القائمة إغلاق

حلقة: من السجن للقصر – الجزء 2 Episode: From Prison to Palace – Part

حلقة: من السجن للقصر – الجزء 2

برنامج: من البداية للنهاية 

لمشاهدة الحلقة على الفيس بوك أضغط هنا 

لمشاهدة الحلقة على اليوتيوب 

video
play-sharp-fill

لسماع الحلقة على الساوند كلاود

 

برنامج من البداية للنهاية

(راديو الحق المغير للحياة).

الحلقة السابعة والعشرون: من السجن إلى القصر (الجزء الثاني)

 

 

تنويه: العظة مكتوبة بـالذكاء الاصطناعي، لم تُراجع من خدمتنا بعد، إن وجدت أخطاءً في الكتابة تواصل معنا واذكرها لنا.

 

 

من السجن إلى القصر: السير عكس التيار

إن محاولات إبليس لإفساد خطة الله لحياة البشر هي معركة مستمرة لم تتوقف. وكما كان يوسف الصديق نموذجًا لهذه المواجهة، فإن الأساليب التي استخدمها إبليس ضده لا تزال تُستخدم اليوم ضد كل مؤمن. يعتمد إبليس على استراتيجيتين رئيسيتين:
١. أسلوب الإغواء: وهو الأسلوب الخادع الماكر الذي استخدمته امرأة فوطيفار، وهو نفس أسلوب الحيَّة القديمة التي تغوي وتخدع لتُسقط الإنسان في الخطية.
٢. أسلوب الترهيب: وهو الأسلوب العنيف الذي وصفه الكتاب المقدس بقوله: خَصْمَكُمْ إِبْلِيسَ كَأَسَدٍ زَائِرٍ” (بطرس الأولى ٥: ٨)، حيث يستخدم الظلم والقهر والتهديد لسحق إرادة الإنسان.

لقد استُخدِمَ كلا الأسلوبين مع يوسف، وما زال إبليس يستخدمهما اليوم لأنه يريد أن يزيحك بعيدًا عن خطة الله لحياتك. فهناك من يسقطون بالإغواء، وهناك من ينهارون عندما يتعرضون لأي نوع من الضغط. وهذا يحدث مع جميع الناس على اختلاف مستوياتهم، فلا يوجد أحد مُستثنى. ولكن يجب أن تتذكر دائمًا ما تقوله كلمة الله في رسالة كورنثوس الأولى ١٠: ١٣، أنه لا توجد تجربة تفوق قدرتك على التحمل، حتى لو شعرتَ أحيانًا أنها أكبر من مستواك وتساءلت: “كيف سأجتازها؟”. لقد أصبح أسلوب إبليس واضحًا، فهو يعتمد على “الوعد والوعيد”؛ إما أن يعدك بالمتعة والراحة إن اتبعتَه، أو يهددك ويتوعدك بالعواقب إن رفضتَ.

الألم وعلاقته بالخطية: فهم أعمق

من المهم أن نؤكد أن الألم ليس هو العلاج الذي يستخدمه الله، فهو ليس الدواء الذي يصفه للبشر لحل مشاكلهم. لكن هناك آية قد تبدو غريبة للوهلة الأولى، وقد أُسيء فهمها كثيرًا، وهي مفتاح لفهم هذه القضية.

*** الارتباط بين الألم والتوقف عن الخطية ***

يقول الرسول بطرس في رسالته الأولى، الإصحاح الرابع:
١ فَإِذْ قَدْ تَأَلَّمَ ٱلْمَسِيحُ لِأَجْلِنَا بِٱلْجَسَدِ، تَسَلَّحُوا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهَذِهِ ٱلنِّيَّةِ. فَإِنَّ مَنْ تَأَلَّمَ فِي ٱلْجَسَدِ، كُفَّ عَنِ ٱلْخَطِيَّةِ، ٢ لِكَيْ لَا يَعِيشَ أَيْضًا ٱلزَّمَانَ ٱلْبَاقِيَ فِي ٱلْجَسَدِ، لِشَهَوَاتِ ٱلنَّاسِ، بَلْ لِإِرَادَةِ ٱللهِ”. (بطرس الأولى ٤: ١-٢).

لقد تمسَّكَ الكثيرون بالجزء القائل: مَنْ تَأَلَّمَ فِي ٱلْجَسَدِ، كُفَّ عَنِ ٱلْخَطِيَّةِ، وخرجوا باستنتاج مباشر وخاطئ: “لكي أتوقف عن الخطية، يجب أن أتألم في الجسد”. وبناءً على هذا الفهم، أصبح من المقبول أن يسمح الله بالألم الجسدي لشخص ما بهدف إيقافه عن الخطية. فيُقال مثلاً: “فلان أُصيب بمرض لكي يتوقف عن الخطية، وبالفعل توقف عنها منذ إصابته”. وهذا ما يحدث واقعيًا، فهناك أناس يتوقفون عن سلوك طريق خاطئ بعد مرورهم بتجارب مؤلمة.

بل إن البعض يأخذون الأمر على عاتقهم عمدًا، فيعاقبون أنفسهم على الخطية. قد يجرح الشخص نفسه أو يضربها، أو يمارس هذا الإيذاء ذهنيًا، فيحتقر ذاته ويبكي ويلومها باستمرار. كل هذا اقتناعًا بأن الألم هو العلاج الذي سيضع حدًا للخطية. وهكذا، يكتسب الألم شرعية وقبولاً، سواء أتى من الرب أو من أي مصدر آخر، على أمل أن يكون هو الوسيلة للتوقف عن الخطية.

لكن في الحقيقة، علاج الرب للخطية ليس الألم. لقد قدَّم الرب الخليقة الجديدة كعلاج للخطية، ولم يقدم الألم. أتذكر عندما كنا في كلية الطب، درسنا حالات لأشخاص يعانون من تضخم في الطحال. هذا العضو مرتبط بأربطة داخلية (Ligaments)، وعندما يتضخم، تُشد هذه الأربطة التي تحتوي على مستقبلات للألم، فيشعر المريض بألم شديد. وكان الناس قديمًا يلجأون إلى طريقة غريبة، حيث كانوا يكوون منطقة الألم في الجسم بشيء ساخن جدًا. كانوا يفعلون ذلك ليجعلوا الجسم يشعر بألم حاد يفوق ألم الطحال، فيتجاهل الألم الأصلي.

هل يستخدم الله نفس المبدأ؟ هل يستخدم ألمًا ليعالج مشكلة الخطية؟ الإجابة هي لا. لا توجد آية كتابية واحدة تقول إن علاج الخطية هو أن يؤلم الإنسان نفسه، أو أن الله سيستخدم الألم لإيقافها. الخطية ليست مجرد فعل خارجي مرتبط بالأعضاء. عندما قال الرب يسوع لتلاميذه: ٱقْلَعْ عَيْنَكَ أو ٱقْطَعْ يَدَكَ ٱلْيُمْنَى، لم يكن يقصد ذلك حرفيًا، بل كان يستفز تفكيرهم. الخطية لا تكمن في الأعضاء، فالأعضاء ليست سوى منفذ لما هو موجود في الطبيعة الداخلية.

*** المعنى الحقيقي لآية “مَنْ تَأَلَّمَ فِي ٱلْجَسَدِ” ***

إذًا، ما هو معنى الآية؟ في اللغة اليونانية الأصلية، الترتيب الزمني للأفعال يوضح أن الشخص الذي اتخذ قرارًا مسبقًا بأن يتوقف عن الخطية هو الذي سيتألم في الجسد. الأمر يبدأ بقرار داخلي نابع من الطبيعة الجديدة التي نلناها في المسيح، فهي الوسيلة الوحيدة التي تمكننا من الانتصار على الخطية والسمو فوقها، كما يقول الكتاب: فَإِنَّ ٱلْخَطِيَّةَ لَنْ تَسُودَكُمْ” رومية ٦: ١٤ على الذين وُلدوا من الله وعرفوا هويتهم في المسيح.

إذًا، الترتيب الصحيح هو:
١. الشخص يقرر أن يكف عن الخطية.
٢. نتيجة لهذا القرار، يبدأ في مواجهة اضطهادات وألم.

فالألم هنا ليس مرضًا أو أذى جسديًا، بل هو المواجهة التي تتعرض لها عندما تقرر أن تعيش حياة صحيحة. ستواجه مقاومة من الناس، ومن أفكارك، ومن حواسك الخمس. والآية التالية توضح ذلك: لِكَيْ لَا يَعِيشَ أَيْضًا ٱلزَّمَانَ ٱلْبَاقِيَ فِي ٱلْجَسَدِ لِشَهَوَاتِ ٱلنَّاسِ بَلْ لِإِرَادَةِ ٱللهِ” (بطرس الأولى ٤: ٢). فالخطية هنا تعني عدم إصابة الهدف الإلهي، والعيش لشهوات الناس بدلاً من إرادة الله.

عندما تقرر أن تعيش لإرادة الله، ستواجه ألمًا. تخيل أنك تعمل في مؤسسة يسودها الفساد، وقررت أنت وحدك أن تكون مستقيمًا. طبيعي أنك ستواجه مقاومة، وستصبح غير محبوب، بل ومكروهًا. هذا هو الألم المقصود.

لقد بدأ الرسول بطرس الحديث عن هذا الموضوع في الإصحاح السابق، حيث قال:
١٧ لِأَنَّ تَأَلُّمَكُمْ إِنْ شَاءَتْ مَشِيئَةُ ٱللهِ وَأَنْتُمْ صَانِعُونَ خَيْرًا، أَفْضَلُ مِنْهُ وَأَنْتُمْ صَانِعُونَ شَرًّا. ١٨ فَإِنَّ ٱلْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ ٱلْخَطَايَا، ٱلْبَارُّ مِنْ أَجْلِ ٱلْأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى ٱللهِ، مُمَاتًا فِي ٱلْجَسَدِ وَلَكِنْ مُحْيىً فِي ٱلرُّوحِ”. (بطرس الأولى ٣: ١٧-١٨).

يمكننا أن نعتبر الجزء من نهاية عدد ١٨ في إصحاح ٣ وحتى بداية إصحاح ٤ جملة اعتراضية. فلو ربطنا عدد ١٨ من إصحاح ٣ مع عدد ١ من إصحاح ٤ مباشرة، سيكتمل المعنى. لنقرأهما معًا:
فَإِنَّ ٱلْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ… مُمَاتًا فِي ٱلْجَسَدِ… فَإِذْ قَدْ تَأَلَّمَ ٱلْمَسِيحُ لِأَجْلِنَا بِٱلْجَسَدِ، تَسَلَّحُوا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهَذِهِ ٱلنِّيَّةِ.
المسيح تألم، لذا تسلح أنت بهذه النية، أي كن مستعدًا للألم لأنك اتخذت قرارًا بأن تموت عن الخطية. فالذي يتألم الآن، هو يتألم لأنه يسير في الطريق الصحيح.

توضح بعض الترجمات هذا المعنى بشكل أفضل:

  • ترجمة (CIV): “المسيح تألم هنا على الأرض، والآن يجب أن تكونوا مستعدين للألم كما تألم هو، لأن ألمكم هذا يُظهر أنكم توقفتم عن الخطية”.
  • ترجمة (Phillips): “بما أن المسيح كان يجب أن يتألم جسديًا من أجلكم، فعليكم أن تتحصنوا بنفس الموقف الداخلي الذي كان عنده. يجب أن تعرفوا أن الموت عن الخطية يعني الألم”.
  • ترجمة (Wuest): “بما أن حقيقة أن يسوع تألم من الناحية الجسدية، فأنتم أيضًا البسوا نفس السلاح، لأن الذي يتألم من الناحية الجسدية قد أنهى موضوع الخطية”.

فالألم الذي يتحدث عنه الرسول بطرس ليس عقابًا من الله، بل هو نتيجة طبيعية لاختيارك أن تعيش حياة البر. وهذا لا يعني أن حياتك ستكون ألمًا مستمرًا، بل ستواجه مقاومة، لكنك قادر على الانتصار عليها. وفي نفس الرسالة، قال بطرس: بَعْدَمَا تَأَلَّمْتُمْ يَسِيرًا، هُوَ يُكَمِّلُكُمْ” (بطرس الأولى ٥: ١٠). فهناك دور للروح القدس في وقت الألم ليقويك ويسندك.

ردود الفعل تجاه الظلم والقهر

عندما تواجه الظلم والقهر، عادة ما يكون هناك ردَّا فعل: أحدهما صحيح والآخر خاطئ.

*** رد الفعل الخاطئ: طريق الهزيمة والإحباط ***

يندرج تحت رد الفعل الخاطئ عدة سلوكيات مدمرة:

  • الإحباط والاستسلام: البعض يستسلم فور تعرضه للظلم.
  • الرثاء للذات: يقع الشخص في دائرة الشفقة على نفسه.
  • اللامبالاة: كوسيلة لتخدير الألم، يتظاهر الشخص بأن الأمر لا يهمه، لكنه يستفيق لاحقًا على كوارث.
  • الانتقام: يتجه الشخص نحو العنف، عازمًا على أخذ حقه بذراعه قائلًا: “سأريهم من أنا!”.

وهناك اتجاه خطير ينتشر اليوم حتى داخل الأوساط المسيحية، وهو محاولة علاج الأمور الروحية بطرق نفسية بحتة تحت مسمى “المشورة الكتابية”. فنجد مجموعات الدعم (Support Groups) التي يجتمع فيها أفراد تعرضوا لآلام متشابهة ليحكوا قصصهم، تطبيقًا لمبدأ “الأحزان إذا وُزِّعت هانت”.

والأخطر من ذلك هو ما يسمى بـ “علاج الصدمات” (Trauma Therapy)، حيث يُقال للشخص: “لقد تعرضت لصدمات في طفولتك، وهذا الطفل المجروح بداخلك يحتاج إلى علاج”. وقد يصل الأمر إلى إقناع الشخص بأن لديه “أطفالاً” متعددين من مراحل عمرية مختلفة، وكل “طفل” منهم يحتاج أن يقبل يسوع ليشفي جراحه. (انتبه، هذا ليس كتابيًا على الإطلاق).

لم نرَ في حياة يوسف ما يسمى بـ “الشفاء النفسي”. قد يتخيل البعض أن يوسف قضى وقته يبكي ويرثي لحاله، ويقول: “أنا الوحيد المظلوم، أنا الذي باعني إخوتي، وكلما ذهبت إلى مكان انقلبت الدنيا عليَّ”. لكن من الخطورة أن نقرأ الكتاب المقدس من منظورنا البشري ونُسقط عليه مشاعرنا. إن لم يذكر الكتاب شيئًا، فلا يمكننا أن نضيفه من عند أنفسنا. الكتاب لم يذكر أن يوسف بكى أو رثى لحاله في هذه المواقف، بل على العكس، أفعاله أظهرت شخصًا مختلفًا تمامًا.

إن الرثاء للذات والمرارة أمران خطيران، فهما مدخل للأرواح الشريرة لتتجسس على الشخص وتسحبه بعيدًا. لدينا أمثلة كتابية لأشخاص انتهت حياتهم بشكل مأساوي بسبب وقوعهم في هذا الفخ:

  • أخيتوفل: كان أحد مشيري داود الحكماء، لكن المرارة التي تملَّكته بسبب ما فعله داود مع حفيدته بثشبع، دفعته إلى الانتحار عندما لم تُؤخذ بمشورته.
  • أيوب: رغم تمسكه بالرب، كان قلبه مليئًا بالمرارة تجاه الأشرار، وكان دائمًا يتساءل: “لماذا يعيش الأشرار في راحة بينما أعاني أنا؟”، وكان يلوم الله. وقد قال له أليهو في أيوب ٣٦: ١٦-١٧، ما معناه بحسب إحدى الترجمات التوضيحية: “ألا ترى كيف يحبك الله وينقذك من فكي الخطر، ويجذبك إلى أماكن واسعة؟ لكنك يا أيوب مُحمَّل بذنب الأشرار، ومهووس بإلقاء اللوم على الله. أنت مشغول جدًا بدينونة الأشرار، وهذا الغضب الذي بداخلك يجعلك تفقد فرصة فدائك وخلاصك من محنتك”.

هناك أوقات يفتقدنا فيها الرب ليخلصنا، لكن الانشغال بالمرارة ورثاء الذات يجعلنا نفوِّت “زمن افتقادنا”. لو سقط يوسف في هذا الفخ، لما كان قد نجا أبدًا، ولكان من السهل إبعاده عن خطة الله لحياته، ولما أصبح هذا البطل الذي نفتخر به في عائلتنا الإلهية.

*** رد الفعل الكتابي الصحيح: نموذج يوسف ***

هذا هو رد الفعل الذي سلكه يوسف، وهو ما يريد الروح القدس أن نتحرك به في مواجهة أي تحدٍ، من أبسط تعليق سلبي إلى أكبر ظلم. فلا يجب أن يكون رد فعلك انسحابيًا أو هجوميًا بطريقة خاطئة (هذا لا يمنع اتخاذ الإجراءات الشرعية والقانونية عند التعرض للظلم، ولكن بحسب كلمة الله). الرد الكتابي الصحيح يتلخص في ثلاث خطوات عملها يوسف:
١. المواجهة: لم يكن يوسف شخصًا مخدرًا أو غافلاً عما يحدث. كانت كلماته وتصرفاته تدل على وعي كامل.
٢. الانتصار: لم يكتفِ بالمواجهة، بل سعى لتغيير الظروف والانتصار عليها.
٣. الإثمار: لم يكن هدفه مجرد اجتياز الموقف، بل وصل إلى مرحلة أعلى، وهي أن يكون مثمرًا في قلب المحنة.

يوسف لم يكن يعيش حياة “بالكاد”، ولم يكن هدفه فقط أن “ينجح في الامتحان” أو “ينتهي من هذا الظرف”. لا، لقد وصل إلى مرحلة أعلى.

يوسف لم يمتلك الطبيعة الجديدة التي نمتلكها نحن اليوم، والتي وُضعت في أرواحنا بكل إمكانياتها. هذه الطبيعة تجعلنا “حديديِّين” في مواجهة الظروف، أشخاصًا صلبين لا تكسرهم كلمة أو موقف. وكما صنع الرب من يوسف بطلاً، فإن الروح القدس يصنع من كل أولاده اليوم أبطالاً. أنت لست أقل من يوسف، بل أنت في مستوى أعلى.

لقد استخدم الرب يوسف لإنقاذ العالم من المجاعة، حتى أن فرعون أطلق عليه اسم صفنات فعنيح، الذي يعني “كاشف الأسرار” أو “مخلص العالم” أو “خبز الحياة”. من كان يتوقع أن ابن يعقوب، هذا الشاب المجهول، سيصل إلى هذه المكانة؟ إن الروح القدس ما زال قادرًا على أن يفعل ذلك اليوم، بغض النظر عن خلفيتك أو ما تعرضت له من ظروف.

 

تمييز الأحداث في حياة يوسف: يد الله ويد إبليس

من الضروري أن نفهم أن الرب قد حوَّل كل ما حدث في حياة يوسف للخير، ولكن هذا لا يعني أن كل ما حدث كان من الرب. وإلا، سنضطر إلى القول إن إغواء امرأة فوطيفار ليوسف كان من الرب، وهذا مستحيل تمامًا. عندما تتعمق في رحلة يوسف، تدرك أن مجرد حديثه عن حلمه قد أثار ضجة هائلة في عالم الروح في ذلك الوقت. لقد تحدث عن كواكب وشمس وقمر، وهذا المفهوم واضح لدى إبليس بأنه إعلان عن امتلاك الأرض والسيادة، ولهذا السبب بدأ يلتفت إليه ويستهدفه.

هذا لا يعني أنك كمؤمن يجب أن تخاف من مشاركة الأمور التي يكشفها لك الرب. ففي العهد الجديد، لدينا حصانة مختلفة تمامًا عن العهد القديم، حيث كانت الحصانة تتطلب إعدادات وترتيبات معينة. ولكن، هناك ما يسمى بالشخص غير الناضج روحيًا؛ عندما يتحدث هذا الشخص عن أمور كتابية عميقة هو غير مستعد لها روحيًا، فإنه يهيج عالم الروح ضده دون أن يمتلك القدرة على المواجهة. ولكن، عندما ينضج، يجب عليه أن يتكلم عن هذه الأمور الروحية، وإلا سيؤخذ في تيار شيطاني معاكس، لأن بعض الناس يمتنعون عن الحديث خوفًا.

*** فهم القوة الدافعة وراء الأحداث ***

قصة يوسف مليئة بأحداث من الرب وأحداث أخرى من إبليس، ومن المهم جدًا أن نميز بينها:

  • أن يكرهه إخوته، هذا لم يكن من الرب، ولكنه حُوِّلَ من قِبَل الرب إلى الخير.
  • أن يُرمى في البئر، هذا لم يكن من الرب، ولكن خروجه من البئر كان بتدبير من الرب.
  • أن يُباع لهؤلاء القوم الإسماعيليين بالذات، كانت يد الروح القدس هي التي رتبت أن يُباع لهم تحديدًا.
  • أن يصل إلى مصر ويقف أمام شخص معين مثل فوطيفار الذي ينتخبه ويثق به، هذه كانت يد الرب.
  • أن يذهب إلى بيت فوطيفار ويتحرك بهذه الصورة المُكرَّمة والمباركة، هذا كان من الرب.
  • أن يتعرض للإغواء، هذا لم يكن من الرب. كان الرب سيوصله إلى القصر، ولم يكن من الضروري أبدًا أن يدخل السجن، ولكن كانت هناك محاولات شيطانية لضرب هذا الشخص وعرقلة خطة الله.

لذلك، يجب أن نفهم هذا التقسيم الدقيق للأمور. البعض يرسم حياة يوسف كلها، بما في ذلك الأحداث الصعبة، على أنها ترتيب مباشر من الرب. عندما دخل السجن، كان الروح القدس يحافظ عليه بالرغم من الافتراء الذي تعرض له. أما قصة نسيان رئيس السقاة له، فقد كان هذا النسيان بترتيب من يد الروح القدس، لكي يخرج يوسف في الموعد الإلهي الصحيح والمناسب تمامًا.

وأنت تتحرك في حياتك، من المهم أن تفهم تفسير الأمور، وتدرك القوة الحقيقية التي تقف وراءها. يقول الكتاب: ٱلْمُثْبِتُ ٱلْجِبَالَ بِقُوَّتِهِ” (مزمور ٦٥: ٦). الجبل الذي تراه ثابتًا أمامك هو نتيجة لقوة الروح القدس التي تثبته، وليس مجرد نتيجة للجاذبية الأرضية.

يوسف الرجل الحديدي: المواجهة الكتابية للظروف

إن الطريقة التي واجه بها يوسف ظروفه هي الطريقة الكتابية العملية التي نريد أن نتعلمها اليوم ونطبقها في حياتنا. إذا كان شخص يسأل: “كيف يشفيني الرب من جروح الماضي؟ من الألم الذي مررت به؟ من الأذية التي تعرضت لها؟ من الرفض؟ من شعوري بأنني لم أكن محبوبًا من أبي وأمي أو من الناس حولي؟”، أو ربما شخص يعاني من مشكلة جسدية وُلد بها، فكيف يشفي الرب كل هذا؟

*** الطريقة الخاطئة لطلب الشفاء: الطفولة الروحية ***

لدى الكثير من الناس توقعات غير كتابية عن الشفاء؛ يعتقدون أنه يحدث فجأة أثناء الصلاة، أو إذا بكوا كثيرًا، أو إذا قضوا وقتًا طويلًا في خلوتهم يكلمون الرب عن آلامهم. يظنون أن هذه هي الطريقة للخروج من الألم. لكن حسب كلمة الله، هذه ليست الطريقة الصحيحة. الأمر لا يتم في لحظة واحدة تشعر فيها بحضور الله وينتهي كل شيء. هذا ليس سكبًا حقيقيًا للنفس أمام الرب، بل هو مجرد تفريغ عاطفي بالبكاء.

في مستوى الطفولة الروحية، قد يستجيب الرب للشخص بهذه الطريقة ويسمع له. ولكن عندما يكبر الشخص روحيًا، يصبح هذا السلوك أشبه باللعب، ولن يتعامل الرب معه بنفس الطريقة التي يتعامل بها مع طفل. للأسف، هناك أناس يحبون البقاء في مستوى الطفولة، ويتساءلون: “لماذا لا تتركني في هذا المستوى؟”. السبب هو أن هذا المستوى لا يتطلب تحمل أي مسؤولية؛ فالطفل يُصنع له كل شيء. لكن في المقابل، لا يوجد في هذا المستوى أي إثمار؛ فالطفل ليس مثمرًا، بل هو فقط يتلقى.

الروح القدس يريد أن يوصلنا إلى مرحلة النضج، حيث نعرف كيف نفعل الأمور بأنفسنا ونحن معتمدون عليه، وليس أن يصنعها هو لنا في كل مرة. تخيل ابنًا يجري إلى أبيه في كل صغيرة وكبيرة: “أبي، أريد أن أفعل كذا”، “أبي، أريد أن أشرب”، “أبي، أريد أن آكل”، “أبي، تعال ذاكر لي”، “أبي، ألبسني ثيابي”، “أبي، أريد أن أذهب إلى الشارع، تعال معي”. بعد مرحلة معينة، يصبح هذا السلوك مقلقًا ويكشف عن مشكلة في اعتمادية هذا الطفل. غرض الروح القدس هو أن نكون على اتصال به، ولكن قادرين على أن نسير ونتحرك بأنفسنا.

لذلك، من يتوقع أن الرب سيشفيه بطريقة سحرية في اجتماع معين أو بصلاة معينة، فهذا ليس كتابيًا.

*** الطريقة الصحيحة للشفاء والقوة: كلمة الله والروح القدس ***

ما هي الطريقة التي يتعامل بها الرب حسب الكلمة؟ هذا هو ما كان في حياة يوسف. لقد تعلم أمرين أساسيين: كلمة الله، والروح القدس. كان يوسف يتعلم الكلمة باستمرار. لا نتوقع أن حياة الآباء، إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف، كانت مجرد حياة رعوية بسيطة يرعون فيها الغنم، ثم يعودون ليأكلوا ويناموا ويكرروا نفس الشيء في اليوم التالي. هؤلاء الرجال كانوا واهبين أنفسهم للكلمة. كان هناك ما يشبه الأكاديمية أو الجامعة في ذلك الوقت، اسمها “أكاديمية سام وعابر” (عابر هو جد إبراهيم). وقد درس فيها إسحاق ويعقوب، بينما رفض إسماعيل وعيسو الدراسة فيها. وهكذا، تعلم يوسف من أبيه، كما قضى وقتًا مع جده إسحاق، فتعلم مبادئ الكلمة. هذه الصلابة التي وصل إليها لم تكن وليدة اللحظة، بل كانت نتيجة تعلمه لمبادئ الكلمة.

إن ما يجعلك ثابتًا وصلبًا في مواجهة الظروف هو أن تتعلم مبادئ الكلمة. سأذكر بعض المبادئ السريعة التي تساعدك وسط الألم الذي قد تمر به الآن:

  • المبدأ الأول: لا يمكن المساس بروحك.
    إن فهمت هذا جيدًا، ستدرك أنه لا أحد يستطيع أن يمس هويتك الحقيقية كابن لله. في النهاية، ماذا سيفعلون بك؟ ما الذي يمكن أن يأخذوه منك، إلا إذا كنت أنت نفسك تنظر كثيرًا إلى ما يمكن أن يُؤخذ منك؟ لا أحد يستطيع أن يمس روحك. ما أُخذ منك يمكن تعويضه، بل وبزيادة كبيرة جدًا. كما رأينا، قضى يوسف ٨٠ عامًا حاكمًا، بينما كانت فترة ألمه قصيرة. وحتى في السجن، يقول الكتاب إن الرب بَسَطَ لَهُ لُطْفًا” تكوين ٣٩: ٢١، وجعله رئيسًا على المسجونين. في أي مكان ذهب إليه، كان يوسف مشرفًا. إن فهمت أنه لا يمكن المساس بروحك، وتأملت في هويتك، وأنك أكبر من الموقف الذي تمر به، وأنك مع الروح القدس، ستتغير نظرتك للأمور تمامًا.
  • المبدأ الثاني: ثق في العدل الإلهي.
    حقك سيُرد إليك. لن تسعى لأخذ حقك بذراعك. يقول الكتاب: لَا تَنْتَقِمُوا لِأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا ٱلْأَحِبَّاءُ، بَلْ أَعْطُوا مَكَانًا لِلْغَضَبِ، لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: “لِيَ ٱلنَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ ٱلرَّبُّ”.” رومية ١٢: ١٩. كلمة “أعطوا مكانًا للغضب” لا تعني أن تغضب أنت، بل تعني “وسِّع الطريق” أو “افسح المجال” للغضب الإلهي، أي اسمح للرب بأن يجري العدل في الموقف. بدلاً من أن تكون مهمومًا ومتضايقًا، وتفكر في أن الناس ظلموك أو أخذوا حقك، تذكر أن الأمر ليس غائبًا عن السماء. حتى لو بدا أنه لا يوجد عدل على الأرض، فإن هناك إجراء عدل إلهي سيحدث.
  • المبدأ الثالث: لا يمكن لأحد أن يسلبك خطة الله.
    إن آمنت بهذا، فسيحفظك هذا الإيمان وسط الكثير من الصعاب. هناك خطة إلهية لحياتك، وأنت تختار أن تمشي فيها. مهما حدث، لا يستطيع أحد أن يخرجك من هذه الخطة. في النهاية، ماذا فعلوا بيوسف؟ لقد حاولوا إبعاده، لكن الرب حوَّل كل شيء للخير. إن نظرت إلى الأمور بهذه الطريقة الإلهية، ستجد أن الموضوع منتهٍ لصالحك، حتى لو لم ترَ الخطوات بوضوح.

أخذوا من يوسف ثيابه، لكنهم لم يستطيعوا أن يأخذوا يوسف نفسه، هويته وحياته. فكر دائمًا: “ماذا سيأخذون مني؟”. حتى لو أخذوا مالاً، هل أصبحت فقيرًا؟ لا، لأنك من نسل إبراهيم، أنت غني ومبارك، والرب يملأ احتياجك بحسب غناه. بدلاً من أن تقع في حالة الغليان والحرقة الداخلية، والرغبة في الانتقام، يمكنك أن تتحرك من مكان راحة، عالمًا أن لديك محاميًا هو الروح القدس (الباراكليتوس)، وهو المسؤول عن قضيتك.

*** مثال المسيح في مواجهة الظلم ***

إن المسيحية ليست دعوة للتخاذل والضعف، كما يعتقد البعض بسبب سوء فهم لآيات مثل “من ضربك على خدك الأيمن…”. عندما ضُرب الرب يسوع نفسه، لم يطبق الآية حرفيًا، بل واجه الموقف بقوة. هذا يجعلنا نراجع فهمنا الخاطئ.

يوضح الرسول بطرس كيف نتعامل مع الظلم، مقدمًا المسيح كمثال لنا:
١٨ أَيُّهَا ٱلْخُدَّامُ، كُونُوا خَاضِعِينَ بِكُلِّ هَيْبَةٍ لِلسَّادَةِ، لَيْسَ لِلصَّالِحِينَ ٱلْمُتَرَفِّقِينَ فَقَطْ، بَلْ لِلْعُنَفَاءِ أَيْضًا.” (بطرس الأولى ٢: ١٨).
كلمة “العنفاء” تعني الناس الملتوين الذين يتعاملون بأسلوب غير مستقيم. الكلمة تعلمنا ألا نغير أسلوبنا بناءً على معاملة الآخرين لنا. ليس لدينا وجهان؛ وجه للطيب ووجه للشرير. نحن لدينا وجه واحد مملوء بالمحبة والقوة.

١٩ لِأَنَّ هَذَا فَضْلٌ، إِنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ أَجْلِ ضَمِيرٍ نَحْوَ ٱللهِ، يَحْتَمِلُ أَحْزَانًا مُتَأَلِّمًا بِٱلظُّلْمِ. ٢٠ لِأَنَّهُ أَيُّ مَجْدٍ هُوَ إِنْ كُنْتُمْ تُلْطَمُونَ مُخْطِئِينَ فَتَصْبِرُونَ؟ بَلْ إِنْ كُنْتُمْ تَتَأَلَّمُونَ عَامِلِينَ ٱلْخَيْرَ فَتَصْبِرُونَ، فَهَذَا فَضْلٌ عِنْدَ ٱللهِ.” (بطرس الأولى ٢: ١٩-٢٠).

٢١ لِأَنَّكُمْ لِهَذَا دُعِيتُمْ. فَإِنَّ ٱلْمَسِحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ لِأَجْلِنَا، تَارِكًا لَنَا مِثالًا لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِهِ.” (بطرس الأولى ٢: ٢١).

كيف تعامل يسوع مع الألم؟
٢٢ٱلَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلَا وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ”، ٢٣ وَٱلَّذِي إِذْ شُتِمَ لَمْ يَكُنْ يَشْتِمُ عِوَضًا وَإِذْ تَأَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُهَدِّدُ بَلْ كَانَ يُسَلِّمُ لِمَنْ يَقْضِي بِعَدْلٍ.” (بطرس الأولى ٢: ٢٢-٢٣).

هذا هو المثال:

  • لم يكن يشتم عوضًا: لم يرد الشتيمة بشتيمة.
  • لم يكن يهدد: لم يستخدم التهديد، مع أنه كان يستطيع أن يطلب اثني عشر جيشًا من الملائكة.
  • كان يسلم لمن يقضي بعدل: كان يضع ثقته الكاملة في عدل الآب.

هذا هو رد الفعل الكتابي. إن اعتمادك على الكلمة يجعلك تمشي بثبات، عالمًا أن حقك سيُرد إليك. وهذا هو ما يفسر كيف لم يعش يوسف حياته باكيًا، بل عاشها منتصرًا.

 

 

كيف عاش يوسف حياته؟

كيف لم يعش يوسف حياته باكيًا؟ الرد نجده في التسمية التي أطلقها على أولاده، وهو نفسه شرح معانيها.

أولًا: مَنْسَّى – قرار نسيان الماضي

فأول ابن وُلِد له في أرض مصر بعد أن تزوج، أسماه مَنَسَّى.
نعم، مَنَسَّى. من الاسم، يعني النسيان. وقال هكذا: “الرب أنساني كل تعبي، الرب أنساني كل بيت أبي”. كل الأشياء التي حدثت معي. هذا يُفهمنا أن يوسف لم يكن شخصًا ذاكرته ضعيفة فنسي ما حدث معه، بل هو كان يتذكر ما حدث معه.

ولكن مع ذلك، قرر أنه يتغاضى عن الماضي وينظر إلى الأمام. فهو ينظر بهذه الطريقة. هناك أناس يعيشون في دوامة الماضي وما حدث معهم، وهذا حل من الحلول التي تقدمها الكلمة: اخرج من الماضي، خلاص! ما من شيء سينفع أن يمس روحك. حتى لو كان هناك أناس آذوك، حتى لو كان هناك أناس ضايقوك، حتى لو كان هناك أناس أخذوا منك شيئًا. انظر إلى الأمام، في الآخر لن يعرفوا أن يأخذوك أنتَ، لن يعرفوا أن يأخذوا روحك.

هناك أناس أوقفوا حياتهم عند محطة: “آه، لقد سُحب مني كذا”.
“أنا الآن، لو كانت معي تلك الحاجة التي أخذوها مني، لكان زماني قد تغير”.

هناك شيء مختلف يستطيع الرب أن يعمله. يوسف لم يوقف حياته عند محطة الألم بسبب إخوته.
لم يقل: “إخوتي ظلموني، إخوتي ظلموني، إخوتي فعلوا بي كذا. لماذا يفعلون بي هذا؟ ماذا فعلت؟ لماذا يبيعونني؟ لماذا؟ هل أنا سلعة تُباع؟”. ما فعله إخوته يُعتبر تجارة بالبشر، لقد باعوه.

لو كان يولول على حاله، لما جاء وقت وقال إنه قرر عن عمد أن ينسى أو يضع هذه الأمور جانبًا. وحتى عندما كان يتذكرها، لم يكن موجوعًا، أي لم يكن متألمًا منها بنفس الألم الذي يحدث عندما يتذكر الناس الألم أو الظلم فيبكون كأن الأمر قد حدث حالًا.
كأن هذا الأمر لا يزال له قيمة كبيرة لديك. على العكس، نرى يوسف بعد ذلك.

قد يفكر البعض: “ربما كان يتذكر ولكنه كان متألمًا”. يوم أن تذكر الموقف الذي فعله به إخوته، نظر إليه بنظرة مختلفة تمامًا. قرأ شيئًا مختلفًا لم يقرأه أحد. إخوته عندما جاؤوا إليه، سجدوا له، ليس مرة واحدة بل مرتين كما يقول الكتاب. أحلامه تحققت فعليًا. في آخر إصحاح في سفر التكوين، قال له إخوته: “دعنا نكون عبيدك، شغلنا عبيدًا عندك، نحن نتذكر الذنب الذي فعلناه، دعنا نصبح عبيدًا عندك”. لكنه رفض أن يفعل ذلك. لقد قرأ الموقف بطريقة مختلفة سنقرأها الآن.

لم يكن يوسف من النوع الذي يجعل ماضيه مشكلة له، ولم يعش في حالة الرثاء للذات، أو ما نسميه بلغتنا الحالية، الكتابة على فيسبوك: “أنا متألم، أنا حزين، أنا…”. أي شخص يتألم الآن، يذهب فورًا إلى صفحته على فيسبوك وينشر رمزًا تعبيريًا حزينًا يبكي.
الشخص لا يعرف أنه يستدعي أرواحًا شريرة إلى حياته أول ما يبدأ في التعامل بهذه الطريقة، بطريقة الانكسار أمام المواقف.

لا قائمة للمتهمين

لم يكن يوسف كذلك، رغم أن الأشخاص الذين آذوه في حياته معروفون، ونستطيع أن نعدهم بالاسم.
من بين إخوته، يمكننا أن نقول تسعة بالاسم. يمكن استبعاد رأوبين قليلًا، فهو لم يكن من ضمن التسعة الذين كانوا وراء قصته. يوسف لم يتكلم عنهم بكلمات سلبية. في تكوين ٤٠: ١٥.

عندما كان يوسف يتكلم بعد أن فسر الحلمين لرئيس السقاة ورئيس الخبازين، قال هكذا: ١٥ لأَنِّي قَدْ سُرِقْتُ مِنْ أَرْضِ الْعِبْرَانِيِّينَ، وَهُنَا أَيْضًا لَمْ أَفْعَلْ شَيْئًا حَتَّى وَضَعُونِي فِي السِّجْنِ”.” تكوين ٤٠: ١٥.
كل تلخيص حياة يوسف في هاتين الجملتين.

لم يقل المزيد. قال فقط: سُرِقْتُ مِنْ أَرْضِ الْعِبْرَانِيِّينَ. طب من الذي فعل بك هذا؟ لم يقل “إخوتي”. لم يتهمهم. لم تكن لديه قائمة بالمتهمين. في المقابل، هناك أناس حتى الآن يمسكون أشياء على الناس: “فلان هو سبب ما أنا فيه”، أو “زوجي هو السبب”، أو “زوجتي هي السبب”.
أو الرب. “الرب هو السبب”، كما كان أيوب مُحملًا بالألم تجاه الرب. “الرب هو السبب، الرب هو الذي فعل بي هذا”.

وَهُنَا أَيْضًا لَمْ أَفْعَلْ شَيْئًا حَتَّى وَضَعُونِي. حتى إنه لم يأتِ على سيرة امرأة فوطيفار.
لم يكن لديه متهمون. وهذا واحد من مبادئ الكلمة التي تُخرج الشخص. من هو المتهم لديك؟ أنتَ ترى من الذي أوصلك إلى هذا الوضع؟
طالما أن هناك أشخاصًا أو مواقف، فافهم أنك تفهم خطأ. أول ما تتخلص من هذا، لأنك ترى أن الرب في صفك وستقدر أن تخرج. ربما في وقت ما لم تكن لديك معرفة كتابية، ربما كان هجومًا من أرواح شريرة، لكن الرب يُخرجك من هذا.

ثانيًا: أَفْرَايِمُ – الإثمار في أرض المذلة

الانطلاق ليس فقط في اسم ابن يوسف الأول.
لكن الاسم الثاني لابنه أعطانا معنى أعمق للطريقة التي عاش بها، وهذه هي الطريقة التي عاش بها يوسف. لهذا قلت إن الاتجاه الثاني ليس فقط مواجهة، وليس فقط انتصارًا على الموقف، لكن إثمارًا أيضًا. سمى يوسف ابنه الثاني أَفْرَايِمُ.
أَفْرَايِمُ.
وقال هكذا: “إن الرب جعلني مثمرًا في أرض مذلتي أو في أرض غربتي”.

معناه أنني لا أعيش بالكاد، يا دوب أنجو، يا دوب أخرج من المواقف.
لا، أنا سأفعل شيئًا أعلى.

هناك أناس عندما يتعرضون للظلم مثلًا في العمل أو في شيء معين، يبدأون في العطاء ووضع قلوبهم بجزء معين. فلو ظلمهم العمل في شيء، لا يعملون بكل قلوبهم.
وإن وصل به الأمر أن يُفسد في المكان، سيفسد. ينتقم منهم، كنوع من أنواع الانتقام. يوسف لم يفكر هكذا، لم يتكلم عن مصر بكلمة سلبية. لم يقل يوسف: “ما هذه البلد التي ما إن جئت إليها حتى حصل لي كذا!”. ولا مرة تكلم بكلمة سلبية. على العكس، في بيت فوطيفار، عمل بكل أمانة.
فأصبح مباركًا جدًا. عندما ذهب إلى السجن، أيضًا لم يكن في حالة من الحنق والغضب والضيق من السجن، ولم يلعن ويسب في السجن والناس الذين في السجن. بل كان محبوبًا. محبوبًا.
لدرجة أنه تم توكيله على الناس، والناس فتحت له قلوبها وشاركته بأحلامها. أصلًا، من أنت يا يوسف حتى يشاركك رئيس السقاة ورئيس الخبازين أحلامهم؟ هؤلاء أناس كبار.
هؤلاء هم المسؤولون في السجن، وليسوا مساجين عاديين معك.
هؤلاء “كبارات”. كانوا مسجونين، لكنهم من الكبار. حتى وإن كانت لهم تهمة، لكن من أنت ليحكوا معك؟ هؤلاء بمثابة وزراء أو أعلى. فمن أنت ليحكوا معك؟ لقد فتحوا قلوبهم وتكلموا معه، فكان شخصًا يضع قلبه في كل شيء يفعله. لم يقرر الانسحاب أو إفساد المكان أو تدمير الأمر بمجرد أن تعرض لشيء، قائلًا: “بما أنهم لم يحترموني، لم يقدروني، لم يعاملوني جيدًا، لم يعطوني حقي، طيب أنا بقى… لأ”.

حتى عندما ساعده الشخص وخرج من السجن ولم يتذكره، لم يرجع إليه ويقول له: “ما هذا الذي فعلته بي؟ سنتان تنساني؟”. لقد كان كما كان الرب، كان يُسلِّم أمره: “أنا حياتي مسؤولية الرب، أنا حياتي مسؤولية الروح القدس”. وهذه هي النقطة الثانية التي سنتكلم فيها.

عقلية النمو والإثمار

هكذا كل واحد فينا مُصمم ليزدهر، مُصمم أنه في أي مكان يُوضع فيه، ينمو في هذا المكان. حتى كما قال القس تعبيرًا: “حتى لو كانت صحراء، سأحول هذه الصحراء إلى جنة لو حافظت على هذه العقلية”.
بدلًا من أن أرى أنهم ظلموني وأرسلوني إلى مكان بعيد.
“ظلموني ووضعوني أنا، أعطوني أنا هذه الحاجة”. لهذا السبب، هناك أناس بسبب الخوف من هذا الأمر يسعون دائمًا لأخذ حقهم مبكرًا، أو لو أن هناك شيئًا سيُوزع، يقلقون لئلا يُظلموا، فيبقون قلقين خشية ألا يأخذوا حقهم. مثلًا، يظهر هذا في الأطفال، عندما يحضرون حلوى، فتجده فورًا أو يظل بعينيه يراقب: “أين حصتي؟”. وعندما تسأله، يقول: “أنا فقط أحتفظ بحقي”.
“لو لم أفعل هذا، سيأخذونه مني”. هناك قلق وخوف من أن حقي سيُؤخذ.

يوسف لم يكن لديه هذا. كان يعطي بكل قلبه، لم يخف. هو عرض الحلم على فرعون وعرض الحل. ماذا سيفعل فرعون؟ لم يخف أن فرعون قد يستبعده. “يا يوسف، قد يستبعدك فرعون ويأتي بأحد رجاله الاستراتيجيين، الدارسين في الاقتصاد والزراعة، ليمسكوا بالأمر. وأنت، ماذا استفدت؟ يا ليتك لم تقل يا أخي، يا ليتك لم تفده”. هناك أناس يخشون على المعلومات التي لديهم: “أنا خائفة أن أقول هذه المعلومات فيأخذوها مني ويطبقوها”.
“ويستخدمونها هم ويكبرون وأنا لا أكبر”.
وأنا لا أكبر. أنتَ تفتقر في هذه الحالة. في الوقت الذي يوقف فيه الشخص العطاء وأنه يعمل الأمر بقلبه، هو يفتقر. أول ما أوقف البركة عندي، أو المعلومة عندي، أو العطاء عندي، أنا أفتقر. هذا أمر خطير ونحن نتحرك في حياتنا. أعتقد ونحن نسير على مدار كل شيء نفعله في بيوتنا، مع عائلاتنا، مع عملنا، مع أي شخص نقابله، الفكرة نفسها هي عقلية. عقلية النجاح أو عقلية العطاء هي طريقة تفكير. أنتَ تقول: “أنا مثمر، أنا مثمر”. أرض ليست أرضي، لهذا سماها “أرض مذلتي”. المفروض أنني أُذللت فيها. أنا مثمر، أنا أكبر فيها. أنا لن أكون مجرد واحد من المصريين يعيش بالكاد. لا، أنا مثمر، أنا مثمر في هذا المكان.

ثالثًا: العلاقة مع الروح القدس

ثاني شيء سريعًا، أعرف أن الوقت قد انتهى.
آخر شيء سريعًا، إذن الكلمة ومبادئ الكلمة يجب أن تنغرس فيَّ في زاوية كيفية التعامل مع الظلم. وأيضًا، العلاقة مع الروح القدس.
نحن لم نُدعَ لنواجه الحياة لوحدنا، لكننا في علاقة مع الروح القدس. كلما بدأت أنظر إلى هذا وأبحث عن مصدر القوة في حياتي. مصدر القوة في حياة يوسف كان الروح القدس.

لم نرها واضحة كما تكلمنا في الحلقة الماضية. يوسف هو الوحيد الذي لم يُذكر بوضوح أن الرب تكلم معه، أو أن الرب ظهر له، أو أن الرب تراءى له، لكنه كان أكثر شخص علاقته حميمية جدًا مع الرب.
كثيرًا ما نقرأ عن يوسف ونفهم هذا. كيف؟ وَرَأَى سَيِّدُهُ أَنَّ الرَّبَّ مَعَهُ” تكوين ٣٩: ٣.
لدرجة أن الناس الذين في الخارج رأوها. كون شخص وثني مثل فوطيفار رآها، فهذا معناه أن الموضوع كان واضحًا جدًا. هذا ليس شخصًا عبرانيًا سيقدر أن يفهم، هذا شخص بعيد. عندما فسر الحلمين، قال لرئيس السقاة ورئيس الخبازين هكذا: أَلَيْسَتْ للهِ التَّعَابِيرُ؟” تكوين ٤٠: ٨. هو يشهد عن الرب، حتى لو أن هؤلاء الناس لن يفهموا من هو إلهه. هؤلاء الناس يعيشون في مصر حيث الآلهة في كل مكان.
وكأنه أيضًا، كما يعلمنا القس دائمًا، لونك يجب أن يكون واضحًا.
لونه كان واضحًا لدى فرعون في أول مقابلة سيقابله فيها بعد أن أخذوه من السجن وحلقوا له وألبسوه ثيابًا، سيقابل فرعون. تكلم مع فرعون وقال له إن الرب سيجيب بالسلامة لفرعون. فالرب كان يشغل تفكير يوسف طوال الوقت.

أبوه قال عنه هذا، سأقرأها سريعًا في تكوين إصحاح ٤٩ وعدد ٢٢، يوضح حياته: ٢٢ يُوسُفُ، غُصْنُ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ. هذا كان اتجاه حياته. ابنه أفرايم يعني “مثمر”.
غُصْنُ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ، غُصْنُ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ عَلَى عَيْنٍ. عندما ندرس عن الماء في الكتاب، نكتشف أن الماء هو الكلمة، هو الروح القدس. هو موضوع على عين. أَغْصَانٌ قَدِ ارْتَفَعَتْ فَوْقَ حَائِطٍ. وُضعت أمامه حيطان، وُضعت أمامه أشياء لتعيقه. الدنيا كلها تقف ضده، لكنه في حالة من الإثمار. “غصن أصبح أغصانًا”. سأخرج يعني سأخرج. لهذا، هذا ما يريد الروح القدس أن ينشئه فينا. سأخرج يعني سأخرج.
ما من شيء سيكتم على نفسي، ما من شيء سيوقفني أو يكسرني.
ما من شيء سيكسرني. أنا على نبع الروح القدس. أنا أشرب من ماء الروح القدس. الكتاب يتكلم في هوشع ١٤، الرب يقول لهم: أَنَا أَكُونُ لَهُمْ كَالنَّدَى. أنا الذي أسقيهم. أنا الذي أجعل النضارة في حياتهم. العلاقة مع الروح القدس والاتصال به هو الذي يجعل الشخص في وضعية القوة طوال الوقت.

قال في تكوين ٤٩ (لن أستطيع إكمال كل الجزء، أشجع الجميع على قراءته، لكن سأقوله سريعًا): ٢٣ فَمَرَّرَتْهُ وَرَمَتْهُ وَاضْطَهَدَتْهُ أَرْبَابُ السِّهَامِ. هذه هي المحاولات لإيقاع يوسف. ٢٤ وَلكِنْ ثَبَتَتْ بِمَتَانَةٍ قَوْسُهُ. ثابت، لا يهرب من الحرب. وَتَشَدَّدَتْ سَوَاعِدُ يَدَيْهِ. من أين أتيت بالقوة يا يوسف؟
أبوه لم يحكِ عن حالة من الرثاء للذات والألم. لا، هذا شخص متشدد. قال: مِنْ يَدَيْ عَزِيزِ يَعْقُوبَ. هذا هو الروح القدس. مِنْ هُنَاكَ، مِنَ الرَّاعِي صَخْرِ إِسْرَائِيلَ.

قال في تكوين ٤٥ وعدد ٥ عندما قابل إخوته. هم المفروض أن يقولوا ليوسف: “لا تزعل منا، نحن مخطئون”. هو قال لهم: ٥ فَالآنَ لاَ تَتَأَسَّفُوا وَلاَ تَغْتَاظُوا لأَنَّكُمْ بِعْتُمُونِي إِلَى هُنَا.
لأَنَّهُ لاسْتِبْقَاءِ حَيَاةٍ أَرْسَلَنِيَ اللهُ قُدَّامَكُمْ. قرأ الموقف بطريقة مختلفة. لم يقل: “لماذا فعلتم بي هذا؟”.
عطايا الله كانت طوال الوقت أمام عينيه. بدأ يقرأها بطريقة مختلفة. الرب حوّل هذا. وقال لهم بعد ذلك ما معناه: “أنتم قصدتم به شرًا، أما الله فقصد به خيرًا”. لو أنا مؤمن بهذا الإله الذي أسير معه، فإن أي محاولات تُحاك ضدي ومقصود بها شر، ستنقلب لتصبح خيرًا. أي موقف سأدخله، سأقول: “حسنًا، جيد أن هذا الموضوع حصل معي أنا لأخرج منه”. “هذا الموضوع لو حصل مع أي شخص آخر لكسره”. “جيد أن هذا حصل معي لأني سأُظهر الصلابة التي بداخلي، لأني سأخرج باختبار في هذا الأمر”.

فيوسف رأى، بدأ يقرأ بطريقة مختلفة. أصبح كما علمنا العهد الجديد أن نقرأ بطريقة مختلفة: اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ حِينَمَا تَقَعُونَ. يتكلم بحسابات أعلى من حسابات البشرية. أول ما يقع شخص في تحديات وتجارب، يحزن، يتضايق، ينكمش. لا، افرح. بولس رأى ضِيقَتَنَا الْوَقْتِيَّةَ الْخَفِيفَةَ. الأمر الذي نمر به، والذي هو ضيقة واضطهاد، أنا أراه خفيفًا وهو يُخرج شيئًا ثقيلًا. تُنْشِئُ لَنَا… ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا. الآن، ليس مجدًا عندما نذهب إلى المجد. يعني بولس يتكلم عن هنا على الأرض في هذه الحياة. هذا الأمر سيُخرج منه مجد رائع. أنا أرى نفسي وأنا أقف أشهد بهذا الاختبار، وأنا أقف أقول: “أنا انتصرت على العملاق الذي كان في حياتي، على جليات الذي كان في حياتي والذي كان يسبب هذه المشكلة”.

من ضمن الأشياء التي جاءت عن يوسف في مزمور ٨١، كنا قد تكلمنا من قبل عن إبراهيم. الرب أضاف لإبرام الحرف العبري “هَيّ” (ה) الذي يساوي حرف الهاء في العربية، وهو من اسم “يهوه”، ويمثل النفس الإلهي والقدرة الإلهية. يوسف ذُكر اسمه مضافًا إليه هذا الحرف. هذا حرف زائد عن اسمه في مزمور ٨١. كأنه مدعّم بالقوة الإلهية التي قالها أبوه: وَتَشَدَّدَتْ سَوَاعِدُ يَدَيْهِ. فكان ثابتًا رغم الأشياء التي مر بها.

تطبيق العهد الجديد: كنزٌ في أوانٍ خزفية

سريعًا أقول ما قاله الرسول بولس في العهد الجديد لنا نحن. الرسول بولس يقول هكذا في كورنثوس الثانية ٤، هذه آخر حاجة: ٧ وَلكِنْ لَنَا هذَا الْكَنْزُ فِي أَوَانٍ خَزَفِيَّةٍ. لا تنظر لنفسك على أنك مجرد إناء خزفي. الرسول بولس يريد أن يلفت النظر. الناس ستنظر إلى الإناء الخزفي. ما نحن عليه في الحالة التي نحن فيها، الجسد الذي نحن فيه، الوضعية التي نحن فيها. لكن داخل هذا الإناء الخزفي يوجد كنز. يوجد معرفة، يوجد استنارة، يوجد الروح القدس. لِيَكُونَ فَضْلُ الْقُوَّةِ أو القوة المفرطة، هذا معنى فضل القوة، للهِ لاَ مِنَّا. ليست آتية من الطبيعة البشرية، لكنها آتية من الطبيعة الإلهية التي بداخلنا.

فقال هكذا: ٨ مُكْتَئِبِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ. هذا لا يعني أن المؤمن مكتئب طوال الوقت. بولس يقول إن من سينظر إلى إنائنا الخزفي، على حالتنا، سيرى حالة اكتئاب، سيرى حالة تحيّر، سيرى حالة اضطهاد، سيرى حالة مطروحين، لكن هذه ليست حقيقتنا. انظر إلى ما بداخل الإناء. إن نظرت إلى إناء خزفي من الخارج، شكله ليس جميلًا جدًا. يعني لو نظرنا إلى الفخار…
طينة.
نعم، شكلها ليس جميلًا جدًا، ليس جاذبًا للنظر.
لكن عندما تنظر إلى ما بداخلها، تكتشف أن بداخلها شيئًا رائعًا. فبولس يقول: “احذروا، لا تنظروا إلينا من الخارج، انظروا وتفرجوا على ما بداخل الإناء الخزفي”. لا أحد يتوقع أنه في إناء خزفي يُوضع بداخله كنز، شيء غالٍ جدًا.
نعم، شيء غالٍ جدًا. فهو يتكلم عن هذا. فكلمة “مكتئبين” عندما يتكلم عن “متحيرين”، هو يتكلم عن المنظر من الخارج. يعني عندما آتي وأحكي لأحد الموقف الذي أمر به، يقول لي: “ياااه، ربنا يعينك، أنت تمر بشيء صعب”. لكن بولس يقول إننا نبدو هكذا أمام الناس، لكن في الحقيقة، من شكل الموقف نفسه.
إننا هكذا، إننا مكتئبون، محطمون. هذا هو الطبيعي أو ما يمر به الناس فيرون أنفسهم فيه، فيتخيلون دائمًا أنك أنت أيضًا يجب أن تكون في هذه المنطقة كونك مررت بهذا الموقف.
نعم، بولس يقول: “تعالَ الآن وانظر إلى ما بالداخل، ليس إلى الإناء الخزفي، بل إلى الكنز الذي بالداخل”. إذن، الطبيعة التي بداخلنا، استنارة الروح القدس، تقدر أن تجعلنا أعلى مما نمر به.

كلمة “مكتئبين” في الأصل اليوناني، كما شرحها القس، معناها “نُضغط من كل جهة”. كأن شيئًا يظل يزنق، يزنق، يزنق في الشخص. هذا معنى كلمة “مكتئبين”. لهذا قال “في كل شيء”. الأدق في اليوناني ليس “في كل شيء” بل “من كل جهة”. يعني من فوق، من تحت، من الشمال، من اليمين. شخص لا يعرف من أين تأتيه المصائب. كل شيء كأنه بدأ يتسرب. كل شيء فيه نوع من الضغط على الشخص. هذا هو معنى كلمة “مكتئبين”، وليس معناها الاكتئاب النفسي.
النفسي يعني. لكنه نوع من الضغوط من كل ناحية بسبب الأشياء التي يشعر بها، لكنه قال دائمًا، كل مرة يقول العكس.
لكن غير…
الذي سيرانا من الخارج سيرى أننا نُضغط، نُضغط. “يا بولس، كيف تمر بهذه الضغطة؟ كيف من كل جهة لا توجد جهة مفتوحة لك لتخرج منها؟ كل جهة فيها ضغطة”. لكنه يقول: لكِنْ غَيْرَ مُتَضَايِقِينَ.
كلمة “متضايقين” هنا في الأصل اليوناني معناها، لنتخيل شيئًا يضغط على شيء، خلاص، هذا الشيء سيُطحن. الشيء الذي في المنتصف سيُطحن، سيُهرس.
هو يقول: “لا، نحن لا نُهرس”.
فلتأتِ الظروف، فلتأتِ المواقف. نحن لا نُسحق. نحن أعلى. نحن أعلى من هذا الشيء. نحن الشيء الذي لا ينكسر. نحن الصوانة التي لا تنكسر. اضغطوا قدر ما تضغطون، لن تنكسر.

بعد ذلك قال: مُتَحَيِّرِينَ. متحيرين معناها حالة من الارتباك. ليس لدينا معلومات. الطريق ليس واضحًا. لا نعرف كيف سنخرج. لكن غَيْرَ يَائِسِينَ.
قد يبدو من الخارج أننا متحيرون. “غير يائسين” معناها أنا لست فاقدًا للاتجاه. أنا لست تائهًا. أنا في حالة من الوعي والاستنارة بسبب اعتمادي على الروح القدس.

مُضْطَهَدِينَ. والاضطهاد هنا حالة شخص يجري وراء شخص آخر، لا يطوله لكنه يظل وراءه. فهناك شخص في حالة تهديد طوال الوقت، هذا هو معنى “مضطهدين”.
في حالة من إساءة المعاملة.
كأنه شخص وضع شخصًا آخر في دماغه: “أنا واضعك في دماغي، سأصل إليك يعني سأصل إليك”. يقول: مُضْطَهَدِينَ، لكِنْ غَيْرَ مَتْرُوكِينَ. “غير متروكين” في الأصل اليوناني تعني “يُعتنى بي”. هناك شخص آخر واضعني في دماغه، وهو الروح القدس. إن كان هناك شخص آخر واضعني في دماغه ليؤذيني، ليقهرني، ليظلمني، لكنه يرى شيئًا آخر. هناك محامٍ. هناك شخص آخر أنا موضوع في دماغه. الروح القدس. هذا هو معنى “غير متروكين”. أنا يُعتنى بي.

مَطْرُوحِينَ. حالة يبدو فيها أننا مهملون، في حالة من الترك، عندما يُضرب شخص كثيرًا فيقع مستسلمًا.
فيبدو هذا الحال، لكننا غَيْرَ هَالِكِينَ. لا، نحن في وضعية قيامة. لسنا متحطمين. رابحين في هذه المواقف.
بولس علمنا أن الحياة تخرج من هنا، من روح الإنسان، من الأبدية التي بداخله، من الروح القدس الذي بداخله. كَنْزٌ فِي أَوَانٍ خَزَفِيَّةٍ.

فنحن في مستوى أعلى، ليس فقط ما حكينا عنه عن يوسف الرجل الحديدي. رائع. نحن في مستوى أعلى من هذا. لو بدأت أنظر بطريقة الكتاب وأعتمد على الروح القدس في علاقة شخصية معه. طبعًا لو أنت لا تعرف كيف تفعل هذا، من الجيد أن تلجأ للرعاية الروحية لتساعدك كيف تكوّن هذه العلاقة والحميمية. لا تمشِ في الحياة وحدك.
فتصير حديديًا، تغلب الظروف، وتثمر.

هللويا. حقيقي، هذه من الحلقات العملية التي يمكننا من خلالها أن نخرج من مواقف تحدث بشكل طبيعي ونحن نعيش ونمر بأمور كما يتكلم الناس عنها بأنها طبيعية لأنك موجود فيها. لكن كم يعلمنا الروح القدس اليوم كيف نواجه هذه الأمور ونبقى فعلًا حديديين. نواجه ونقف بصلابة، نعرف كيف نتجاوزها وننجح فيها ونحقق نتائج. يعني ليس فقط نتجاوزها وكأني أطأطئ رأسي وأمر من المواقف، لكننا نتجاوز المواقف ونحقق فيها نتائج أضعافًا مضاعفة. فلا نحيا من أنفسنا، بل نحيا من روحنا، ولا نحيا بناءً على الظروف التي نمر بها وكأنها هي التي تشكل حياتنا. للأسف، ظروف كثيرة شكلت حياة أناس.

صلاة للخروج من سجن الماضي

نفسي أن أصلي مع مشاهدينا اليوم، كل شخص لم يفهم بعد ماذا يعني أن يعيش الحياة من روحه، وأن يسلك في الأمر ويرى أنه حتى لو بدت الحياة فيها ظروف وتحديات، كيف يمكن أن “آكل” هذه التحديات وأخرج اليوم بشكل حديدي فعلًا، واقفًا أمام كل هذه الأمور.

قبل أن أصلي معكم وأشارككم بالصلاة، أنا مشغولة أن أقول هذا: هناك أشخاص لو سألتهم: “من هو المتهم لديك؟ من هو السبب فيما أنت فيه؟”، فدائمًا هناك قائمة في ذهنه، في زنزانة صنعها ووضع أناسًا فيها. الرب يتكلم إليكِ ويتكلم إليكَ. أخرج الآن الناس المتهمين. يوسف لم يحسب أن هناك شخصًا متهمًا. طالما أن هناك أناسًا متهمين، طالما أن هناك زنزانة عندك، فأنت مسجون معهم وأنت لا تدري. أنت تظن أنك السجان لهم، لكنك أنت واحد من المسجونين بالداخل. أول ما تختار أن تغفر لأن بداخلك قدرة على الغفران، ليس مجرد أن تتجاوز الأمر. أنت بداخلك الآن قوة للغفران، أنك تقدر أن تُطلق هؤلاء الناس أحرارًا.
أنت نفسك في يوم من الأيام، أطلقك الرب حرًا من كل ما فعلته. الكبير سامحك، فأنت تقدر أن تسامح رفقاءك أيًا كان ما فعلوه. هذه هي البداية والانطلاقة في حياتك. ربما تقول: “حياتي متوقفة منذ وقت”، لأنك تمسك أناسًا وتضعهم في زنزانتك. اهدم هذه السجون.

وأنا أصلي معك الآن، خذ هذه القرارات: “أنا سأعيش حياتي من روحي”. وتكلم بها لنفسك كل يوم: “أنا سأعيش حياتي من روحي”. هذا الإناء الخزفي، بولس عندما تكلم لم يركز على الإناء الخزفي، لكنه قال: “لنا كنز، لنا شيء غالٍ جدًا، ثمين جدًا في أوانٍ خزفية”. أنا لن أنظر لنفسي مرة أخرى على شكلي من الخارج أو على شكل الظروف التي تحدث معي. أنا لست متحيرًا، أنا أعرف كيف أمشي صح. أنا لا أبحث عن أن أعيش بالكاد. أنا سأثمر، سأثمر حتى في الأماكن التي أُذللت فيها. يوسف سمى أفرايم وقال هكذا: “الرب جعلني مثمرًا في أرض مذلتي”. المكان الذي بدا أنه أُذل فيه، اتُهم فيه. لن أسعى لأن أكون مهمومًا بالدفاع عن نفسي وتوضيح صورتي. هذه مسؤولية الروح القدس. إن جاءت الفرصة لأفعل ذلك، سأفعل، لكن لا تكن مهمومًا داخليًا بها.
انشغل بأن تتبع الرب بكل قلبك. انشغل بأن تكوّن علاقة شخصية مع الروح القدس. تكلم معه يوميًا. تكلم معه، تخيل أن هناك شخصًا مهمًا في حياتك وقاعد ينتظرك كل يوم ليتكلم معك وأنت تهمله، لا تعطيه اعتبارًا. بعد ذلك ترجع تعاني. الروح القدس موجود في حياتك لتتكلم معه يوميًا. هو موجود ليُطلعك على أسرار، لتكتشف أمورًا. هنا روعة الحياة وهنا معنى الحياة. إن لم تكن تكتشف أسرارًا من الروح القدس ومعانٍ من كلمة الله، ستعيش حياتك في زهق وملل ولا يوجد جديد. الروح القدس عنده كل ما هو جديد. هللويا.

أنا أصلي لأجل كل شخص أن ينطلق ويخرج من حالة عدم المواجهة وحالة الاستسلام، باسم يسوع. لتصر شخصًا يواجه، شخصًا يجري ناحية التحديات، شخصًا لا يندب حظه: “لماذا يحدث معي هذا؟ اشمعنى أنا يا رب يحدث معي هذا؟”. كُفَّ عن لغة التذمر. ابدأ انظر لنفسك في الوضعية الصح: “أنا سأقدر أن أفعلها، أنا معي الروح القدس، أنا قوة الروح القدس عاملة فيَّ، أنا الذي فيَّ أعظم من الذي في العالم، أنا لن أستسلم للظروف مرة أخرى، أنا أطرح حالة الاستسلام، أنا لن أستكبر المواضيع مرة أخرى وأحس أنها كبيرة عليَّ”. أنا رجل حديدي. لتكن هذه اعترافاتك: “أنا رجل حديدي لا ينكسر، أنا رجل لا ينهزم، أنا رجل الله”. هللويا، هللويا. آمين، آمين، آمين.

__________

من تأليف وإعداد وجمع خدمة الحق المغير للحياة وجميع الحقوق محفوظة. ولموقع خدمة الحق المغير للحياة الحق الكامل في نشر هذه المقالات. ولا يحق الاقتباس بأي صورة من هذه المقالات بدون إذن كما هو موضح في صفحة حقوق النشر الخاصة بخدمتنا.

Written, collected & prepared by Life Changing Truth Ministry and all rights reserved to Life Changing Truth. Life Changing Truth ministry has the FULL right to publish & use these materials. Any quotations are forbidden without permission according to the Permission Rights prescribed by our ministry.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Hide picture