهِ الْحَيِّ” (عِبْرَانِيِّينَ ١٢: ٢٢). والأمر الرائع أنه أطلق عليها اسم “مدينة الله”. تخيل لو أنني أسكن في مدينة اسمها القاهرة، أو المنيا، أو الإسكندرية. الآن تخيل أنك تسكن في مدينة مُسماة على اسم الله ذاته، فالمدينة منسوبة لهذا الإله. هذه هي الحقيقة التي نتحدث عنها.

الوعي بالعالم الروحاني: منظور إيجابي وسلبي

لطالما كان هناك وعي بهذه الحياة الروحية، سواء كان وعيًا إيجابيًا أم سلبيًا. بمعنى أن الناس كانوا يفهمون عالم الروح.

*الوعي الإيجابي: منظور دبورة*

الناس الذين كانوا يسيرون مع الرب فهموا هذا الأمر بطريقة صحيحة. خذ دبورة على سبيل المثال. عندما كان باراق يحارب سيسرا، قالت في نشيدها شيئًا لا نقرأه في قصة الحرب. قالت دبورة في سفر القضاة الإصحاح الخامس: ٢٠ مِنْ ٱلسَّمَاوَاتِ حَارَبُوا. ٱلْكَوَاكِبُ مِنْ حُبُكِهَا حَارَبَتْ سِيسَرَا” (قُضَاة ٥: ٢٠). نحن رأينا فقط حربًا تدور بين باراق وسيسرا، لكن دبورة كشفت عن أمر كان يحدث في عالم الروح. هي تقول إن الكواكب، أو النجوم في مداراتها كما جاء في الأصل، كانت تتحدث عن الملائكة في ذلك الوقت. هذا التعبير يصف الملائكة؛ لقد كانت الملائكة تساعد الشعب في الأسفل. نعم، يبدو الأمر وكأنه حرب بين بلدين، لكنها كانت ترى الحقيقة الروحية؛ كانت هناك مساعدة ملائكية تعمل. تمامًا كما كان موسى يرفع يديه فينتصر يشوع، أمران لا علاقة ظاهرة بينهما، أن يرفع موسى يديه للصلاة فينتصر يشوع في المعركة.

*الوعي السلبي: منظور الأعداء*

حتى الأشرار كانوا يفهمون هذا المبدأ السلبي. وهذا هو ما يحاول إبليس أن يعمي أعيننا عنه، وسواء صدقنا أم لم نصدق، فعالم الروح هو عالم حقيقي جدًا. نعم، حقيقي لدرجة تفوق حواسنا. إن محاولة إبليس المستمرة هي إقناع الناس بأن ما تراه، وما تحسه، وما تسمعه، وما تتذوقه هو الحقيقة الوحيدة. هذا ما يريد إبليس دائمًا أن يخفي به لمسات عالم الروح، حتى لا تمشي بقوة هذه المدينة التي أنت فيها.

إنه يدفن هذه الأمور، يحاول أن يدفنها. في سفر الملوك الأول الإصحاح ٢٠، نجد أن الأشرار، عبيد ملك آرام، كانوا يفهمون أن الحرب لها علاقة أيضًا بعالم الروح، بالآلهة. الموضوع لم يكن مجرد جيش في مواجهة جيش، أو استراتيجية حربية وأسلحة. فعندما هُزموا أمام أخاب الملك، قال عبيد ملك آرام لملكهم، كما نقرأ في العدد ٢٣ من ملوك الأول الإصحاح ٢٠: وَأَمَّا عَبِيدُ مَلِكِ أَرَامَ فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ آلِهَتَهُمْ آلِهَةُ جِبَالٍ” (ملوك الأول ٢٠: ٢٣). لاحظ أنهم لم يذهبوا إلى ملك آرام ليقولوا له: “المشكلة كانت في وجود خونة بيننا”، أو “لم تكن لدينا أسلحة كافية”، أو “عدد الجيش لم يكن كافيًا”، أو “الاستراتيجية كانت خاطئة”. لأننا في الحقيقة عندما ندرس الموقف، نكتشف أن عددهم كان يفوق عدد بني إسرائيل.

نعم، في ذلك الوقت. لكنهم فكروا، ما هو الشيء الناقص الذي لم يكتمل به الأمر؟ إنه عالم الروح. فقالوا: آلِهَتَهُمْ، آلِهَاتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، آلِهَةُ جِبَالٍ. معنى “آلهة جبال” أي أنها متخصصة في الجبال، فطالما أنهم يحاربون على الجبال، فإن هذه الآلهة ستعرف كيف تتصرف. كان هذا الاعتقاد سائدًا قديمًا، وأنا أتحدث هنا من وجهة نظر سلبية لأوضح أنه حتى الأشرار كانوا يفهمون أن الحروب والحياة تُدار من عالم الروح. لذلك قالوا: قَوُوا عَلَيْنَا. وما هو الحل؟ وَلَكِنْ إِذَا حَارَبْنَاهُمْ فِي السَّهْلِ فَإِنَّنَا نَقْوَى عَلَيْهِمْ. ثم في العدد ٢٨: فَتَقَدَّمَ رَجُلُ اللهِ وَكَلَّمَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ وَقَالَ: «هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: مِنْ أَجْلِ أَنَّ الأَرَامِيِّينَ قَالُوا: إِنَّ الرَّبَّ إِنَّمَا هُوَ إِلهُ جِبَالٍ وَلَيْسَ هُوَ إِلهَ أَوْدِيَةٍ، أَدْفَعُ كُلَّ هذَا الْجُمْهُورِ الْعَظِيمِ لِيَدِكَ، فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ»” (ملوك الأول ٢٠: ٢٨). فحتى الأشرار كان لديهم فهم لما وراء الأحداث، وراء الحروب، وراء الانتصار في المعركة؛ هناك قوة روحية تعمل، هناك إله وراء كل شيء. هذا هو الغرض من هذه الحلقات؛ أن ينمو إدراكي لهذه المدينة التي أعيش فيها، والتي قال عنها الرب يسوع: لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُخْفَى مَدِينَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى جَبَلٍ” (مَتَّى ٥: ١٤). لقد كان يتحدث عن هذه المدينة التي ستكون في يوم من الأيام ظاهرة للجميع، وواضحة للكل، وسيكون المواطنون الذين فيها معروفين، حتى وإن كانت هي نفسها غير محسوسة.

لكن تأثيرها محسوس، تمامًا كتأثير الكهرباء. نحن نرى تأثير الكهرباء في أن الأجهزة تعمل، وفي وجود إضاءة ومصابيح تضيء الآن، لكننا لا نرى الكهرباء نفسها. لم يمسك أحد الكهرباء بيده وقال: “ها هي الكهرباء”. وهذا ما يحدث فعلاً في العالم المادي الذي نحن فيه؛ بقدر ما ندرك المملكة التي نحن فيها، ونسلك بالجمال الذي فيها، نرى نتائج في حياتنا بشكل مختلف.

هذا حقيقي لدرجة أن أقوى الأشياء لدى البشر… أتذكر أختًا كانت تشارك باختبارها مرة وقالت إن المرض “هباءً” وقع أمامها. نعم، إن الأمور القوية التي قد يقف الطب أمامها ويحتار الناس في إيجاد حلول لها، تصبح لا شيء بسبب إدراكنا للمدينة التي نحن فيها، وهذا ما سنتحدث عنه في هذه الحلقة. إن الأمور الكبيرة جدًا التي يخشاها الناس ويخافون منها، تصبح مثل العملاق الذي وقع أمام داود. نعم، لأن داود كان مدركًا للمملكة، مدركًا لهذا الإله، لدرجة أنه قال لجليات: “أنت تأتي بأمور معتمدة على ما هو محسوس وتراه، أَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ بِسَيْفٍ وَبِرُمْحٍ وَبِتُرْسٍ“. ولكن ماذا عنك يا داود؟ ماذا تحمل أنت؟ لقد كان يحمل شيئًا لا يفهمه العدو. “أنا آتيك بمملكة مختلفة”. نعم، أنا أحمل مملكة مختلفة، آتيك بقوة وطبيعة وشخصية هذا الإله الذي أنتمي إليه، وأنا في عهد معه. لدرجة أنه عندما حاول شاول أن يلبسه عدته، لم يستطع أن يتحرك بها. وهذا هو حال الكثير من الناس؛ يحاولون أن يلبسوا لباسًا ليس لهم. أنت آمنت وولدت من الله، وأصبحت طبيعتك من طبيعة الله. لن يصلح أن ترتدي لباس العالم، لن تعرف كيف تمشي به، ستتعثر، ستقع، ولن تعرف كيف تحارب.

وهذا ما يحدث فعلاً؛ لأن طبيعتنا ليست من هذا العالم، فعندما يحاول إبليس أن يجعلنا نسير ونسلك بالأمور المادية، نشعر أن هناك شيئًا غير صحيح. هناك أناس يتوقفون ويتساءلون: ما الذي حدث؟ هناك أمور خاطئة، شيء ما ليس على ما يرام في حياتي. لكن الحقيقة، وهذا ما سنعرفه اليوم بشكل أعمق، هي: ما هو شكل هذه المدينة؟ ما هي الأمور التي فيها؟ ماذا نفعل وماذا لا نفعل؟ هل هناك أمور إذا فعلناها دون إدراك ووعي، نكون في مكان آخر؟ سنتحدث فعلاً عن هذه الجزئية، وعن المبادئ التي في هذه المدينة، لأن كلمة الله تكلمت عن أن لهذه المدينة مبادئ، مثل أي مملكة. لقد أخبر صموئيل الشعب عندما أرادوا ملكًا: “أنتم تريدون مملكة، تعالوا إذن لأخبركم بقضاء هذه المملكة”. وهذا ما يريدنا الرب أن نكون واعين به؛ كيف تسير هذه المملكة؟ كيف تتحرك؟ يجب أن أكون واعيًا طوال الوقت بأنني داخل هذه المملكة، لقد أتيت إليها كما قال الرسول بولس.

السلوك بالروح: هويتك الحقيقية

أعود مرة أخرى إلى داود كما كنا نتحدث. الناس يتعثرون في حياتهم لأنهم يرتدون لباسًا ليس لباسهم. بدلاً من أن يسيروا بالمبادئ والقوانين الروحية، يسيرون بما هو محسوس، أي بالجسد. والرسول بولس نفسه قال إن من يسير بالجسد، أي بالحواس، فإن موت الجسد سينتج موتًا روحيًا. فَالَّذِينَ هُمْ فِي الْجَسَدِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُرْضُوا اللهَ” (رُومِيَةَ ٨: ٨). ثم قال لهم هذه الآية الرائعة في رومية ٨ وعدد ٩: وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَسْتُمْ فِي الْجَسَدِ بَلْ فِي الرُّوحِ” (رُومِيَةَ ٨: ٩). هنا يفصل الرسول بولس الأمر بشكل قاطع: كفى! أنت لا تسير بالحواس الخمس، أنت موجود في عالم الروح الآن. نعم، أنت موجود في الروح. كم مرة جلست تتفكر في هذه الآية؟ بولس يقول: “أنت لست في الجسد، أنت في الروح”.

هذا معناه أنني أحتاج إلى إدراك روحي، وهو موجود بداخلنا بالفعل، لأكون واعيًا بهذه المدينة. حتى لو كانت أعراض المرض تحيط بي، أو الظروف، أو المشاكل، أو كنت أعيش مثل الناس العاديين كما قلنا في الحلقات السابقة. لكي أحيا في هذه المدينة، أنا موجود فيها روحيًا، ولكن عبر أفكاري. طالما أن أفكاري منشغلة بهذه المدينة، فأنت متصل بها. بمجرد أن تخرج أفكاري، أنا أخرج إلى مكان آخر. ولهذا السبب، حتى هذه الآية، يتعامل معها الناس بمشاعرهم وليس بالإدراك الروحي كما تقول. كيف تحتاج أن تدرك هذا في روحك، أن تدرك أنك لست في الجسد، فهذا مؤقت، هذا شكل مؤقت. لكنك بالفعل في وضعك الطبيعي الحقيقي؛ أنت في هذه المملكة الروحية.

المملكة الروحية التي هي غير مرئية لحواسي، لكنها حقيقية جدًا. نقرأ في عبرانيين ١١: وَأَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى” (عِبْرَانِيِّينَ ١١: ١). نوح، عندما أخبره الرب عن أمور لم تُرَ بعد، تصرف بناءً عليها. وموسى تشدد كَأَنَّهُ يَرَى مَنْ لاَ يَرَى” (عِبْرَانِيِّينَ ١١: ٢٧). إذن نحن نتحدث عن أمور غير مرئية لكنها حقيقية جدًا. عدم رؤيتها لا يعني أنها غير موجودة، أو أنها مجرد أوهام. نحن مدعوون لندخل إلى هذا المكان، لنؤمن بما هو غير منظور. وهو ما يبدو مستحيلاً بالنسبة للناس الطبيعيين: كيف يحدث هذا؟ كيف يشفى هذا الورم؟ كيف تنتهي هذه المشكلة؟ كيف يخرج هذا الشخص مما هو فيه؟ هذا هو ما لا يُرى الذي تكلمت عنه الكلمة.

مبادئ المدينة الإلهية: ترانيم صهيون

من ضمن المبادئ الموجودة في هذه المدينة هي ترانيمها. لكل مملكة أسلوبها الخاص، نشيدها الخاص، وكلماتها الخاصة. في مزمور ١٣٧، نحن ندرس بعض النبوات التي جاءت في العهد القديم وتصف هذه المدينة. هذا هو سبب رجوعنا إلى العهد القديم؛ النبوات التي ذُكرت فيها صهيون. كأننا نأخذ الرحلة دائمًا لنرى الكتاب المقدس كله، من العهد القديم إلى العهد الجديد، ماذا تقول كلمة الله عن هذه الجزئية.

نعم، هذا صحيح. فالنبوات التي في العهد القديم كانت تتحدث عن هذه المدينة التي نقرأ عنها. عندما قرأنا سابقًا عن أن الله يحصي المولودين في هذه المدينة ويكتب أسماءهم لأنه مهتم بهم. اهتمامه مُنصب على أبواب صهيون، فالرب أحب أبوابها، أحب أماكن الاجتماعات الروحية لصهيون، المدينة التي نحن فيها. في مزمور ١٣٧، كان الشعب في السبي، في حالة من الحزن والأسى، بعيدين عن مدينتهم. يقولون في العدد الثالث: لأَنَّهُ هُنَاكَ سَأَلَنَا الَّذِينَ سَبَوْنَا كَلاَمَ تَرْنِيمَةٍ. الناس الذين سبوهم قالوا لهم: “رنموا لنا”. وَمُعَذِّبُونَا سَأَلُونَا فَرَحًا قَائِلِينَ: «رَنِّمُوا لَنَا مِنْ تَرْنِيمَاتِ صِهْيَوْنَ!»” (اَلْمَزَامِيرُ ١٣٧: ٣). إذن، هناك ترانيم خاصة بصهيون.

هناك تسبيح خاص بصهيون، تسبيح خاص بالمدينة. كانوا يفهمون هذا الكلام، لكن للأسف كانوا في وضعية خاطئة. فقالوا: كَيْفَ نُرَنِّمُ تَرْنِيمَةَ الرَّبِّ فِي أَرْضٍ غَرِيبَةٍ؟” (اَلْمَزَامِيرُ ١٣٧: ٤). “نحن مأخوذون خارج أرضنا، نحن في وضع خاطئ”. لكن من هنا نفهم، رغم أنهم كانوا ينظرون إلى حالتهم، أنه توجد ترانيم خاصة بهذه المدينة. وهكذا، توجد ترانيم تخص مملكة الله. لو راجعنا الترانيم التي قيلت في العهد الجديد، سواء التي قالها الرسول بولس أو التي ذُكرت في سفر الرؤيا، لوجدناها ترانيم مليئة بالمجد، مليئة بالقوة، ليس فيها ضعف. نعم، الترانيم المليئة بكلمات مثل “أنا ضعيف” و”أنا متعب”…

لغة المملكة: كلمات الحق لا كلمات الضعف

هذه ليست ترنيمات صهيون. لدرجة أن السماء لا توافق عليها. ربما في مرحلة طفولية كنت أرنم هذه الترانيم وأقول: “يا رب، سامحوني أنني سأقول هذه الترنيمة: أنا آتٍ ضعيفًا فقوني، أنا آتٍ حزينًا فعزني يا رب، أنا آتٍ إليك خاطئًا”. ربما في وقت ما كانت هذه مرحلة طفولية، كأنني أحكي مشاعري أو ما أنا فيه، لكنني لا أحكي حقيقة ما تقوله كلمة الله. المملكة تسير بالحق طبعًا. وعندما ذكرت هذه الترنيمة، أنا لا أقصد مؤلفها على الإطلاق، بل أتكلم عن الكلمات. سر من الأسرار الروحية الهامة هو أنه يجب أن أتكلم بكلمات تتوافق مع هذا الإله. وإلا، فلن أكون سائرًا معه؛ سيكون هو في اتجاه وأنا في اتجاه آخر. ما جعل أخنوخ يسير مع الله هو الإيمان: بِالإِيمَانِ… سَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ” (عِبْرَانِيِّينَ ١١: ٥).

لقد حصل اتفاق بينهما وسارا معًا لأنني تكلمت بكلمات قالها الله عني. أين ذُكر عنا في العهد الجديد أن فينا ضعفًا؟ أو أننا خطاة؟ أو أن فينا حزنًا؟ أين ذُكر عنا هذا الكلام؟ هذه كانت اختبارات العهد القديم. كانوا في وضعية القاصرين. أنت تتحدث عن ضعف، لكن معظم ما كان يتحدث عنه الكتاب بخصوص الضعف كان عدم معرفة، وليس أن حالته هي التعب أو المرض أو أنه واقع في مكان لا يعرف ما تقوله كلمة الله عنه فيه. لكن من الخطير جدًا أن نسير حسب النغمة.

هناك أناس يرنمون بالفعل بعض الترانيم بسبب النغمة. لكن سأعود إلى جزئية أننا يجب أن نقرأ وندرس الرسائل، كما علمنا القس رامز، لأنها تتحدث عن طبيعتنا نحن كمولودين من الله. ليس معنى أن أي تعبير ذُكر في الكتاب يمكنني أن آخذه وأصنع منه ترنيمة. هذا ليس كتابيًا. الرجل الذي قال ليسوع: أُومِنُ يَا سَيِّدُ، فَأَعِنْ عَدَمَ إِيمَانِي” (مَرْقُسُ ٩: ٢٤)، ليس لأنها مكتوبة هكذا في الكتاب تصبح عقيدة. نحن لم نرَ تشخيص يسوع لهذا الرجل، لم يقل له: “أحسنت، الآية التي قلتها رائعة”. لا، الرب يسوع رد عليه برد عكسي تمامًا. عندما قال الرجل: إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ شَيْئًا فَتَحَنَّنْ عَلَيْنَا وَأَعِنَّا” (مَرْقُسُ ٩: ٢٢).

الترجمة العربية لا توضحها جيدًا. في اليونانية، وفي الترجمة الموسعة (AMPC)، الأمر واضح. قال له يسوع: “أنت تقول لي أنا إن كنت أستطيع؟ هل تظن أن الأمر متوقف عليّ أنا؟ إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُؤْمِنَ. كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ(مَرْقُسُ ٩: ٢٣). وكأنه يصحح الصورة لهذا الرجل الذي كان يفهم خطأ. عندما نقرأ الرسول يوحنا، نجده يتحدث إلى مستوى الأطفال ويقول لهم: أَنْتُمْ أَقْوِيَاءُ” (١ يُوحَنَّا ٢: ١٤). إذن، لا يوجد ضعف. لكن قد يقول شخص: “لكنني أشعر بالضعف”. رائع أنك قلت “أشعر”، فالموضوع في إحساسك. لو بدأت تمشي بالكلمة وتصدق المعلومات التي قالتها عنك كلمة الله، كل هذا سيتغير. أنت مولود من الله. الكتاب قال في رسالة أفسس عن المولودين من الله، عن الإنسان الجديد: الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ” (أَفَسُسَ ٤: ٢٤). في الأصل، تعني “مثل الله تمامًا”. الله لا يحوي ضعفًا في داخله، فمن أين ستستورد الضعف؟ الضعف يأتي في حالة واحدة فقط: إذا كنت لا تعرف الكلمة، وليس لأن خامتك ضعيفة.

هناك فرق بين أن أقول إن شخصًا ركب سيارة وعمل بها حادثًا لأن السيارة فيها مشكلة، وبين أنه لا يعرف كيف يقود. السيارة ليس بها مشكلة. الطبيعة التي أخذتها ليس بها مشكلة. روحك الجديدة صارت كاملة في البر والقداسة الحقيقية، أنت أصبحت شبهه تمامًا في كل شيء. يتبقى أن تتعلم. ربما يكون هناك سقوط متكرر، لكن هذا لا يعني أنك ضعيف. السقوط المتكرر لا يعني أن خامتك ضعيفة، بل يعني أنك تحتاج إلى تدريب. تحتاج إلى تدريب. عندما أجد طفلاً يقع كثيرًا وهو يتعلم المشي، هذا لا يعني أن لديه جينًا مسؤولاً عن كثرة السقوط يجعله يقع كل قليل، بل يعني أنه يحتاج إلى أن يتدرب أكثر. لكن الجينات التي فيه سليمة؛ لديه عضلات في رجليه ويديه، ونظام حركي في المخ والنخاع الشوكي يستطيع أن يضبط حركته. فالقصة كلها تكمن في أن تعرف.

فمن يرنم ترنيمات وهو إما لا يضع قلبه فيها، أي لا يركز في الكلام الذي يقال، أو يفعل ذلك رغبة في النغمة الجميلة – وهذه نقطة مهمة علمها لنا القس: لا تحب الترنيمة بسبب المرنم أو بسبب النغمة. أو بسبب الحالة: “أريد أن أبكي، لم أبكِ منذ فترة طويلة”، فألجأ إلى الترانيم الحزينة. لدرجة أن الناس يقسمون الترانيم: هذه ترنيمة “شعبية” أو “فرايحي”، وهذه ترنيمة حزينة. هذا ليس كتابيًا. ترنيمات صهيون هي ترانيم مليئة بالفرح، مليئة بالحق الذي هو داخل هذه المدينة. سنقرأ الآن كيف يتكلم الكتاب عن صهيون، حيث يسميها في إشعياء ٣٣: مَدِينَةَ أَعْيَادِنَا” (إِشَعْيَاءَ ٣٣: ٢٠).

هذا يعني أن لدينا عيدًا طوال الوقت، الأعياد شغالة باستمرار. وفي رسالة العبرانيين قال إننا أتينا إلى مَحْفِلِمَلاَئِكَةٍ” (عِبْرَانِيِّينَ ١٢: ٢٢)، أي أن الحفلة قائمة طوال الوقت. هذه الحفلة لا تنتهي. أنا لا أذهب إلى حفلة اليوم ستنتهي في ساعة معينة، وبعد شهر لدينا حفلة أخرى. الحفلة قائمة طوال الوقت. اسمها نفسه هو “مدينة الأعياد”. فترانيم فيها ضعف وألم، وأنني أعبر في برية وأمور صعبة، هذه ليست ترانيم كتابية. وإن كان هذا اختبارك، ربما أنت شخص يمر بوقت معين فكتب هذا، لكن هذا لا يعني أنه حق كتابي. هناك فرق بين أن يقول شخص “أنا اختبرت هذا” وبين أن يكون “هذا حق كتابي”. ليس معنى أنني ذقت هذا أنه حق كتابي. أحد أصحاب أيوب كان اختباره أن الله يَجْرَحُ وَيَعْصِبُ، يَسْحَقُ وَيَدَاهُ تَشْفِيَانِ” (أَيُّوبَ ٥: ١٨).

هو قال الطريقة التي يرى بها الله، لكن هذا لا يعني أن الله هكذا، أو أن هذا حق كتابي. ربما أنت عشت هذا لأنك لم تكن تفهم الكلمة، أو كنت لا تزال تنمو في مرحلة من مراحل حياتك. فبعد أن وصلنا إلى مرحلة من الفهم الروحي، سيصير من الخطية – وأعتذر عن صعوبة اللفظ – أن أرجع إلى مكان تركته. أرجع إلى مكان فيه ضعف، أتكلم فيه عن نفسي بكلمات ليست كلمات الله عني.

عندما نقرأ عن التسبيح في عبرانيين ١٣، نجده مربوطًا أيضًا بالمدينة. يقول في عبرانيين ١٣: ١٤ لأَنْ لَيْسَ لَنَا هُنَا مَدِينَةٌ بَاقِيَةٌ، لكِنَّنَا نَطْلُبُ الْعَتِيدَةَ” (عِبْرَانِيِّينَ ١٣: ١٤). لقد كان يتكلم في الإصحاح ١٢ عن المدينة، ويكمل في الإصحاح ١٣. ١٥ فَلْنُقَدِّمْ بِهِ فِي كُلِّ حِينٍ ِللهِ ذَبِيحَةَ التَّسْبِيحِ” (عِبْرَانِيِّينَ ١٣: ١٥).

متى نقدم التسبيح؟ فِي كُلِّ حِينٍ. ليس في وقت دون آخر، بل كل حين. فَلْنُقَدِّمْ بِهِ فِي كُلِّ حِينٍ ِللهِ ذَبِيحَةَ التَّسْبِيحِ. إذن، التسبيح ذبيحة. وعندما نقرأ عن نظام الذبائح في العهد القديم، لم يكن أي شيء يُقدَّم هكذا. كان هناك نظام صارم لتقديم الذبائح. الله ليس إلهًا يقبل أي شيء ويمرره. ليس الأمر “ربنا طيب وبيعدّي”. نعم، كأنه شخص طيب سيقبل أي شيء تقوله له. في مرحلة الطفولة، سينزل الله إلى مستوى الشخص، لكن عندما تنضج، لا يصلح ذلك. أنت نفسك لا تعامل مديرك في العمل كما تعامل شخصًا في بيتك معاملة ودية. صحيح هو أبونا، لكن له الاحترام والمهابة والتقدير. لا يصح أن يُقال أي شيء في حضوره لا يتماشى مع الكلمة.

يقول: نُقَدِّمْ… ذَبِيحَةَ التَّسْبِيحِ، أَيْ ثَمَرَ شِفَاهٍ. ما هي ذبيحة التسبيح؟ قال إنها ثمر شفاهنا، ثمر كلماتنا الخارجة منا. إذن ثمر الشفاه هو الكلمات، والتسبيح يحتوي على كلمات. لا يصح أن يقول أحد “أنا أسبح” وهو يقصد فترة ترانيم وحسب. ليس مجرد فترة ترانيم، بل يجب أن تُطلق كلمات. وكونه كُلَّ حِينٍ، فهذا يعني أنني طوال الوقت في هذه الحالة. لو فكرت في هذا، قد تقول: “سأتعب، سأحتاج أن أستريح قليلاً”. لكن الفكرة هي أن أعيننا تتفتح على أن التسبيح هو حالة مستمرة، أنك تتكلم طوال الوقت وأنت في هذه الوضعية، حتى وأنت نائم.

لأن روحك في حالة صحيان دائم. والكتاب قال إن روحك موجودة في المدينة، مدينة الاحتفالات. فتجد نفسك تسبح، قد تقوم في منتصف الليل تتكلم بألسنة، أو تقوم وأنت تهتف وتعظم الرب. قال عن التسبيح هنا إنه ثَمَرَ شِفَاهٍ مُعْتَرِفَةٍ بِاسْمِهِ. كلمة “معترفة” في الأصل هي “homologia“. “Homo” تعني “نفس الشيء”، و”logia” تأتي من “logos” أي “الكلمة”. المعنى هو أن تقول نفس الشيء الذي تقوله كلمة الله. هذا يعني أن التسبيح يجب أن يكون متوافقًا مع الكلمة.

يعني التسبيح ليس مجرد ترانيم، ليس مجرد موسيقى. نعم، ليس مجرد أنني جالس وجاءتني بعض الكلمات فكتبتها أو نسقتها معًا. عندما نقرأ عن التسبيح في العهد القديم، نجد أن الذين كانوا يؤلفون الترانيم، مثل داود الذي نظم التسبيح، كانوا أنبياء. لم يكونوا أناسًا عاديين يكتبون أي شيء. كانوا أنبياء نظموا التسبيح والقادة، وليس شخصًا يكتب حالته. وهذا هو حال معظم الترانيم التي نقولها، نكتشف أنني أقول حالتي: “أنا متعب”. وللأسف، هذه حسب الكلمة هي عبادة للذات وليست عبادة لله. الشخص يظن أنه يعبد الله، لكنه في الحقيقة دخل ليقيم حفلة رثاء لنفسه. هو حزين على نفسه، حزين على حاله. وأحيانًا يستخرج الناس بعض الآيات التي تتماشى مع هذه الحالة، مثل أننا في برية صعبة ومزعجة، وسنواجه أمورًا صعبة، و”في العالم سيكون لكم ضيق”، يدخلون الآيات في بعضها ليضبط الشخص حالته على الترنيمة. هناك أناس يفعلون هذا عن عدم معرفة، والرب ينظر إلى القلب. لكن آن الأوان أن يخرج الشخص من جو عبادة مشاعره، عبادة إحساسه، عبادة اختباره. لقد قال عن التسبيح هنا: ثَمَرَ شِفَاهٍ مُعْتَرِفَةٍ بِاسْمِهِ، أي تتكلم بما تقوله كلمة الله عن الله. فالتسبيح هو: “أبي، أنا أشكرك كم أنت رائع، أنت عظيم، شكرًا لأجل النعمة التي في حياتي، شكرًا لأنك قدير”. هذا هو التسبيح. “شكرًا لأنك أمين”، ولكن بلغة ملحنة.

الشخص يتكلم بالكلمة، لا يتكلم عن المشكلة. أنا أعبد الله. هذه هي أهمية التسبيح. أشار القس رامز أيضًا وعلمنا ألا نكون منقادين وراء اللحن أو وراء شخص معين يسبح. لأنه لو غاب هذا الشخص، أو لو تغيرت الترنيمة، قد لا أستطيع أن أعبد. هناك من يقول: “لا أسمع إلا من الشخص الفلاني، غير ذلك لا أعتبره تسبيحًا”. وهو لا يدرك أن روحه تلتقط أن القوة تكمن في الكلمات نفسها التي نتحدث عنها اليوم. يا لروعة أن ندرك هذا في تسبيحنا! هذا يمكن أن يغير حياتنا ويقلبها رأسًا على عقب. سأعرف كيف أعبد الرب وأنا في المواصلات، لأنني لست مرتبطًا بنغمة أو بشخص معين. قلبي عابد للآب، الذي يطلب مثل هؤلاء الساجدين أو العابدين الحقيقيين. فقلبي متصل بالسماء طوال الوقت. كلما جلست أفكر في هذه المدينة وما فيها، تلقائيًا، كما قال الرسول بولس، كنتيجة طبيعية لفهمنا لهذه المدينة: لأَنَّ كُلَّ هذِهِ تَتَزَعْزَعُ… أَخَذْنَا مَلَكُوتًا لاَ يَتَزَعْزَعُ” (عِبْرَانِيِّينَ ١٢: ٢٧-٢٨).

فَلْيَكُنْ عِنْدَنَا شُكْرٌ بِهِ نَخْدِمُ اللهَ (نعبد الله) خِدْمَةً مَرْضِيَّةً، بِخُشُوعٍ وَتَقْوَى” (عِبْرَانِيِّينَ ١٢: ٢٨). هذا ينشئ في داخلي حالة عبادة مستمرة. لا أريد أن أتوقف عن العبادة، لا أريد أن أتوقف عن الشكر لله. سواء كنت ماشيًا، أو جالسًا، أو نائمًا، الأمر ليس مرتبطًا بأوقات معينة أو بتشغيل شيء ما. قال القس رامز: “اعملوا تدريبًا جيدًا. لو أنك تعبد في بيتك وأنت تشغل ترانيم معينة أو موسيقى، جرب أن تطفئ هذه الأشياء وتعلم أن تعبد بغض النظر عن وجود مؤثر خارجي يساعدك”. وهكذا في الكنيسة، تعلم أن تعبد بغض النظر عن وجود مؤثر خارجي في صورة شخص أو لحن. العبادة هي أمر داخلي، ينبع من قلبي لهذا الإله. إن لم تكن متدربًا على هذا، فمن الجيد أن تبدأ الآن تتدرب وتتعلم ترنيمات صهيون التي تكلمنا عنها.

نعم، هذا تدريب عملي جدًا لكل واحد منا. أن تجعل تسبيحك وكلماتك كما تقول الكلمة عنك وعن الله. فأنت تسبح الله طوال الوقت بكلمات لا تنتهي. أنت تنظر دائمًا ماذا تقول الكلمة. يا لهذا المجد! هذا لا علاقة له إطلاقًا بحالتك أو أين تقف. وهذا يفسر لماذا عندما تسأل شخصًا، يقول: “أنا لا أستطيع أن أسبح، لا أقدر حتى أن أفتح فمي”، لأنه يربط التسبيح بأنه لو كان فرحانًا أو بخير، سيقدر أن يفعل ذلك. لكن اليوم، هذه الحقيقة يمكن أن تنقل كل شخص منا بشكل مختلف. اجعل تسبيحاتك قرارًا. في كل مرة، أنت تقرر: “أنا أسبح الرب، أنا أعبد الرب، أنا أعترف بشفاهي”. يا للروعة

لغة الملوك: كيف تحيا بمبادئ المدينة الإلهية

ستنتهي أمورٌ كثيرةٌ لو أن الشخص بدأ يقلل من تركيزه على مشكلته أو حالته، وبدأ يعبد الرب وينسكب قلبه أمامه. أتذكر أن القس كريس روى قصة عن فتاة أتت إلى الاجتماعات وكانت تعاني من مشكلة في يديها وقدميها، وجاءت على كرسي متحرك. وفي أثناء الاجتماع، وجدت التسبيح قائمًا.

وهذه النقطة في غاية الأهمية. أحيانًا، يخرج الناس أثناء وقت التسبيح، فيقول البعض: “حسنًا، أنا أحب العظة، لذا سأخرج وقت التسبيح”، معتبرين وقت التسبيح أقل أهمية من وقت الكلمة. وعلى العكس من ذلك، هناك من يعتبرون التسبيح هو الأهم: “أنا أحب التسبيح ولا أحب الكلمة”، فيأتي ليحضر التسبيح ثم يغادر. وهناك من يقللون من شأن التسبيح، معتبرين أنه مجرد وقت “تسخين” للعظة، فلا يهم ما قد أفعله فيه. لا، بل هو وقت يجب أن يُعطى كل الانتباه.

هذه الفتاة، وهي في الاجتماع، قالت: “طالما أن هناك وقت تسبيح، سأعبد الرب”. نعم، وانغمست مع التسبيح والعبادة. وبعد قليل، وجدت نفسها ترفع يديها اللتين لم تكن قادرة على رفعهما قبل دخولها الاجتماع. وبعد فترة، وجدت نفسها تقف من على كرسيها المتحرك وهي لا تنتبه. لم تدرك ما حدث إلا في نهاية العبادة، وقالت: “ما هذا؟!”. بمجرد أن ذابت في محضر الله ودخلت في جودته، وبدأت تتكلم عن الله وعظمته وصلاحه، اكتشفت أن الجبال التي كانت تواجهها – جبال مرضها ومشكلتها – قد سقطت وانتهت.

لو أن الناس بدأوا يدركون هذا الأمر، نعم، يدركونه. مشكلتي لن توقفني عن عبادة الرب. الأمر الذي أعاني منه لا يثنيني، فأنا مرتبط بالله لأني أحبه، وليس لأني مرتاح. لست أعبد الرب لأني مرتاح، أو لأن عندي معجزة. لكن لو كان هناك تحدٍ، فلا أقول: “يا رب، اتركني الآن لأتجاوز هذا التحدي ثم أعود إليك”.

الكنيسة، كما نقرأ عنها في العهد الجديد، صارت مكانًا للانتصار، مكانًا للفرح. ليس من الكتابي أن يدخل شخص الكنيسة فيخرج متكدّرًا ومهمومًا ومتعبًا. هذا ليس كتابيًا. نحن الحل للعالم. يقول الكتاب في رسالة رومية الإصحاح ٨ إن الخليقة تنتظر بشغف وشوق، تتوقع. تنتظر من؟ هل تنتظر الناس الذين يئنون والأمور الصعبة التي تحدث؟ كلا، بل قال: تَتَوَقَّعُ اسْتِعْلاَنَ أَبْنَاءِ اللهِ” (رُومِيَةَ ٨: ١٩). إذن، الخليقة تنتظر الأبناء.

فمن الطبيعي إذن أن يكون المكان الذي يوجد فيه الأبناء، والاجتماعات التي يحضرها الأبناء، مليئة بالفرح. العالم مليء بالحزن، مليء بالأسى، مليء بالتجارب والأمور الصعبة. إن كانت هذه هي لغتنا نحن أيضًا في الداخل، فما الفرق بيننا وبينهم؟ ما الذي سنصدره للعالم؟ سنكون نعيش نفس الحالة. لكننا انتقلنا إلى مدينة مختلفة، لقد أتينا إلى مدينة الله الحي، إذن لنحيا بحسب هذه المدينة، لنضبط أنفسنا على ما هو بداخلها. وكما قلت، أحد الأسرار التي تعلمناها من القس رامز هو أنني إن بدأت أضبط كلماتي على ما يقوله الله، وبدأت أضبط ذهني على ما يقوله الله، فإن حياتي ستختلف تمامًا. أن لا أعترف بما أشعر به. قد أكون أشعر بشيء، وهذا ليس إنكارًا للواقع، بل هو إيمان بشيء أسمى مما أشعر به.

نعم. البعض يقول: “هل يعني هذا أن أنكر أنني أشعر بالأمر الفلاني؟”. في الحقيقة، الرب يسوع قال: “أنكره”. عندما قال: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَتْبَعْنِي” (لُوقَا ٩: ٢٣). أنكر نفسك، أي نفسيتك، مشاعرك التي تقول لك إنك منطفئ، إنك حزين، إنك بعيد عن الرب. حتى لو مر عليك وقت، ربما شخص مر عليه وقت لم يتغذَّ بالكلمة. الأمر سهل، لم تعد هناك إجراءات معقدة يجب على الشخص أن يقوم بها ليدخل إلى محضر الله كما كان يحدث في العهد القديم. أنت داخل الحضور الإلهي، فقط وجه انتباهك، تب عن الأمر إن كان هناك أمر خاطئ، وادخل محضر الله واعبده. أنت لا تحتاج إلى أيام أو أسابيع لتشعر أنك مقبول ومحبوب لدى هذا الإله. لا يوجد فاصل، لقد انتهت الفواصل.

مبادئ المملكة: هوية ووظيفة المواطن السماوي

نكمل حديثنا عن الكلمات، التي منها التسبيح. الكلمات في هذه المملكة، في هذه المدينة، مهمة. هذه المدينة هي مدينة كلمات. عندما ندرس عنها في الكلمة، نكتشف أنها مدينة كلمات. إنها مدينة ملوك وكهنة. نعم. يقول الرسول يوحنا إن الله جَعَلَنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً” (رُؤْيَا يُوحَنَّا ١: ٦). وأحب أن أسألك عزيزي القارئ: متى ستشغل هذا المنصب، أو هذين المنصبين؟ متى ستعيش كملك وكاهن؟ هل عندما نصعد إلى السماء؟ إنها هنا والآن.

هذا وقتها هنا على الأرض، أن نحيا الملوكية، أن أعيش كملك. وماذا سنفعل؟ كيف أعيش كملك أو كاهن؟ هل أذهب لأرتدي ثياب كاهن الآن؟ ماذا أفعل؟

أنا لن أرتدي ثياب كاهن ولا تاج ملك، بل سأمارس هاتين الوظيفتين. الأمر يشبه شخصًا لديه وظيفة لكنه لا يمارسها، يجلس في المنزل ولم يذهب لاستلام عمله.

*وظيفتك السماوية على الأرض: ملوك وكهنة*

  • وظيفة الكاهن: كان الكاهن في العهد القديم هو الوسيط بين الله والشعب. كان يحمل الشعب على صدرته، وعلى كتفيه، يتشفع لأجلهم في الصلاة.
  • وظيفة الملك: وظيفة الملك هي أن يحكم. والحكم يبدأ من دائرتي الخاصة. قال الرسول بولس: لأَنَّ الَّذِينَ يَنَالُونَ فَيْضَ النِّعْمَةِ وَعَطِيَّةَ الْبِرِّ، سَيَمْلِكُونَ فِي الْحَيَاةِ” (رُومِيَةَ ٥: ١٧). نحن نملك الآن.

نحن نملك بالواحد يسوع المسيح. أنا لن أنتظر يومًا آتيًا لأملك مع يسوع عندما نعود إلى الأرض في مُلك حرفي. الآن هو وقت التدريب. دائمًا ما يقول القس رامز: “نحن قضاة تحت التدريب” أو “ملوك تحت التدريب”. أنا أمارس هذا في حياتي. فأبدأ أسود على حياتي، أبدأ أملك على حياتي، أملك على ظروفي. فهذه المدينة مليئة بالملوك. ونحن نشغل هذه الوظائف. لكن هناك أناس لم يستلموا الوظيفة بعد.

نعم، في هذه المملكة، كل واحد منا هو ملك وكاهن، أو من المفترض أننا نمارس كلتا الوظيفتين طوال الوقت. لكن الأمر يتطلب استلامًا. كما يصل خطاب توظيف لشخص، يجب عليه أن يذهب ويستلم ويمضي إقرارًا بأنه استلم الوظيفة. هناك أناس لم يدخلوا بعد إلى هذه الجزئية، لم يستلموا وظيفتهم، ولهذا السبب، تعيش الحياة وهي تصارعهم وتحاربهم. لأنه طالما أنا أعيش خارج وظائفي في هذه المدينة كملك وكاهن، سأعيش حياة طبيعية مثل بقية الناس.

*لغة الملوك: لا تتكلم بلسان العبيد*

نحن، كما قلت منذ قليل، لم نُدعَ إلى ما هو طبيعي. نحن دُعينا إلى ما لا يُرى، دُعينا إلى الأمور الخارقة والعظيمة. نحن نسير مع هذا الإله. والملوك لهم طريقة في التعامل. أم لموئيل الملك، على سبيل المثال، قالت لابنها في سفر الأمثال: لَيْسَ لِلْمُلُوكِ يَا لَمُوئِيلُ، لَيْسَ لِلْمُلُوكِ” (أَمْثَال ٣١: ٤). إذن، هناك أمور لا تليق بالملوك أن يفعلوها. فلا يصح للملك أن يتكلم بطريقة العبد. لا يصح للملك أن يقول: “أنا منحوس”، “أنا مطحون من الحياة”، “أنا متعب”. هذه ليست لغة ملك. نعم، هذه لغة شخص وُضع تحت العبودية، لغة عبد يعاني. فعندما تبدأ هذه الكلمات ترسم حياة شخص ما، وتكون لسان حاله طوال الوقت، فأنت لا تحيا كملك، أنت تركت هذه الوظيفة.

لقد خلعت الرداء الملوكي، تركت وظيفتك. الملائكة تتعجب أحيانًا من أن البشر يتكلمون بمثل هذه الكلمات، لأنها ترى مكانتنا الحقيقية، كيف أننا نُصِّبنا ملوكًا وكهنة. يا للروعة! لو أدركنا البركة التي صرنا عليها، لن تفكر أبدًا في أن تقول: “أنا نحس”. “كلما ذهبت إلى مكان أجده مغلقًا”، أو “كلما تقدمت لوظيفة أُرفض”، أو “كلما اشتريت شيئًا يتعطل”. “كل الأبواب مغلقة”، أو “الأبواب موصدة في وجهي”. أنت لم تدرك بعد أنك مبارك، وأنك صرت في هذه المدينة المباركة. نعم. فوطيفار المصري أدرك هذا، فاستدعى يوسف وقال له: “منذ أن أتيت إلى هنا، يحدث شيء غير عادي، لقد تباركت بسببك”.

ولابان أدرك هذا في وجود يعقوب وقال له: “لقد تباركت بسبب وجودك”. نحن لسنا مباركين وحسب، بل إن وجودنا في أي مكان يجلب البركة. لو بدأت تصدق ما تقوله كلمة الله وتتكلم به، ستجد نفسك بركة في أي مكان تذهب إليه. لقد أحدثت تغييرًا في جو المكان بمجرد وجودك فيه. فكما قلنا، هناك أمور لا تليق بالملوك أن يفعلوها، ليس لهم أن يتكلموا بعكس ما يقوله ملك الملوك ورب الأرباب، عكس أبيهم، عكس قواعد المملكة.

*افصل الثمين عن المرزول: مبدأ إرميا لحياة القوة*

قال الرب لإرميا – وسأقرأ هذه الآيات من سفر إرميا الإصحاح ١٥، العدد ١٩: ١٩ لِذلِكَ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: «إِنْ رَجَعْتَ أُرَجِّعْكَ فَتَقِفَ أَمَامِي، وَإِذَا أَخْرَجْتَ الثَّمِينَ مِنَ الْمَرْذُولِ فَمِثْلَ فَمِي تَكُونُ. هُمْ يَرْجِعُونَ إِلَيْكَ وَأَنْتَ لاَ تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ” (إِرْمِيَا ١٥: ١٩).

هو يقول له: “ارجع عما تفعله”. الرب يتكلم إلى إرميا النبي ويقول له: “ارجع عما تفعله لكي تقف أمامي، أريدك أن تكون في محضري”. وماذا كان يفعل إرميا؟ لو قرأنا الأعداد التي تسبقها، سنجده في حالة رثاء لنفسه، حزين على حاله. يتكلم بكلمات لا تليق بنبي، لا تليق بشخص يتكلم بالنيابة عن الله. فقال له: “ارجع عما تفعله فتقف أمامي”.

وَإِذَا أَخْرَجْتَ الثَّمِينَ مِنَ الْمَرْذُولِ. الثمين هو الشيء الغالي، والمرذول هو الشيء الذي لا قيمة له، كالقش. فَمِثْلَ فَمِي تَكُونُ. ما هو الثمين وما هو المرذول هنا؟ يقول الرب لإرميا: “لقد بدأت تتكلم بكلمات لا لزوم لها، كلمات خاطئة”. ولهذا السبب، ذهبت في طريق آخر غير طريقي. يقول له: “إن قلت كلامًا ذا قيمة، لا كلامًا تافهًا”. ما هو الكلام التافه هنا؟ هو رثاء الذات، أن يجلس الشخص ويقول عن نفسه: “أنا كذا”، “أنا لن أتغير أبدًا”. عبارة مثل “أنا سأظل كما أنا”. نعم. أنت تتكلم كلامًا تافهًا، لا تتكلم مثل الله. فقال له: “سأجعلك متكلمًا عني”. لو بدأت تفعل ذلك، لو تبت عما تفعله يا إرميا، لو أوقفت هذا الكلام وبدأت تتكلم بالكلام الثمين، الكلام الصحيح، كما يتكلم الله، ستكون أنت المتكلم بفمي، وهذا الشعب سيأتي إليك ولن تحتاج أنت أن تذهب إليه. وبعد ذلك قال له: وَأَجْعَلُكَ لِهذَا الشَّعْبِ سُورَ نُحَاسٍ حَصِينًا، فَيُحَارِبُونَكَ وَلاَ يَقْدِرُونَ عَلَيْكَ” (إِرْمِيَا ١٥: ٢٠). لقد قال له أمورًا مشابهة في الإصحاح الأول: جَعَلْتُكَ… مَدِينَةً حَصِينَةً وَعَمُودَ حَدِيدٍ وَأَسْوَارَ نُحَاسٍ” (إِرْمِيَا ١: ١٨).

هذه هي المدينة التي نتحدث عنها. ولكي تسلك فيها، لا يصح أن تمشي عكس الله، لا يصح أن تتكلم بطريقة لم يتكلم بها الله. الغريب أننا على مدار الكتاب المقدس كله، لا نرى الله يتكلم بطريقة سلبية أبدًا. حتى في أصعب المواقف، في سقوط الإنسان وتسليم الأرض لإبليس، وإعلان إبليس انتصاره، قائلاً: “مشروع الله الكبير، الإنسان، أصبح في يدي، تحت قبضتي”. كان إبليس سعيدًا جدًا لأنه سيطر على الأرض التي لم يكن يستطيع أن يسيطر عليها من قبل. في ذلك الوقت، لم يستسلم الله ولم يتكلم بكلمات فشل أو حزن. بل في نفس الموقف، أعلن الله وقال للمرأة: “من خلالكِ دخل الخداع والسقوط، ومن خلالكِ أيضًا سيأتي الخلاص”. وأخبرها عن نسلها الذي سيأتي منه الخلاص. لم نرَ الله أبدًا في مشهد هزيمة، لم نره يتكلم بكلمات سلبية، لم نره يتراجع.

وفي عز ما كان الشعب يشكك فيه وقت تجسس الأرض، وعاد الجواسيس العشرة وأشاعوا مذمة للأرض، وبدأ كل الناس يتكلمون قائلين إن الرب أخرجهم ليموتوا هناك، وأن الأرض تأكل سكانها. في عز ذلك الوقت المليء بعدم الإيمان، والذين وقفوا في صف موسى كانوا قليلين، تكلم الرب وقال: حَيٌّ أَنَا فَتُمْلأُ كُلُّ الأَرْضِ مِنْ مَجْدِ الرَّبِّ” (اَلْعَدَد ١٤: ٢١). لقد بدأ يتكلم بعكس ما هو حاصل. لم يقل: “لماذا خذلتموني يا شعبي؟”. لم يتكلم الله أبدًا بكلمات فشل. لذلك قال لإرميا بنفس الطريقة: “هل تريد أن تعود لتقف في محضري؟ هل تريد أن تكون المتحدث باسمي؟”. ما رأيك أن تكون أنت المتحدث بفم الله في كل موقف، أمام كل مشكلة، أمام كل ظرف، أمام كل الأعراض؟ إن كنت تريد أن تكون متحدثًا بفم الله، فاضبط فمك ليتكلم مثل فمه. انظر كيف يتكلم الله، وكن أنت تتكلم بنفس الطريقة، بنفس كلمات الله.

يا للروعة! دعونا نرى كيف عاش الرب يسوع هذا الأمر عمليًا على الأرض. لقد كانت كلمات الرب يسوع طوال الوقت، لم تخرج منه كلمة سلبية واحدة. وهذا هو ما دُعينا لنكون عليه. وكأننا اليوم نضيء أعين المشاهدين: لو أنك تستصعب الأمر، لا، يسوع فعله قبلك. هذا متاح لك أن تفعله، ليس أمرًا بعيد المنال أو كلامًا في الهواء. ليس الأمر “يا ليتنا نستطيع”. لكننا عمليًا نضبط أذهاننا ونوجه تفكيرنا إلى أنه بكلماتك أنت تحيا، بكلماتك ترى الأمر مختلفًا. هذه هي مهمتك، هذه هي وظيفتك.

الملك كل ما يفعله هو أنه يتكلم. نعم، كل ما يفعله الملك هو أنه يتكلم، يصدر قرارات. هو غالبًا لا يعمل بيديه، لكن كل ما يفعله هو كلمات. وبنفس الطريقة، كل ما يفعله المؤمن… لا أقصد مجرد كلام من غير أفعال. وليست مجرد كلمات إيجابية. أريد أن أنبه على هذا، فالكثيرون يقولون كلامًا إيجابيًا وحسب. لكن الله كان يتكلم بالكلمة، كان يتنبأ، كان يعلن حقائق عن نفسه، عن الخليقة. كان يخلق بكلماته. ليس مجرد كلام عابر أو أنني “لم أقل كلامًا سيئًا”.

صحيح. نحن مدعوون ولدينا المادة التي نقولها. لست بحاجة لأن أقول أي شيء، لدي المادة التي يريدني الله أن أستخدمها لأكون مثله. نعم. بقدر ما آخذ الكلمة وأتكلم بها، بقدر ما تصير طبيعتي مشابهة له.

*الكبرياء الحقيقي والتواضع الكتابي*

ولكن، أليس هذا كبرياءً ؟ أن أجلس وأقول: “أنا ملك، وأنا عظيم…”؟

إن تعريف الكبرياء حسب كلمة الله هو عكس ما يراه الناس. الناس ترى الكبرياء فيمن يكثر من قول “أنا”. لو أن شخصًا قال “أنا” كثيرًا، يعتبرونه متكبرًا. سنجد أن الرب يسوع قال “أنا” كثيرًا، والرسول بولس قال “أنا” كثيرًا. فلو كان المقياس هو عدد المرات، لكان هؤلاء متكبرين. تعريف الكبرياء حسب الكلمة هو أن تقول شيئًا عكس ما قاله الله. هذا هو تعريف الكبرياء.

إذن، الكبرياء هو عندما أقول: “أنا خاطئ”، أو “أنا ضعيف”، “أنا سيء”. أو “أنا عبد لا أستحق”. لكن في نظر الناس، هذا شخص متواضع. أما في تقييم الله، فهذا الشخص متكبر، لكنه تواضع زائف. هو في الحقيقة كبرياء لأنك تكلمت بعكس الكلمة. كيف يخرج من إنسان أن يقول شيئًا عكس التقرير الإلهي؟ إذا كان التقرير الإلهي يقول إنك عندما قبلت يسوع صرت بارًا، فمن أين أتيت بـ”أنا خاطئ”؟ أنت بذلك تقول لله: “أنت لا تعرف شيئًا، أنا أعرف أكثر منك”. هذه هي كلمات الناس عندما يقولون: “أنت لا تعرف حالتي”. من أين أتيت بتقريرك؟ اليوم، فكر في التقارير التي تكتبها عن نفسك، من أين تأتي بها؟

في الحقيقة، هي غالبًا ما تكون أصوات أرواح شريرة في ذهن الشخص وهو لا يعرف. هو يظن: “أنا أعيش هكذا”، “هذه هي طبيعتي”. لكنه صوت روح شرير يتكلم في ذهنه: “أنت كذا، أنت كذا”. وهو لا يعرف، يظن أنه شخص حالته بنفسه بناءً على ما عاشه. تقرير الله هو ما يجب أن تصدقه وتتكلم به. وإن فعلت عكس ذلك، فهذا هو الكبرياء. أما إن فعلت ذلك، فسيقول لك الله: “أحسنت، أنت تسير في الطريق الصحيح”. كما قال لإرميا: إِذَا أَخْرَجْتَ الثَّمِينَ مِنَ الْمَرْذُولِ. لو بدأت تطرد الكلمات السلبية، وتوقفت عن الكلام بطريقة سلبية، وتكلمت بالطريقة التي دعوتك إليها.

لقد وصف الرب هذه الكلمات بأنها ثمين، شيء ثمين، شيء غالٍ جدًا. هذا هو ما أريدك أن تتكلم به. لا نرى أبدًا في الكلمة أن الله يتكلم عن الإنسان بأي رخص. أحيانًا، حتى في المزاح، صار ترخيص الناس أمرًا شائعًا. أن يقارن الشخص نفسه بحيوانات أو أشياء أخرى. طوال الوقت، هذه اللغة التي فيها رخص، وفيها يرى الشخص نفسه قليلًا. أو حتى أن يسخر الشخص من نفسه: “أنا غبي”، “أنا لا أفهم”، “أنا أنسى”. الناس يأخذونها على محمل الهزل. لكن الله لم يتكلم بهذه الطريقة أبدًا. أو الكلمات التي تقولها للآخرين، لأصحابك: “أنت غبي”، “أنت لا تفهم شيئًا”، “ستظل كما أنت”. كم أن لكلماتنا سلطان! كل كلمة نقولها، إما أننا نحرك بها أرواحًا شريرة، أو نتحرك في العالم الروحي.

قوة الكلمات: مغناطيس حياتك

إن كلماتك تشبه المغناطيس؛ فإما أنها ستجذب البركة إليك، أو أنها ستجذب اللعنات. يتكلم سفر الأمثال الإصحاح ٢٦ عن أن: ٢ كَذلِكَ لَعْنَةٌ بِلاَ سَبَبٍ لاَ تَأْتِي” (أَمْثال ٢٦: ٢). أي أن اللعنة لن تستقر إن لم يكن هناك ما يجذبها، إن لم يكن هناك سبب. كلماتك تعمل كالمغناطيس. فبيدك أن تجذب البركة وتجذب الأمور الرائعة، أو بيدك أن تجذب عكس ذلك. الأمر يشبه تمامًا وجود حلويات غير مغطاة؛ ستجذب الذباب. تلقائيًا، على طول، لأنها ليست مغطاة. فكلماتك السلبية ستجذب الأرواح الشريرة، ستجذب الأمور الخاطئة إلى حياتك.

لقد أوقف الرب يسوع بطرس عند حده في وقت من الأوقات. في مشهد كان جميلاً في بدايته، كان الرب يسأل: “مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا؟ … وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟”. شهد بطرس شهادة، فمدحه الرب يسوع وقال له: طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا! إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (مَتَّى ١٦: ١٧).

بعد قليل، ونحن في وسط المشهد الجميل الذي فيه إعلان من الآب، دخل الشيطان وبدأ يتكلم على فم بطرس. بدأ الرب يسوع يقول لهم إنه سيتألم، ويُصلب، ويموت، ويقوم في اليوم الثالث. فوقف بطرس وقال له: “حَاشَاكَ!”. أخذه جانبًا هكذا وانتهر المعلم. يقول الكتاب: “ابْتَدَأَ يَنْتَهِرُهُ”، وكأنه يقول له: “ما هذا الذي تقوله؟ هذا عيب، لا تقل عن نفسك هكذا، أي أنه لن يحدث لك ذلك”. فقال له يسوع: اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ!” (مَتَّى ١٦: ٢٣). لقد كان يسوع يميز أن الكلمات التي خرجت من بطرس كان الشيطان وراءها. قال له: أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي، أي أنت ستعثرني، أنت حجر عثرة، أنت لا تريدني أن أكمل الطريق. لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا ِللهِ لكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ، مع أن كلماته تبدو في شكلها جميلة.

جميلة، أي أن هذا الشخص يحب معلمه ويخاف عليه. لكن يسوع قال له أنت تهتم بما للناس لا بما لله. وهذا هو الباب الذي فتحه بطرس؛ هذا لا يعني أن الشيطان سكن فيه، لكنه ترك بابًا لإبليس ليرمي أفكارًا على ذهنه لكي يتكلم بهذه الكلمات. وليستخدم السلطان الذي عند بطرس، لدرجة أن يسوع قال له: “لا، أنت ستوقفني. اسكت لأن كلماتك ستوقف العمل الضخم الذي أنا ماضٍ إليه”. يا للروعة!

نكمل في حياة الرب يسوع في يوحنا ٨: ٢٣. نحن نرى كيف عاش يسوع هذا الأمر فعليًا. في هذه المدينة، قال يسوع، كما في يوحنا ٨: ٢٣: أَنْتُمْ مِنْ أَسْفَلُ. كان يكلم اليهود، الناس غير المؤمنين في ذلك الوقت. أَمَّا أَنَا فَمِنْ فَوْقُ. أَنْتُمْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ، أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مِنْ هذَا الْعَالَمِ” (يُوحَنَّا ٨: ٢٣). نفس هذه الكلمات قيلت عنا في يوحنا ١٧: ١٦ لَيْسُوا مِنَ الْعَالَمِ كَمَا أَنِّي أَنَا لَسْتُ مِنَ الْعَالَمِ” (يُوحَنَّا ١٧: ١٦).

نعم. هذه الكلمات تعني أنني بما أنني لست من العالم، إذن لا تسود عليّ الأمور الصعبة التي تحدث في العالم. لأنني لست من هنا، أنا لا أنتمي لهذا العالم. لن تُطبق عليّ قوانين هذا العالم. ستسري عليّ القوانين التي تسري داخل هذه المدينة. عندما قال لهم الرب يسوع: أَنْتُمْ مِنْ أَسْفَلُ، ماذا كان يقصد بأسفل؟ أسفل وفوق. بالنسبة لليهود، تُفهم كلمة “أسفل” على أنها الهاوية. فقال لهم: “أنتم طالعون من هناك”. وفي مرة أخرى واجههم بصراحة وقال لهم: أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ” (يُوحَنَّا ٨: ٤٤). أي أنه قالها لهم بوضوح: “أنتم خارجون من هذا الشخص الذي هو إبليس”. هنا يقول لهم: “أنتم تأتون بهذا من الهاوية، أنتم قادمون من الهاوية أساسًا”.

يمكن لشخص أن يكون على الأرض هنا، وإما أن يكون متصلاً بالسماء، كما قال: “أَنَا فَمِنْ فَوْقُ”، أو يكون متصلاً بالهاوية. أي أن هاتين هما الوجهتان الموجودتان اللتان كان يسوع يعرضهما على اليهود. أنتم من أسفل، تنتمون إلى أسفل. ولم يكن يقصد بـ “أسفل” الأرض، لأن يسوع نفسه كان موجودًا على الأرض، بل كان يتكلم عن الهاوية. أما أَنَا فَمِنْ فَوْقُ فتعني متصلاً بالسماء. في سفر الأمثال الإصحاح السابع، سأقرأ هذه الآية سريعًا، كان يتكلم عن المرأة الأجنبية المخادعة. في العدد ٢٧ مثلاً يقول: ٢٧ طُرُقُ الْهَاوِيَةِ بَيْتُهَا، هَابِطَةٌ إِلَى خُدُورِ الْمَوْتِ” (أَمْثَال ٧: ٢٧). لقد كان يتكلم عن أن هناك أناسًا على الأرض هنا متصلون بالهاوية. هناك شخص عندما تقيم علاقة معه، فأنت تتصل بالهاوية مباشرة.

قد يكون صديقًا، هذا صحيح. هناك مكالمة تكون قادمة من الهاوية. نعم. هذا لا يعني أن الهاوية سترفع سماعة الهاتف وتكلمك. لكن الروح التي يتكلم بها الشخص، كما الروح التي تكلم بها بطرس مع يسوع، كان الشيطان هو المتكلم. أي أنه من مجرد مكالمة، أو مجرد هاتف، أو مجرد تواصل بسيط، أنا يمكن أن أذهب إلى هذا المكان، يمكن أن أُؤخذ إليه. يمكن أن أُسحب إلى هذا المكان إن لم أكن منتبهًا وواعيًا. أنا أُؤخذ إلى هذا المكان، ولهذا السبب تكمن أهمية هذه الحلقة؛ في أن أبقى واعيًا طوال الوقت لهذه المدينة، ولعمل الملائكة في هذه المدينة. إن كنت راكبًا المواصلات، إن كنت تتحرك بشكل عادي مع الناس وأسمع المبادئ التي يقولونها.

كيف تفكر فيها عندما تسمع “الدنيا صعبة”؟ كلمة كهذه، أو حتى وأنت راكب مع سائق سيارة أجرة أو أي شخص وتسمع لغة حال الناس: “الدنيا صعبة”. حسنًا، كيف تفكر؟ حتى لو لم يكن لك دور في المشاركة في الحوار، كيف تفكر فيها؟ هل ترد عليها في داخلك من الكلمة؟ أم أنك لا ترد؟ أم أنك، نعم، توافق وتقول: “نعم، بالفعل، أنا لا أستطيع أن أشتري الشيء الفلاني، أنا لا أستطيع أن أحضر الشيء الفلاني”؟ بل وترد عليه أيضًا وتؤكد ما يقوله. عندما يؤكد الشخص، فأنت لم تعزل بعد الثمين من المرذول. أنت سرت مع كلمات العالم، سرت مع كلمات الهاوية. هذه كلمات الهاوية، لم تسر مع الكلمات التي من فوق.

يسوع، طوال الوقت، كانت كلماته من فوق، لأنه كان يصدق ما يقوله، حتى وإن لم يكن ظاهرًا. أي أن يسوع عندما كان يقول لهم إنه من فوق، كان يمكنهم أن يأتوا ويقولوا له: “كيف تكون من فوق ونحن نعرف أباك؟ ونعرف أمك، وأنت وُلدت في الناصرة أو تربيت فيها، فنحن نعرفك”. لا، يسوع كان يصدق أصله الحقيقي، أنه قادم من فوق. وهكذا، ما هو أصلي وجذري الآن؟ نعم، أنا لم آتِ من أبي وأمي الآن. نعم، جئت إلى الأرض وأخذت جسدًا من أبي وأمي، لكن روحي الآن صارت مولودة من الله. وقد أطلق الكتاب على هذا التعبير الرائع “الولادة الثانية”. ولادة انتهت بها علاقتي بنسبي وانتسابي لآدم، ووُلدت من عائلة أخرى داخل المدينة، أصبحت تابعًا لله. إذن، عش كابن لله، عش تابعًا للآب الذي وُلدت منه. حتى لو كنت قد أتيت إلى الأرض، فيسوع أتى إلى الأرض بطريقة خاصة من خلال العذراء مريم.

لكنه طوال وقته لم يكن يقول: “أنا وُلدت من العذراء مريم”. لم نرَ يسوع يتكلم بهذه الطريقة: “أنا وُلدت من العذراء مريم”. طوال الوقت كان يقول: “أنا أتيت من فوق”، “أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ”. كان يتكلم طوال الوقت عن مصدره الذي هو السماء. الآن، نحن مصدرنا السماء. وقال الرسول بولس إننا أيضًا ساكنون وجالسون في نفس الكرسي الذي يجلس فيه يسوع: وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (أَفَسُسَ ٢: ٦). فهذا هو مكاني. فمن أين تتكلم أنت الآن؟ من الأرض التي فيها تعب وضيق وأناس مطحونون، أم تتكلم من السماء التي فيها راحة؟ قد تقول لي: “لكنني أعيش هذا الواقع، أي أنني أتذوق أن هناك صعوبة في حياتي”.

“هذا ما أراه طوال الوقت، ٢٤ ساعة، طوال ما أتحرك، لا أستطيع أن أحضر طعامًا لأولادي، لا أستطيع أن أدخلهم أفضل المدارس، وطوال الوقت”. فكيف، كيف في وسط كل هذا أعرف أن أنتبه لهذه الحقيقة، أعرف أن أذهب إلى هذا المكان؟ أي أنه في أوقات، هناك أناس يقولون: “حسنًا، أنا أريد أن أذهب إلى هذا، لكنني لا أعرف”. “وهذا صعب جدًا، أي أنني سأظل مركزًا هكذا ٢٤ ساعة؟”. الشيء الرائع هو أننا لأننا نخص هذه المملكة ونتبعها، فقد أصبح الأمر سهلاً، لم تعد هناك معاناة. لكن الأمر يريد قرارًا مني. أحيانًا، لا يخرج هذا القرار إلا عندما يتعرض الشخص لضغط عنيف. بمعنى، لو أن شخصًا نزل إلى الماء وهو لم يتعلم السباحة بعد، ووصل إلى مكان لا أرض تحته، فهو كان يستمتع بالماء، لكن فجأة…

نعم، لم يجد أرضًا تحت قدميه، منطقة عميقة وهو يغرق. في ذلك الوقت، سيبذل كل مجهود لكي لا يغرق ويخرج. سيجد نفسه بيديه ورجليه يضرب الماء بأقصى ما عنده حتى تلامس قدماه الأرض ويخرج. نعم. بعض الناس لا يبدأون بالانتباه إلا عندما يحدث شيء يغرق الشخص؛ يحدث مرض شديد، يحدث انتقال لأحد. لست بحاجة إلى أن يحدث هذا لتكون منتبهًا. لكنني أتيت بهذا المثل لأقول إن هناك شيئًا جعل الإنسان يحارب لينقذ نفسه. بنفس الطريقة، إن كنت تختنق من المشاكل والظروف، حارب بنفس الطريقة لكي تخرج من هذه الأمور عبر انتباهك لهذه المملكة. لا تنتظر شيئًا ليفيقك.

لا تنتظر أن يفيقك شيء. لا تنتظر أن تشعر بأن لا أرض تحتك وأنت واقف. أن تجد أن ما كنت تعتمد عليه لم يعد موجودًا. أن ما كنت تتكل عليه وتقول إنه في يوم من الأيام سينفعك، لم تجد أرضًا تحته. اختر أن تنتبه، فبداخلك الإمكانية لتنتبه. لكنك لا تعطي الأمر أهمية. الشيء الذي أعطيه أهمية هو الذي سأستيقظ له باكرًا، وهو الذي سأركز فيه، وهو الذي سأتكلم به. لو أن شخصًا مثلاً يحب كرة القدم جدًا، ونحن في ظل كأس العالم، فبسبب محبته الشديدة وأهمية الأمر لديه، ستجده طوال الوقت يعرف من يلعب اليوم، أي دولة مع أي دولة، وكم كانت نتيجة المباراة السابقة. وبسبب هذه الأهمية، قد يغيب عن عمله أو عن أمر آخر ليذهب ويشاهد المباراة.

لا يريد أن تفوته المباراة. إن أعطيت الكلمة أهمية، وأعطيتها وقتًا كافيًا لتجلس أمامها، سيصير هذا هو طبيعتك. لن تشعر أن هؤلاء الناس يتكلمون في مكان وأنت في مكان آخر. القصة كلها هي الأهمية التي توليها للأمر، كم تقيمه. ما هي قيمة الأمر عندك. لو نظرت إليها على أنها حياة. لقد ذكر الرسول بولس تعبيرًا في رسالة فيلبي عندما قال لهم: مُتَمَسِّكِينَ بِكَلِمَةِ الْحَيَاةِ” (فِيلِبِّي ٢: ١٦). شرحها القس رامز مرة قائلاً إن الأمر يشبه شخصًا متشبثًا بشرفة وهو على وشك السقوط. نعم. وقبضة يده هي التي تبقيه حيًا. نعم. تخيلوا شخصًا في هذا الوضع، متشبث وهو على وشك السقوط، بالتأكيد لن يرخي يده أبدًا. حياتي متوقفة على هذا التشبث.

حياتي متوقفة على قوة قبضة يدي لكي لا أسقط. إن بدأت أنظر إلى الكلمة وأتعامل معها بهذه الأهمية، كمسألة حياة أو موت. حياتي متوقفة على أن أجلس مع الرب. عملي متوقف على أن يكون رائعًا بأن أجلس مع الرب. بدلاً من أن أختار خيارات خاطئة وقرارات خاطئة وأدخل نفسي في مشاكل، لا، سأجلس مع الكلمة وأحارب لكي أجلس. لأن الأرواح الشريرة ستقوم من الناحية الأخرى لتحاول أن توقفني، أن تمنعني، لكنني مصمم على أن أفعل ذلك. إنه قرار مستمر، طوال الوقت. هذا هو ما تحتاج أن تجاهد فيه، لا أن تجاهد في الحياة.

لا، عندما تكتشف هذا، سيصبح طبيعيًا ولن تحتاج إلى المجاهدة بعد ذلك. أي أن المجاهدة تكون في البداية فقط. مثل الشخص الذي لم يكن يستيقظ باكرًا، فقال: “حسنًا، سأستيقظ باكرًا”. فيبدأ جسده يقاومه بصعوبة. نعم. ويحاول أن يرفع الغطاء عنه ليقوم من على السرير، ويقوم وهو يشعر بالنعاس ويذهب ليغسل وجهه. المجاهدة تكون في البدايات، لأن جسدك غير معتاد. لكن بعد ذلك، خلاص، تلقائيًا ستجد جسدك يستيقظ في الموعد. سيصبح هناك شيء بداخلك، ستجد أنك بسهولة تعرف كيف تسمع صوت الروح القدس، وتعرف كيف تنقاد بسهولة، وتعرف كيف تختار الخيارات الصحيحة.

بعدها، في الآية التي تليها، أكمل الرب يسوع وقال هكذا في يوحنا ٨، في العدد ٢٤: ٢٤ فَقُلْتُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ، لأَنَّكُمْ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا أَنِّي أَنَا هُوَ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ” (يُوحَنَّا ٨: ٢٤). فقالوا له: “مَنْ أَنْتَ؟”. أي، من تكون؟ من تظن نفسك؟ من أنت لتقول لنا إننا إن لم نؤمن بك سنموت؟ من تكون أنت؟

كان رد يسوع غريبًا. أي أنني أتخيل لو أن هذا الجزء لم يكن مكتوبًا، وتخيلنا كيف سيرد يسوع عليهم ليقول لهم من هو، كان من الممكن مثلاً أن يقول: “أنا ابن الله”، “أنا المرسل إليكم”، “أنا المخلص”. لكن يسوع رد ردًا غريبًا، فقال لهم هكذا: أَنَا مِنَ الْبَدْءِ مَا أُكَلِّمُكُمْ أَيْضًا بِهِ” (يُوحَنَّا ٨: ٢٥). أي ببساطة، “أنا هو كلماتي”.

وبنفس المبدأ، أنت هو كلماتك. ستصبح كلماتك. ستعيش كلماتك، ستعيش ما تقوله. والكلمات مرتبطة بتفكير الشخص وما خزنه. لأن الرب يسوع قال إنه من فضلة القلب، من زيادة ما في القلب، كلما شُحن القلب، سيفيض في صورة كلمات. فكلماتك ستصبح أنت. أي أنك إن تكلمت بكلمات فيها فشل، لا تستغرب أن يحيط الفشل بحياتك. قال لهم يسوع هكذا: “هل تريدون أن تعرفوا من أنا؟ أنا هو كلماتي. تتبعوا كلماتي وستعرفون من أنا. هل تريد أن تعرف من أنا؟ انظر كيف أتكلم”.

لقد استغرب الرب يسوع نفسه، من شدة وضوح هذا المبدأ في الكلمة، أن الكتبة والفريسيين كانوا يعيشون حياة عكس ذلك. فقال لهم: “كيف يكون جذركم ليس جذر شجرة صحيحة ورائعة، وتعرفون كيف تظهرون للناس أنكم تثمرون ثمرًا جيدًا؟ اجْعَلُوا الشَّجَرَةَ جَيِّ-دَةً وَثَمَرَهَا جَيِّدًا“. لأن هذا المبدأ يعمل في المملكة طوال الوقت. إن كان جذري صحيحًا، إن كانت كلماتي وأفكاري صحيحة، فإن النتيجة، إنتاجي، سيكون بنفس الطريقة، سيكون رائعًا وصحيحًا.

يا للروعة! إنها كلمات قوية جدًا. وكما يقول الكتاب: اَلْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ فِي يَدِ اللِّسَانِ” (أَمْثَال ١٨: ٢١). أنت بلسانك تخلق حياة أو تخلق موتًا. في أوقات كثيرة، نأخذ هذه الآية ونطبقها على الناس لا على أنفسنا. أي أنني يمكن أن أجرح شخصًا أو أضايقه بكلماتي. وهذا حقيقي، فكلماتنا تؤثر، كما كنت تقول، إن وجودك في مكان يؤثر. هل أنت حامل حضور الله أم ماذا وأنت تتحرك؟ فكلماتك بالتالي تؤثر. لكن كأن أعيننا اليوم تتفتح على كيف أن كلماتنا تخلق في حياتنا أمورًا مختلفة بشكل رائع جدًا. انتبه لكلماتك، وربما قبل الكلمات، انتبه لأفكارك. من أين تأتي بمخزونك؟ ما هي البوابة التي تدخل من خلالها هذا المخزون؟

هل أنت جالس طوال الوقت أمام وسائل التواصل الاجتماعي، أمام أصدقاء، أمام أمور بعيدة تمامًا عن الكلمة، وبعيد عن وظيفتك ككاهن؟ كأنك تحتاج أن تعلق أمام عينيك ما هي وظائفك، من أنت، من أنت في المملكة؟ أتذكر أن القس كريس روى قصة جميلة. عندما يأتيه شخص ويتكلم بكلمات لا إيمان فيها، كلمات شك، فإنه يسأله ويقول له هكذا: “أين كنت تتسكع خارج هذه المدينة؟”. فالذي يمشي في هذه المدينة بشكل طبيعي، يظهر ذلك عليه تلقائيًا. هو لا يحاول أن يكون كذلك، هذا شيء يحدث تلقائيًا. أنت لا تحاول أن تتكلم بكلمات جيدة.

سيصبح هذا هو طبيعتك من كثرة ما شُحنت به. في إشعياء ٣٣، يقول آية جميلة: وَلاَ يَقُولُ سَاكِنٌ، كان يتكلم عن هذه المدينة، وَلاَ يَقُولُ سَاكِنٌ: «أَنَا مَرِضْتُ»” (إِشَعْيَاءَ ٣٣: ٢٤). إذن، هو يعرفنا على ما هو موجود في هذه المدينة. إنها آيات تحتاج أن تُبروز. نعم، قد تكون هناك أعراض مرض عليك، لكن كيف تتحرك؟ ما هي الكلمات التي تتكلم بها؟ “أنا متعب، أنا مريض، أنا مرهق، أنا منهك طوال الوقت، أنا لست قادرًا”. لكن رائعة هذه الآية، أنه لو كنت ساكنًا في هذه المدينة…

لو كنت ساكنًا، فهناك أناس يخرجون من وقت لآخر. وَلاَ يَقُولُ سَاكِنٌ. وهو يعرفنا على نوعية الكلمات التي تُقال داخل المدينة. تمامًا كما أن هناك ألفاظًا معينة مثلاً لا يصح أن نقولها في مكان ما. ممنوع أن تقول الكلمة الفلانية في هذه المدينة. يقول: وَلاَ يَقُولُ سَاكِنٌ: «أَنَا مَرِضْتُ»”. إذن، هذا عرفنا أن هذه المدينة لا تحتوي على مرض. هذه المدينة تحتوي على شفاء، تحتوي على صحة إلهية. إن بدأت أرسم في ذهني أن الجو الذي أعيش فيه هو جو محاط بالصحة. حتى لو كان حولي تلوث، حتى لو كانت المنطقة التي حولي فيها تلوث، أنا محاط بصحة إلهية، أنا محمي من الفيروسات.

لقد تكلم الكتاب عن الحماية من الفيروسات والبكتيريا عندما قال: لاَ تَخْشَى مِنْ… وَبَأٍ” (اَلْمَزَامِيرُ ٩١: ٥-٦). ما هو الوباء؟ الوباء قد يكون سببه فيروسًا، أو بكتيريا، حسب وجهة نظر الأطباء. وأحيانًا تكون أرواحًا شريرة مباشرة. لكنني محمي من هذه الأشياء. لاَ تَخْشَى مِنْ خَوْفِ اللَّيْلِ، وَلاَ مِنْ… وَبَأٍ يَسْلُكُ فِي الدُّجَى” (اَلْمَزَامِيرُ ٩١: ٥-٦). لو كان يريدنا أن نتكلم بهذه الكلمات، لكان قالها. لكان قال: “احترسوا واحذروا من البكتيريا والفيروسات”. لكنه يقول: وَلاَ يَقُولُ سَاكِنٌ: «أَنَا مَرِضْتُ»”. اَلشَّعْبُ السَّاكِنُ فِيهَا مَغْفُورُ الإِثْمِ. سأقرأ بضع آيات قبلها في نفس الإصحاح، فهي مقاطع رائعة. مثلاً، العدد الخامس من إشعياء ٣٣ يتكلم عن هذه المدينة. وهذه الكلمات ليست فقط في المُلك الألفي. بعض الناس يفهمون هذه الكلمات على أنها ستتحقق في المُلك الألفي. لكننا نعيش تحقيقها الآن.

نعم، ما سيذوقه شعب إسرائيل في المُلك الألفي، نحن نحيا تحقيقه الآن. نعم. يقول العدد الخامس: ٥ تَعَالَى الرَّبُّ لأَنَّهُ سَاكِنٌ فِي الْعُلاَءِ. مَلأَ صِهْيَوْنَ حَقًّا وَعَدْلاً” (إِشَعْيَاءَ ٣٣: ٥). هو يتكلم عن أن الله ساكن في هذه المدينة. الله موجود في المدينة، إذن أنت في حضور الله. ٦ فَيَكُونُ أَمَانُ أَوْقَاتِكَ وَفْرَةَ خَلاَصٍ وَحِكْمَةٍ وَمَعْرِفَةٍ. مَخَافَةُ الرَّبِّ هِيَ كَنْزُهُ” (إِشَعْيَاءَ ٣٣: ٦). إذن، في هذه المدينة أمان، وقتك محفوظ. نعم، أي لا داعي لأن تقول: “وقتي ضاع” أو “وقتي ذهب”. هناك حفظ وصيانة لوقتك. هناك وفرة خلاص، وفرة إنقاذ، تُنقَذ من أي موقف تمر به بسبب الحكمة والمعرفة. في العدد ١٦ مثلاً: ١٦ هُوَ فِي الأَعَالِي يَسْكُنُ. حُصُونُ الصُّخُورِ مَلْجَأُهُ. يُعْطَى خُبْزَهُ وَمِيَاهُهُ مَأْمُونَةٌ” (إِشَعْيَاءَ ٣٣: ١٦). إذن، أنت في وضعية اعتناء.

لن يسرق أحد ما يخصك. مثلما يُقال لشخص: “أنت مؤمَّن عليك”. عندما يذهب شخص إلى شركة تأمين ويؤمن على حياته أو سيارته، فهو يتكلم عن أن أموره مؤمَّنة. أنت مؤمَّن عليك إن كنت قد وضعت حياتك في المسيح. هذا هو مكان أمانك. لقد وصف الرسول بطرس هذا الأمر وقال إننا لسنا فقط مؤمَّن علينا. سأقرأ هذه الآيات من رسالة بطرس ثم أعود إلى إشعياء. في بطرس الأولى الإصحاح الأول: ١ بُطْرُسُ، رَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى الْمُتَغَرِّبِينَ مِنْ شَتَاتِ بُنْتُسَ وَغَلاَطِيَّةَ وَكَبَّدُوكِيَّةَ وَأَسِيَّا وَبِيثِينِيَّةَ، ٢ الْمُخْتَارِينَ بِمُقْتَضَى عِلْمِ اللهِ الآبِ السَّابِقِ، فِي تَقْدِيسِ الرُّوحِ لِلطَّاعَةِ، وَرَشِّ دَمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ: لِتُكْثَرَ لَكُمُ النِّعْمَةُ وَالسَّلاَمُ. ٣ مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ” (١ بُطْرُسَ ١: ١-٣). سيتكلم العدد الرابع عن الميراث، والعدد الخامس عنا نحن. فميراثنا، يقول: ٤ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ” (١ بُطْرُسَ ١: ٤).

أي أنه محروس، في حراسة وصيانة. هذا ليس معناه أننا سنأخذه في السماء، بل نحن نستمتع بهذا الميراث هنا. لكن الميراث مُسيَّج حوله. مثلما يقول شخص لابنه: “لقد وضعت لك وديعة محفوظة لا يستطيع أحد أن يسرقها”. وبعدها، ليس فقط ميراثنا هو المحفوظ، بل نحن أنفسنا مؤمَّن علينا. فإن كنت تسعى لتأمين حياتك، أو يقول شخص: “أريد أن أؤمن مستقبل أولادي”، فالحل في المسيح، في الكلمة. ٥ أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ بِإِيمَانٍ” (١ بُطْرُسَ ١: ٥).

ففي إشعياء قال إن طعامه وماءه مؤمَّن عليهما. هكذا ما يخص مستقبلك، وما يخص الآتي، وما يخص الكلية التي ستدخلها، وما يخص العمل، كله مؤمَّن عليك. إن الله لا يهتم فقط بالأمور الروحية، بل كأنه لا يترك ثغرة صغيرة تفوته. لدرجة أن الرب يسوع قال لنا ألا نصلي لأجل “مَاذَا نَأْكُلُ؟ أَوْ مَاذَا نَشْرَب؟ أَوْ مَاذَا نَلْبَسُ؟”. من كثرة ما هي مؤمَّنة ومنتهية. نعم، منتهية. فهو يريدنا أن ننشغل بشيء أعلى، فقال إن الأمم تطلب هذه الأشياء، هذه ليست لكم، لستم أنتم من يطلبها. فقط انشغلوا بالمملكة، وهذه كلها ستُعطى لكم تلقائيًا. فليس عليك أن تنشغل خشية أن يأتي وقت تجوع فيه أو لا تعرف كيف تطعم أولادك. لو أن الشخص داخل هذا التحدي، قد يبدو الأمر في البداية كمجازفة.

نعم. لكن إن امتلأت بكلمة الله، لن يعود الأمر مجازفة، بل ستعرف طريقك. في البداية، سيبدو أنك تجازف: “كيف تفعل ذلك؟ كيف ستأخذ هذه الخطوة؟”. كأنك تمشي على الماء فعلاً. لكن بمجرد أن تضع قدمك، تجد الماء بدأ يصير يابسة، كما وضع بطرس قدمه. يتكلم الكتاب عن أن الأردن كان ممتلئًا إلى جميع شطوطه، وقال الرب ليشوع أن يجعل الكهنة يعبرون بالتابوت. يقول الكتاب: “فَلَمَّا… أَتَى حَامِلُو التَّابُوتِ… وَانْغَمَسَتْ أَرْجُلُ الْكَهَنَةِ… فِي الْمَاءِ”، بدأ الأردن ينشق. ففي العدد ١٧ من إشعياء ٣٣: ١٧ اَلْمَلِكَ بِبَهَائِهِ تَنْظُرُ عَيْنَاكَ. تَرَيَانِ أَرْضًا بَعِيدَةً” (إِشَعْيَاءَ ٣٣: ١٧).

إذن، أنت ترى الملك، حافظ على هذه الرؤية طوال الوقت. أنت ترى يسوع في كل شيء تفعله. ١٨ قَلْبُكَ يَتَذَكَّرُ الرُّعْبَ: أَيْنَ الْكَاتِبُ؟ أَيْنَ الْجَابِي؟ أَيْنَ الَّذِي عَدَّ الأَبْرَاجَ؟” (إِشَعْيَاءَ ٣٣: ١٨). هو يتكلم عن الأعداء. نعم. وفي العدد الذي يليه: ١٩ الشَّعْبَ الشَّرِسَ لاَ تَرَى” (إِشَعْيَاءَ ٣٣: ١٩). أعداؤك الذين كانوا يعادونك في وقت من الأوقات – ليس لنا أعداء من البشر، لكن أعداءنا هم أعداء روحيون – الشَّعْبَ الْغَامِضَ اللُّغَةِ عَنِ الإِدْرَاكِ، الْعَيِيَّ بِلِسَانٍ لاَ يُفْهَمُ” (إِشَعْيَاءَ ٣٣: ١٩). لن ترى هذه الأشياء. الأشياء التي كانت تأتيك من وقت لآخر في أحلام لترعبك أو تضايقك. قد يقول شخص: “لقد ظهر لي الشيطان وقال لي إنني سأموت عند سن معين”. مرة قال القس كريس: “ظهر لي الشيطان وقال لي ستموت عند سن ٤٨ سنة”.

نعم. لكن القس كريس قال إنه بعدها جلس يضحك، وقد تجاوز سن الـ ٤٨ ولم يحدث شيء. فالتهديدات التي تأتي من الأعداء ستُنسى. الرعب نفسه الذي كان يرعبني في يوم من الأيام؛ الظروف، المشاكل، المرض، لا يوجد داخل هذه المدينة. ٢٠ اُنْظُرْ صِهْيَوْنَ، مَدِينَةَ أَعْيَادِنَا” (إِشَعْيَاءَ ٣٣: ٢٠). عندما يقول: “انظر إلى الملك”، فإن عينيك تريانه. المهم أن تسأل نفسك من وقت لآخر: “ماذا أرى الآن؟”. في منتصف يومك، توقف لحظة واسأل: “فيمَ أفكر الآن؟ ماذا أرى الآن؟”. قد أكون منخرطًا في عملي. من وقت لآخر، كلما أخذت استراحة، اسحب نفسك وفكر في الملك، فكر في يسوع.

فكر في حبك ليسوع، كيف توصل يسوع للناس. فكر في الجوائز التي ستأخذها أمام يسوع، لأنك تحفز نفسك لتلك اللحظة. ليس هذا فقط، بل يقول: “اُنْظُرْ صِهْيَوْنَ”. أنت تنظر أيضًا إلى هذه المدينة. عَيْنَاكَ تَرَيَانِ. لقد قال قبلها إن عينيك لن تريا الشعب الشرس. التهديدات ستنتهي، ستصبح شخصًا لا يُهدَّد. أي أنك ستصل إلى مرحلة لا يهددك فيها شيء. نعم. لا شيء يهددك. لا شيء صار له قيمة. أتذكر القديس أغسطينوس، على ما أذكر، أن ملكًا أحضره وقال له: “لا تتكلم عن يسوع، وإلا سأنفيك”. فرد عليه قائلاً: “بلاد العالم كلها هي بلاد أبي، فأرسلني إلى أي مكان”. قال له: “سآخذ أموالك”. قال: “أنا أملك العالم كله أصلاً”. قال له: “إذن سآخذ حياتك”. فقال: “أنا قد مت منذ زمن طويل”.

فإن بدأت أصل إلى هذا الإدراك، أنني سلمت حياتي ليسوع، فالقديم مات، والجديد الآن، كما قال بولس: فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ” (غَلاَطِيَّةَ ٢: ٢٠). إن بدأت تعيش بهذا الإدراك، ستصير غير خاضع لأي تهديد. الأشياء التي تُهدَّد هي الأشياء التي لها قيمة كبيرة عندك ولا تزال خائفًا عليها. بمجرد أن تبيعها وتتركها، سينتهي التهديد من حياتك. عَيْنَاكَ تَرَيَانِ أُورُشَلِيمَ مَسْكَنًا مُطْمَئِنًّا” (إِشَعْيَاءَ ٣٣: ٢٠). إذن، هي مدينة مليئة بالسلام والحماية. خَيْمَةً لاَ تَنْتَقِلُ، لاَ تُقْلَعُ أَوْتَادُهَا إِلَى الأَبَدِ” (إِشَعْيَاءَ ٣٣: ٢٠). هذا ما قاله الرسول بولس، إننا قبلنا ملكوتًا لا يتزعزع. إن كانت كل الأشياء ستتزعزع، فمن المستحيل أن تتزعزع هذه المملكة. وَشَيْءٌ مِنْ أَطْنَابِهَا لاَ يَنْقَطِعُ. ٢١ بَلْ هُنَاكَ الرَّبُّ الْعَزِيزُ لَنَا مَكَانُ أَنْهَارٍ وَتُرَعٍ وَاسِعَةِ الشَّوَاطِئِ. لاَ يَسِيرُ فِيهَا قَارِبٌ بِمِجْذَافٍ، وَسَفِينَةٌ عَظِيمَةٌ لاَ تَجْتَازُ فِيهَا” (إِشَعْيَاءَ ٣٣: ٢٠-٢١). أي أن الأعداء لن يعبروا فيها. لم تعد هناك مجاهدة وأنا في هذه المملكة. لم يعد هناك صراع طوال الوقت لأجد لقمة العيش، أو لأجد من لا يضايقني.

الأماكن واسعة، الشواطئ واسعة. ٢٢ فَإِنَّ الرَّبَّ قَاضِينَا. الرَّبَّ شَارِعُنَا. الرَّبَّ مَلِكُنَا، هُوَ يُخَلِّصُنَا. ٢٣ اِرْتَخَتْ حِبَالُكِ. لاَ يُشَدِّدُونَ قَاعِدَةَ سَارِيَتِهِمْ. لاَ يَنْشُرُونَ قُلْعًا. حِينَئِذٍ قُسِمَ سَلَبُ غَنِيمَةٍ كَثِيرَةٍ. الْعُرْجُ نَهَبُوا نَهْبًا. ٢٤ وَلاَ يَقُولُ سَاكِنٌ: «أَنَا مَرِضْتُ». اَلشَّعْبُ السَّاكِنُ فِيهَا مَغْفُورُ الإِثْمِ” (إِشَعْيَاءَ ٣٣: ٢٢-٢٤). يا للروعة! يا للغة التي في هذه المدينة!

سأقرأ آية سريعة من مزمور ٤٦ لها علاقة أيضًا بهذه المدينة. سنجد نبوات كثيرة في العهد القديم عنها. ١ اَللهُ لَنَا مَلْجَأٌ وَقُوَّةٌ. عَوْنًا فِي الضِّيقَاتِ وُجِدَ شَدِيدًا. ٢ لِذلِكَ لاَ نَخْشَى وَلَوْ تَزَحْزَحَتِ الأَرْضُ، وَلَوْ انْقَلَبَتِ الْجِبَالُ إِلَى قَلْبِ الْبِحَارِ. ٣ تَعِجُّ وَتَجِيشُ مِيَاهُهَا. تَتَزَعْزَعُ الْجِبَالُ بِطُمُوِّهَا” (اَلْمَزَامِيرُ ٤٦: ١-٣). هؤلاء الناس لم يكونوا يمرون بأمر هين، لكنهم يقولون: “لا نخشى”. ما السبب؟ لأنهم يعيشون داخل مدينة: ٤ نَهْرٌ سَوَاقِيهِ تُفَرِّحُ مَدِينَةَ اللهِ، مَقْدَسَ مَسَاكِنِ الْعَلِيِّ. ٥ اللهُ فِي وَسَطِهَا فَلَنْ تَتَزَعْزَعَ” (اَلْمَزَامِيرُ ٤٦: ٤-٥). نحن داخل هذه المدينة التي فيها راحة وسلام. نحن في المكان المقدس للعلي. صرنا الآن بيته ومقدسه. هللويا. الله في وسطها، كأنهم يقولون: “لماذا نخاف والله في وسطنا؟ دع الدنيا تهيج، دع الأرض تتزحزح، دع الجبال تنقلب، دع ما يحدث يحدث”. هذه هي لغة الشخص الذي يعيش داخل هذه المدينة.

هذا ما يجب أن يكون في أذهاننا. هذا ما ندعو الناس إليه، أن تضع هذا جانبًا مهما كانت حالتك، مهما كان وضعك اليوم صعبًا. لقد ذكرنا اليوم مجموعة من الآيات والأمثلة التي توضح أنه لو انقلبت الدنيا، كيف سيكون لسان حالك. أتمنى أن نلخص المبادئ الصغيرة التي تكلمنا فيها اليوم في نقاط بسيطة، ليكتبها كل المشاهدين ويعلقوها أمام أعينهم. أنني أريد أن أسلك بهذه المملكة، سأنتبه إليها، طوال الوقت سيكون هذا لسان حالي. طوال الوقت سأنتبه لذهني، إلى أين تذهب أفكاري.

خلاصة وتطبيق عملي

ملخص ما تكلمنا عنه اليوم هو أن هذه مدينة حقيقية نحيا فيها، حتى لو لم تكن ملموسة. والمبدأ الهام في هذه المدينة هو كلماتك.

  • كلماتك في العبادة: سواء كانت الكلمات في صورة تسبيح وعبادة للرب. تعلم، لو كنت ترنم وتسبح الرب بأمور ربما لم تكن تعرفها، وتقول أي كلام، فقد آن الأوان لتتعلم كيف تسبح الرب بالطريقة التي تليق به، حسب الكلمة، لا حسب ما تشعر به. لا أحد يعرف كيف يمشي في هذه المملكة وهو يسير بالإحساس والمشاعر. لم يستطع داود أن يلبس لباس شاول. لن تعرف أبدًا أن تمشي في هذه المدينة وأنت ترتدي لباس الحواس الخمس، لباس العالم، لأنه موت. وهذه المدينة مليئة بالحياة.
  • كلماتك في الحياة: ليس فقط مبدأ التسبيح، بل مبدأ الكلمات أيضًا. كلماتك ستأخذك إلى ما تقوله. ما تقوله، ستذهب إليه. أنت هو كلماتك. لذلك، تحتاج أن تتعلم ما هي الكلمات التي تُقال في هذه المدينة. عندما قرأنا في إشعياء، يقول الكتاب: وَلاَ يَقُولُ سَاكِنٌ. إذن عرفنا ما يُقال وما لا يُقال.
  • النمو في الإدراك: هناك مستويات يعيش بها الشخص إدراكه لهذه المدينة. قد أكون لا أزال في مستوى لدي فيه ظروف وتحديات، لا مشكلة، لكنك داخل المدينة وهذا أمر رائع. ستكبر وستجد مستوى كلماتك يرتفع. لا مشكلة إن كنت تواجه تحديًا، لكن ابدأ انظر إلى نفسك كما قال الرب لإرميا: جَعَلْتُكَ… مَدِينَةً. قوتي هي قوة مدينة. أنا لست وحدي، لقد صرت في حضور الله.
  • أنت كمال الجمال: من الأمور الرائعة التي قيلت عن هذه المدينة أنه: مِنْ صِهْيَوْنَ، كَمَالِ الْجَمَالِ، اللهُ أَشْرَقَ” (اَلْمَزَامِيرُ ٥٠: ٢). لم يشرق الله فقط، بل جعلك أنت أيضًا جميلاً ورائعًا. فلا تتكلم عن نفسك بكلمات فيها أنك قبيح أو لست جميلاً. أنت لا تحتوي على تشوه، ولست بحاجة لأن تفعل شيئًا لتجمل نفسك لدى الناس، أنت كمال الجمال. انظر كيف يتكلم الله عنك، لقد صرت كمال الجمال وأنت داخل هذه المدينة. اختر أن تتكلم مثله. قد تقول: “لكن الوضع الذي أعيشه…”، الوضع سيتغير عندما تبدأ تضبط أفكارك على الكلمة وتتكلم مثله. الأمور ستتغير عندما تبدأ أنت تأخذ هذا الاتجاه، أنك تختار أن تخرج من الوضع الذي أنت فيه. قد تكون في وضع إدانة، لكنك جميل والله يراك جميلاً، لا يرى فيك أي عيب أو تشوه. يتبقى أن تراه أنت. لا تدع نظارة الظروف التي تمر بها تقول لك من أنت. أنا هو ما يقوله الله عني.

نعم، آمين. كانت دعوة اليوم هي أن ترتدي نظارة الكلمة. ماذا تقول الكلمة عنك؟ أشجعك أن تبدأ، أحضر ورقة وقلمًا، واكتب هذه المبادئ، اكتب الكلمات التي من المفترض أن تتكلم بها. وكأنك تضع علامة (X) على كل كلمة ينبهك الروح القدس إليها قائلاً: “انتبه، هذه ليست من مملكتي، هذه كلمات من الخارج”. وكأنك ترفضها عن عمد. ضع الكلمة أمام عينيك. قرر أنك في الوقت القادم ستسلك كما تقول الكلمة عنك، كما نسلك في هذه المملكة الرائعة. انظر إلى نفسك جميلاً، كما كان يتكلم الدكتور. انظر إلى نفسك كما تقول الكلمة عنك. أدعوك أن تكتب هذه الكلمات اليوم، تأمل فيها، واجعلها لسان حالك في الوقت القادم. وكأنني سأضع منظارًا وأقوم بوقفة كل يوم لتفكيري. فيمَ فكرت؟ ماذا خزنت؟ ماذا أدخلت؟

نراكم في ملء البركة.

 

 

__________

من تأليف وإعداد وجمع خدمة الحق المغير للحياة وجميع الحقوق محفوظة. ولموقع خدمة الحق المغير للحياة الحق الكامل في نشر هذه المقالات. ولا يحق الاقتباس بأي صورة من هذه المقالات بدون إذن كما هو موضح في صفحة حقوق النشر الخاصة بخدمتنا.

 

Written, collected & prepared by Life Changing Truth Ministry and all rights reserved to Life Changing Truth. Life Changing Truth ministry has the FULL right to publish & use these materials. Any quotations are forbidden without permission according to the Permission Rights prescribed by our ministry.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Hide picture