حلقة: ولادة مخلص
برنامج: من البداية للنهاية
لمشاهدة الحلقة على الفيس بوك أضغط هنا
لمشاهدة الحلقة على اليوتيوب

لسماع الحلقة على الساوند كلاود
برنامج من البداية للنهاية
(راديو الحق المغير للحياة).
الحلقة الحادية والثلاثون: ولادة مُخلّص.
تنويه: العظة مكتوبة بـالذكاء الاصطناعي، لم تُراجع من خدمتنا بعد، إن وجدت أخطاءً في الكتابة تواصل معنا واذكرها لنا.
مرحبًا بك في حلقة جديدة ومميزة جدًا من برنامجنا “من البداية إلى النهاية”.
في برنامجنا، نسير عبر محطات زمنية مختلفة، وهدفنا هو أن نعرف كيف تعامل الرب مع الإنسان منذ البداية وحتى الآن، وإلى أين يأخذنا، وما هي خطته للإنسان، وما هو هدف وجودك ووجودي الآن، وما هو قصد الله من وجود الإنسان.
في الحلقة الماضية، توقفنا عند مرحلة العبودية، وتحدثنا عن سفر الخروج، الذي يُدعى في الأصل العبري “شِمُوت”، أي “الأسماء”. وقد رأينا كيف اهتم الرب بكل اسم، وكيف أن كل اسم له قيمة خاصة عند الرب، وكرره عدة مرات. وتكلمنا عن ارتباط الاسم بالهوية، وكيف أن تمسكنا بهويتنا ينقذنا، وكيف استخدم الرب هذا المبدأ لإنقاذ كثيرين من شعبه. واليوم، سنكمل رحلتنا إلى المرحلة التالية.
منورنا يا دكتور. نريد أن نعرف اليوم، إلى أين ستأخذنا محطتنا؟
ما زلنا مستمرين في سفر “شِمُوت”، أي سفر الخروج. بعد أن تكلمنا عن الأسماء، سنتحدث اليوم أكثر عن “صناعة المُخَلِّص” أو “ولادة المُخَلِّص” الذي سيُخرِج الشعب، وما علاقته بنا اليوم، وهو المتمثل في شخصية موسى. سنكتشف كيف يرتبط هذا الأمر بنا نحن اليوم.
جميل جدًا! إذن، سنربط ولادة موسى بأنفسنا كأشخاص في وقتنا الحاضر. هناك علاقة وطيدة بين الأمرين؟
نعم، بالتأكيد. إن ولادة أي خلاص بشكل عام ترتبط بما سنتحدث عنه اليوم. سنرى أيضًا التشابه بين ولادة موسى وولادة يسوع كمُخَلِّص.
رائع! نريد أن نعرف، ما الذي أدى إلى ولادة موسى أصلًا؟ هل كانت هناك أفعال إيمان مهدت الطريق لظهوره، أم أن الموضوع حدث بشكل عفوي؟
هذا صحيح تمامًا. إن ولادة أي شيء رائع ليست نتيجة للصدفة، بل هي نتيجة خطوات معينة اتخذها أشخاص، وهذه الخطوات تكون خطوات إيمانية. الجو الذي وُلِد فيه موسى، كما سنقرأ الآن، كان ما يمكن أن نسميه “ولادة محفوفة بالمخاطر”، تمامًا مثل ولادة يسوع. فوقت ولادة يسوع، تحرك هيرودس ليقتل الأطفال، ولم تكن الأوضاع سهلة. في ذلك الوقت، كانت إسرائيل أيضًا مُستعبَدة للرومان.
وفي زمن موسى، خاض فرعون حربًا شديدة ضد شعب إسرائيل، أراد أن يوقف أي ولادات، لأنه كان يفهم أن مُخَلِّصًا سيأتي. يمكننا أن نقرأ هذا الجزء في خروج ١، من العدد ١٥ إلى ٢٢، وهو الجزء الأخير من الإصحاح الذي يصف الجو العام الذي ظهر فيه المُخَلِّص؛ جو من العبودية.
ولادة المُخَلِّص في جو من المخاطر
إيمان القابلتين يتحدى أمر الملك
“١٥ وَكَلَّمَ مَلِكُ مِصْرَ قَابِلَتَيِ الْعِبْرَانِيَّاتِ اللَّتَيْنِ اسْمُ إِحْدَاهُمَا شِفْرَةُ وَاسْمُ الأُخْرَى فُوعَةُ، ١٦ وَقَالَ: ‘حِينَمَا تُوَلِّدَانِ الْعِبْرَانِيَّاتِ وَتَنْظُرَانِهِنَّ عَلَى الْكَرَاسِيِّ، إِنْ كَانَ ابْنًا فَاقْتُلاَهُ، وَإِنْ كَانَ بِنْتًا فَتَحْيَا'”. خروج ١: ١٥-١٦.
لم يكن هذا الأمر سهلًا. القابلتان، أو “الداية” كما نقول بلغتنا، اللتان تقومان بعملية الولادة، أُمرتا بقتل أي مولود ذكر. وواضح أنهما كانتا عبرانيتين، ومسؤولتين عن كل من يعمل تحت إمرتهما. لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا.
“١٧ وَلكِنَّ الْقَابِلَتَيْنِ خَافَتَا اللهَ وَلَمْ تَفْعَلاَ كَمَا كَلَّمَهُمَا مَلِكُ مِصْرَ، بَلِ اسْتَحْيَتَا الأَوْلاَدَ”. خروج ١: ١٧.
لقد قامتا بفعل إيمان، لقد “خافتا الله” ولم تفعلا كما أمرهما ملك مصر، بل أبقتا الأولاد أحياءً. لقد تحدتا الملك نفسه، الذي استدعاهما شخصيًا.
“١٨ فَدَعَا مَلِكُ مِصْرَ الْقَابِلَتَيْنِ وَقَالَ لَهُمَا: ‘لِمَاذَا فَعَلْتُمَا هذَا الأَمْرَ وَاسْتَحْيَيْتُمَا الأَوْلاَدَ؟’ ١٩ فَقَالَتِ الْقَابِلَتَانِ لِفِرْعَوْنَ: ‘إِنَّ النِّسَاءَ الْعِبْرَانِيَّاتِ لَسْنَ كَالْمِصْرِيَّاتِ، فَإِنَّهُنَّ قَوِيَّاتٌ يَلِدْنَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَهُنَّ الْقَابِلَةُ'”. خروج ١: ١٨-١٩.
لم يخبرا فرعون بكل الحقيقة، لكنهما قالتا جزءًا منها. وكانت المكافأة رائعة من الرب.
“٢٠ فَأَحْسَنَ اللهُ إِلَى الْقَابِلَتَيْنِ، وَنَمَا الشَّعْبُ وَكَثُرَ جِدًّا”. خروج ١: ٢٠.
هل سيتوقف فرعون؟ لا، بل سيزيد من قمعه أكثر.
“٢١ وَكَانَ إِذْ خَافَتِ الْقَابِلَتَانِ اللهَ أَنَّهُ صَنَعَ لَهُمَا بُيُوتًا. ٢٢ ثُمَّ أَمَرَ فِرْعَوْنُ جَمِيعَ شَعْبِهِ قَائِلًا: ‘كُلُّ ابْنٍ يُولَدُ تَطْرَحُونَهُ فِي النَّهْرِ، لكِنَّ كُلَّ بِنْتٍ تَسْتَحْيُونَهَا'”. خروج ١: ٢١-٢٢.
إذن، وُلِد موسى في جو لم يكن أفضل حالًا، كان هناك اضطهاد عنيف ومحاولة قتل مستمرة. في البداية، أخذوا الرجال للعمل الشاق، ثم أمروا بقتل أي ابن يولد للقضاء على الجيل الصاعد. ثم أمروا بإلقاء الأطفال الذكور في النهر.
إن إيمان القابلتين هو الذي سمح بمجيء موسى. لو أنهما تساهلتا في الأمر ووافقتا على قرار فرعون، لكانت القصة مختلفة. لكنهما تحدتا أكبر شخصية في أكبر مملكة في ذلك الوقت، وهي مصر. يقول الكتاب إنهما “خافتا الله” ولم تخافا فرعون، أي أنهما أعطتا اعتبارًا وهيبة للرب أكبر من الاعتبار والهيبة لفرعون. هذا هو أول فعل إيمان، وهو يفهمنا كيف يمكن للإيمان أن يشق طريقه وسط التحديات والأمور الصعبة، ويفتح مخرجًا حتى لو بدت الدنيا مغلقة تمامًا. من كان يجرؤ على الوقوف أمام مثل هذه الأوامر؟ لكن الإيمان يستطيع، بل إنه يغير مسار الأحداث.
إيمان والدي موسى: خطوة شجاعة في زمن الموت
هناك فعل إيمان ثانٍ في الإصحاح الذي يليه مباشرة، ظهر من والدي موسى. لنقرأ عن هذا الأمر الغريب:
“١ وَذَهَبَ رَجُلٌ مِنْ بَيْتِ لاَوِي وَأَخَذَ بِنْتَ لاَوِي، ٢ فَحَبِلَتِ الْمَرْأَةُ وَوَلَدَتِ ابْنًا”. خروج ٢: ١-٢.
هذا أيضًا فعل غريب وغير طبيعي. في زمن يُقتَل فيه الأطفال، من سيذهب ليتزوج؟ لا أحد سيفكر في الزواج والإنجاب في ذلك الوقت. والكتاب يقول إن المرأة حبلت وولدت ابنًا. من يفعل ذلك وهو يعلم أن ابنه معرض للقتل، فإنه ليس في وعيه الطبيعي. لماذا يعيش بقلب حزين على ابن سيموت؟
“وَلَمَّا رَأَتْهُ أَنَّهُ حَسَنٌ، خَبَّأَتْهُ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ”. خروج ٢: ٢.
لقد عرضت نفسها أيضًا لخطر كبير، فلو تم القبض عليها…
“٣ وَلَمَّا لَمْ يُمْكِنْهَا أَنْ تُخَبِّئَهُ بَعْدُ، أَخَذَتْ لَهُ سَفَطًا مِنَ الْبَرْدِيِّ وَطَلَتْهُ بِالْحُمَرِ وَالزِّفْتِ، وَوَضَعَتِ الْوَلَدَ فِيهِ، وَوَضَعَتْهُ بَيْنَ الْحَلْفَاءِ عَلَى حَافَةِ النَّهْرِ. ٤ وَوَقَفَتْ أُخْتُهُ مِنْ بَعِيدٍ لِتَعْرِفَ مَاذَا يُفْعَلُ بِهِ”. خروج ٢: ٣-٤.
في هذا الوقت، كان لموسى أخت كبرى هي مريم، وأخ هو هارون.
قد يبدو أن الأم فعلت ذلك نتيجة استسلام، خاصة في قولها: “وَلَمَّا لَمْ يُمْكِنْهَا أَنْ تُخَبِّئَهُ بَعْدُ”. كأنها تقول: “بدلًا من أن يموت أمام عيني، فليمت بطريقة أخرى بعيدًا عني حتى لا أحزن”.
“٥ فَنَزَلَتِ ابْنَةُ فِرْعَوْنَ إِلَى النَّهْرِ لِتَغْتَسِلَ، وَكَانَتْ جَوَارِيهَا مَاشِيَاتٍ عَلَى جَانِبِ النَّهْرِ. فَرَأَتِ السَّفَطَ بَيْنَ الْحَلْفَاءِ، فَأَرْسَلَتْ أَمَتَهَا وَأَخَذَتْهُ. ٦ وَلَمَّا فَتَحَتْهُ رَأَتِ الْوَلَدَ، وَإِذَا هُوَ صَبِيٌّ يَبْكِي. فَرَقَّتْ لَهُ وَقَالَتْ: ‘هذَا مِنْ أَوْلاَدِ الْعِبْرَانِيِّينَ'”. خروج ٢: ٥-٦.
هذه ابنة فرعون نفسه، الذي أمر بالقتل والإبادة.
“٧ فَقَالَتْ أُخْتُهُ لابْنَةِ فِرْعَوْنَ: ‘هَلْ أَذْهَبُ وَأَدْعُو لَكِ امْرَأَةً مُرْضِعَةً مِنَ الْعِبْرَانِيَّاتِ لِتُرْضِعَ لَكِ الْوَلَدَ؟’ ٨ فَقَالَتْ لَهَا ابْنَةُ فِرْعَوْنَ: ‘اذْهَبِي’. فَذَهَبَتِ الْفَتَاةُ وَدَعَتْ أُمَّ الْوَلَدِ. ٩ فَقَالَتْ لَهَا ابْنَةُ فِرْعَوْنَ: ‘اذْهَبِي بِهذَا الْوَلَدِ وَأَرْضِعِيهِ لِي وَأَنَا أُعْطِي أُجْرَتَكِ'”. خروج ٢: ٧-٩.
القصة تأخذ منحى مختلفًا تمامًا. لقد عاد موسى مع أمه، ولم يذهب إلى ابنة فرعون.
“فَأَخَذَتِ الْمَرْأَةُ الْوَلَدَ وَأَرْضَعَتْهُ. ١٠ وَلَمَّا كَبِرَ الْوَلَدُ جَاءَتْ بِهِ إِلَى ابْنَةِ فِرْعَوْنَ فَصَارَ لَهَا ابْنًا، وَدَعَتِ اسْمَهُ مُوسَى وَقَالَتْ: ‘إِنِّي انْتَشَلْتُهُ مِنَ الْمَاءِ'”. خروج ٢: ١٠.
هذه معجزة بحد ذاتها! في البداية، قابلنا القابلتين وفعل الإيمان الذي قامتا به، ثم والدا موسى. الأم تظهر بشكل أكبر في القصة، لكن الأب كان له دور مهم في اتخاذ هذه المخاطرة. لقد قررا أن يرتبطا ويتزوجا وينجبا ابنًا في هذا الزمن الصعب. وكان هناك نبوات في ذلك الوقت عن مجيء مُخَلِّص ليُخرِج الشعب، فأخذا هذه المخاطرة.
هذه شجاعة غير عادية أن يقفا ويتحديا الملك. يقول الكتاب في عبرانيين ١١ آية غريبة عن التحدي الذي قاما به:
“٢٣ بِالإِيمَانِ، مُوسَى بَعْدَمَا وُلِدَ، أَخْفَاهُ أَبَوَاهُ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ، لأَنَّهُمَا رَأَيَا الصَّبِيَّ جَمِيلًا، وَلَمْ يَخْشَيَا أَمْرَ الْمَلِكِ”. عبرانيين ١١: ٢٣.
كانت لديهما اعتبارات أخرى تتعلق بالرب. “الرب يريدنا أن نفعل هذا، سنتحرك فيه. الملك ليس في حساباتنا”. مع أن هذا الملك كان قاسيًا وشديدًا، وأي شخص يقف أمامه سيُسحق. لكن الكتاب يقول عنهما إنهما اتخذا هذه الخطوة الشجاعة.
هذا يفهمنا العقلية التي كانا يتحركان بها. لم تكن عقلية استسلام أو خوف عندما وضعت أمه موسى في النهر. لا، لقد كانت عقلية إيمان. الكتاب يقول “بالإيمان”. لقد وضعته في “السفط”، وهي نفس الكلمة التي تصف “فُلك” نوح. حتى المادة التي طُلِيَ بها السفط هي نفس المادة التي طُلِيَ بها الفُلك. كانت دقيقة في اختياراتها؛ اختارت نبات البردي ليكون رقيقًا على جسد الطفل الصغير. ومن الداخل، طلته بمادة “الحُمَر”، ومن الخارج بمادة “الزِّفْت”. لماذا؟ لأن رائحة الزفت قوية وصعبة، وقد تضايق الولد وتخنقه.
وعندما وضعته، يقول الكتاب: “وَضَعَتْهُ بَيْنَ الْقَصَبِ”. هي لم تكن تضحي به، ولم تكن تلقيه في النهر كما نرى في الأفلام، حيث يُرمى في وسط التيار المتحرك. لا، لقد وُضِع في بقعة معينة وسط القصب، أي في مكان يوفر له الحماية، وليس في أي مكان وكفى. كما أنها أرسلت أخته مريم لتراقب ما يحدث.
لقد دخلت بفعل إيمان. لو أننا نعيش القصة في وقتها، ونحن لا نعرف النهاية، لقلنا إن ما تفعله جنون. لو كلمها أي من جيرانها لقال لها: “ماذا تفعلين؟ هذا جنون!”. لكن السلوك بالإيمان وأفعال الإيمان – وهذا هو المبدأ المهم في نشأة أي خلاص أو أي مُخَلِّص – هي التي تحرك يد الله.
الروح القدس لا يتحرك بسبب الدموع. لو أنهم جلسوا يبكون كثيرًا: “يا رب، حافظ لنا على الولد”، فالدموع ليست هي ما يحرك الرب. وليست التجمعات الكثيرة، لكن التحرك بالإيمان هو ما يصنع الفارق. لقد مشوا بالإيمان، فحماهم الرب. والغريب أن فرعون صدق قصتهما وتركهما، بل وكوفئتا أيضًا. يقول الكتاب إن الرب “صنع لهما بيوتًا”، وهذا لا يعني فقط أنهما تزوجتا وأنجبتا، بل إن بيوتهما صارت لها مكانة في إسرائيل، وخرج منهما كهنة، وصارت بيوتًا ملوكية.
وهكذا، الخطوات التي اتخذها والد موسى وأمه وأخته كانت خطوات إيمان، فانقلب الأمر تمامًا. نفس فرعون القاتل الذي أصدر الأوامر، تربى موسى في بيته، وكأن الأمر حدث رغماً عنه. كلمته لم تمشِ على هذه العائلة. وفي ذلك الوقت بالذات، اختارت ابنة فرعون أن تذهب وتستحم، ووجد موسى نعمة في عينيها.
نعم، هي عرفت أنه عبراني، أول كلمة قالتها: “هذا من أولاد العبرانيين”. لكن بالرغم من ذلك، هناك نعمة. وهذا يربطنا بحياتنا الشخصية؛ بالرغم من التحدي، وبالرغم من أنني معروف بهويتي، إلا أنني عندما أمشي بالإيمان، سأجد نعمة. لا يوجد خيار آخر. طالما وضعت الأمور تحت يد الله، فهي ستسير بالطريقة التي يريدها.
صحيح، هذا هو الإيمان الذي يفتح طريقًا ويجعل العمل الإلهي يتحرك. كان على بطرس فقط أن يخرج قدمه من القارب، أما أن تبقى المياه صلبة ولا تبتلعه، فهذا هو العمل الإلهي. وهكذا، دور الإنسان هو أن يمشي بالإيمان، ولا يقلق بشأن “كيف” ستحدث الأمور. هذه الأسئلة ضد الإيمان. الإيمان لا يسأل “لماذا” أو “كيف”. الطريقة والمخرج هما عمل إلهي. عندما أدخل في الإيمان، فأنا أدخل في جو خارق للطبيعة. هم كانوا يفهمون هذا، ويعرفون قصص إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وكيف حماهم الرب. لم يكونوا يجربون حظهم، بل كانوا يتخذون خطوات إيمان، وهذا الإيمان حرك العمل الإلهي في حياتهم. لذلك، سفر الخروج هو سفر مليء بالإيمان منذ بدايته.
يد الله الخفية في صناعة الخلاص
كيف استخدم الله ما استهان به فرعون؟
الغريب أن فرعون، في محاولته للقضاء على المُخَلِّص القادم، ركز على الذكور وأراد أن يبقي على الإناث. لكن في الحقيقة، اللواتي قمن بعملية الخلاص للشعب كنَّ النساء. لذلك، قصة الخروج منذ بدايتها مليئة بالنساء: القابلتان، ثم أم موسى، ثم أخته مريم. فمن المكان الذي لم يكن يتوقعه، والذي أراد أن يحافظ عليه، خرج ما يهدده. لقد كان خائفًا من الرجال، فصنعت النساء أمرًا ضخمًا وقويًا. القابلتان فتحتا الباب، وأم موسى أنجبت موسى، ولولاها لمات كبقية الأولاد الذين أُلقوا في النهر. لقد فتح إيمانهن الباب حتى إن فرعون، الذي قصد الشر بقتل الأولاد والإبقاء على البنات، وجد أن البنات أصبحن مصدر قلق له في عالم الروح، فهن اللواتي أخرجن المُخَلِّص.
وهذا يوضح كم هو مهم ألا ننظر للأمور بنظرة المجتمع. أحيانًا، يُنظر إلى الرجال على أنهم الأساس، لكن الرب لا يفرق بين رجل وامرأة في استخدامه. لقد كسرن القالب الذي يضعه المجتمع.
لماذا اختفت الأسماء في سفر الأسماء؟
الغريب أيضًا أنه في سفر الخروج، وهو سفر “الأسماء”، لم تُذكر أسماء الشخصيات الرئيسية في البداية. بداية الإصحاح الثاني تقول: “وَذَهَبَ رَجُلٌ مِنْ بَيْتِ لاَوِي وَأَخَذَ بِنْتَ لاَوِي“. لم نعرف من هو هذا الرجل أو من هي هذه المرأة إلا لاحقًا في خروج ٦. وحتى عندما ذُكرت أخته، لم يقل “مريم”، وابنة فرعون أيضًا لم يُذكر اسمها. كلها أسماء مبهمة.
لماذا؟ مع أن هذا هو سفر “شِمُوت” (الأسماء)، ونتوقع أن يكون أكثر سفر يخبرنا عن الأسماء. السبب هو أن الرب قصد أن يقول إن ما حدث لم يكن نتيجة لأشخاص معينين بأسمائهم، بل كان نتيجة لتحرك إلهي. فالأسماء كانت مختفية خارج المشهد، والرب هو الذي كان يعمل. كان الأمر كما لو أن هناك عملًا يجري في الكواليس، والممثلون على المسرح وجوههم غير واضحة، لكننا نفهم أن شيئًا عظيمًا يحدث؛ طفل يُنقَذ، ومُخَلِّص يولد ويُحافَظ عليه بطريقة رائعة، عكس كل القوانين.
حينما يوجد الإيمان، يتحرك الله. قال رجل الله سميث ويجلزورث عبارة رائعة: “إن لم يتحرك الله، أنا سأحركه بالإيمان”. لم يكن يقصد أن الله غير متحرك، بل أراد أن يؤكد على أهمية الإيمان في إطلاق عمل الله. هناك دور عليَّ، هناك “فعل إيمان” يجب أن أقوم به لأكون متاحًا للرب ليعمل في هذا التحدي أو الموقف.
الحفاظ على الهوية في قلب العالم
كيف بقي موسى “موسى” في قصر فرعون؟
إذن، وُلِد موسى، وتم إخفاؤه، ثم كبر وعاش داخل القصر. كيف ظل موسى “موسى”؟ كيف حافظ على هويته في هذا المكان؟ وكيف نربط هذا بنا ونحن نعيش في عالم “وُضِع في الشرير”؟ كيف أحافظ على هويتي وسط كل هذه الضوضاء؟
كان التحدي الأول هو نجاة موسى، أما التحدي الثاني فلم يكن سهلًا أيضًا. لقد عاش ٤٠ سنة في بيت فرعون. يقول استفانوس في سفر أعمال الرسل ٧ إن حياة موسى انقسمت إلى ثلاث مراحل، كل منها ٤٠ سنة. الأربعون سنة الأولى قضاها في القصر. من الغريب أن هذا الشخص لم يجلس مع أمه سوى سنتين تقريبًا، وهي فترة الرضاعة، ثم سلمته إلى ابنة فرعون.
يقول استفانوس إن موسى “تَهَذَّبَ بِكُلِّ حِكْمَةِ الْمِصْرِيِّينَ”، أي أنه درس كل علوم وثقافة المصريين.
هذا صعب جدًا، أن يكون في جو مشحون بأمور ليست سهلة. فكيف حافظ على نفسه؟ وكيف قرر في يوم من الأيام أن يترك القصر ويذهب إلى شعبه ليصير مُخَلِّصهم؟
السر يكمن في الآيات التي وردت في أعمال الرسل ٧: ٢٠:
“٢٠ وَفِي ذلِكَ الْوَقْتِ وُلِدَ مُوسَى، وَكَانَ جَمِيلًا جِدًّا، فَرُبِّيَ هذَا ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ فِي بَيْتِ أَبِيهِ”. أعمال ٧: ٢٠.
الكتاب يركز على جمال موسى، وهذا الجمال ليس مجرد جمال شكلي، بل كانت عليه نعمة إلهية.
“٢١ وَلَمَّا نُبِذَ، اتَّخَذَتْهُ ابْنَةُ فِرْعَوْنَ وَرَبَّتْهُ لِنَفْسِهَا ابْنًا. ٢٢ فَتَهَذَّبَ مُوسَى بِكُلِّ حِكْمَةِ الْمِصْرِيِّينَ، وَكَانَ مُقْتَدِرًا فِي الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ”. أعمال ٧: ٢١-٢٢.
السر يكمن في دور الأب والأم، وفي التربية. رغم أنها قد تبدو آخر شيء نفكر فيه، إلا أنها حجر الأساس. هي الخلاصة التي جعلت موسى يصل إلى مرحلة تختلف فيها حساباته. لقد عرف أن العبرانيين هم “إخوته” من كلام أمه. كانت أمه “يوكابد” (التي يعني اسمها “يهوه هو المجد”) تتحدث معه وتقول له: “موسى، أنت لست مصريًا، أنت لا تنتمي لهذا القصر، لك إله مختلف”.
ما حافظ على هذا المُخَلِّص لم يكن فقط ولادته، بل الحفاظ عليه بالتربية الصحيحة. كانت أمه تعرف أنه سيواجه تحديات القصر والوثنية، فكانت تغرس فيه هويته. كانت تحكي له عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب. تلك السنوات القليلة التي قضاها معها كانت كفيلة بأن تخرج شخصًا غير متأثر بما حوله.
كان بإمكان أي أم أن تكتفي بنجاته وتقول: “الحمد لله، لقد نجا وهو يعيش، حتى لو بعيدًا عني”. لكنها كان لديها هدف أكبر. لذلك، تكررت عبارة “رَأَتِ الصَّبِيَّ جَمِيلًا”. هل كانت ترى أن هناك دعوة على حياته، أم كانت تعامله كابن عادي؟
هذا هو ما يريد الرب أن يفعله في هذا الجيل؛ أن يرى كل أب وأم شيئًا مختلفًا في أبنائهم. إن كنت لا ترى سوى الشقاوة واللعب، فأنت ترى كما يرى العالم، وليس كما يرى الرب. لقد رأت يوكابد في ابنها شيئًا مختلفًا، ورأت أنه سيصنع أمرًا مختلفًا، وأنه سيعيش ولن يموت.
ذات مرة، جاءت امرأة إلى رجل الله كينيث هيجن، وكانت تبكي وتقول: “أريدك أن تصلي معي”. سألها: “نصلي لأجل ماذا؟”. قالت: “ابنتي متعبة جدًا، تدمن المخدرات، وتركت البيت. أشعر أنها ستعود إليَّ يومًا ما وهي حامل أو في سجن الأحداث. أريدك أن تتحد معي ونصلي لأجلها”. فقال لها: “لا، لن أصلي معكِ”. صُدمت الأم وسألته: “لماذا؟ أنا أريدها أن تخلص!”. فقال: “لن أبدأ الصلاة معكِ إلا عندما تغيري الصورة التي ترينها بها. طالما أنكِ ترينها في هذه الوضعية، وترينها متعبة وصعبة – وهي كذلك فعلًا على أرض الواقع – فلا يمكننا أن نصلي بإيمان”. وأعطاها شواهد كتابية لتقرأها وتبدأ في رؤية ابنتها تتحول إلى الصورة التي يريدها الله.
عادت بعد أسبوع وقالت: “لقد بدأت أرى ابنتي تعود إلى البيت، وتقبل الرب يسوع، وتمتلئ بالروح القدس. لقد غيرت الصورة السلبية التي كنت أتنبا بها على ابنتي دون أن أشعر”. في ذلك الوقت، صلى معها. وعندما أقول “أتنبأ”، فأنا أعني أن ما أقوله أو أراه على ابني أو ابنتي هو نبوءة بأنه سيكون كذلك. أنا أثبت هذه الصورة وأدفعه نحوها.
بعد أن غيرت الأم صورتها، وصلى معها، بعد ثلاثة أيام، طرقت ابنتها باب البيت، وعادت إلى حضن أمها وهي تبكي، وأخبرتها أنها قبلت يسوع وامتلأت بالروح القدس. الرسمة التي رسمتها الأم قد تحققت.
وهكذا، بدأت أم موسى ترى ابنها بمنظور مختلف، ومن هنا تبدأ تنشئة الشخص الذي سيُخلِّص. لقد رأت شيئًا لم يره بقية الناس. وقضت الوقت القصير الذي معها تعلمه وتدربه.
قد يقول البعض: “لكنه طفل صغير، لن يفهم”. كنت سأقول ذلك أيضًا. ماذا سيفهم؟ ماذا سيعي؟ إذا تعاملت مع الطفل على أساس عقله، فسترى أن عقله لا يزال ينمو ولن يفهم شيئًا. لكن دعنا نمشي كما قال الكتاب. نحن نتعامل مع كائن روحي. الطفل هو كائن روحي في الأساس قبل أن يكون جسدًا وعقلًا. الروح هي التي خُلِقت أولًا.
نحن أرواح في الأساس. حتى الشخص الذي في غيبوبة، وحواسه لا تعمل، قد يفيق ويقول: “كنت أسمع فلانًا يقول لي كذا”. كيف سمع مع أن حواسه كانت متوقفة؟
إذا تعاملنا مع أطفالنا على أنهم كائنات روحية، وليسوا مجرد أطفال صغار لطفاء، وإذا خاطبنا أرواحهم، فلا يوجد شيء اسمه “هو صغير ولن يفهمني”. لا تقل: “عندما يكبر قليلًا سأعلمه”. نعم، أنا أبسط له المعلومة، لكنني أخاطب روحه. لذلك، لا تتوقف عن أن تتكلم معه بالكلمة، وتحكي له عنها. لا تقل: “لن يفهم”، لأنك في اللحظة التي تقول فيها ذلك، تكون قد أغلقت الباب على أن يفهم فعلًا. أنت تحمل مفتاحًا في يدك كأب وأم، إما أن تغلق الباب على ابنك، أو تفتحه لتخرج الأمور الرائعة التي وضعها الله فيه.
تربية موسى
“رَبِّ الْوَلَدَ فِي طَرِيقِهِ، فَمَتَى شَاخَ أَيْضًا لاَ يَحِيدُ عَنْهُ”. حتى لو وُضِع تحت أي ظرف من الظروف.
لمن يتابع سلسلة التعليم هذه على مر الأسابيع، لقد تحدثت في مرة سابقة عن نقطة مهمة: لماذا نجد أشخاصًا، إما في سن المراهقة أو في الجامعة أو عندما يبدأون العمل، يتركون الرب؟ يتركونه بقلوبهم، حتى لو بقيت أجسادهم متواجدة في الكنائس.
هل تعرف لماذا؟ ليس لأن الحياة صعبة كما يقول الناس، وليس لأن إبليس شاطر، لا، وليس لأن حولهم أصحابًا غير صالحين. لا تنسَ أن موسى ترعرع داخل مكان مليء بالوثنية، قصر فرعون، ودرس دروسهم وحكمة المصريين. لا تنسَ أن هذا الشخص كان تحت تأثير قوي جدًا، كان يكفي أن يقول: “أشكرك يا رب، لقد أنقذتني بينما الشعب في الخارج مسبي، وأنا هنا في القصر”. كان بإمكانه أن يفعل ذلك. كان يرى أمامه ما نسمع عنه من وادي الكباش والطقوس الفرعونية، حيث كانت تُقدَّم الذبائح وتحدث أمور الزنا والملك يمر. موسى كان يتفرج على هذه الأمور، وكان يرى ويسمع دروسهم التي كانت تحمل علمًا غير عادي.
لكن عندما نقرأ عنه، نجده “أَبَى أَنْ يُدْعَى ابْنَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ”. لقد رفض ذلك. لم يكن شخصًا وسطيًا يقولها في العلن وفي داخله يحب شعبه، لا! لقد اختار ذلك علانية: “لا تنادوني بابن ابنة فرعون”، مفضلًا بالأحرى أن يُذَل مع شعب الله. من أين أتى بهذا الكلام؟ من أمه عندما كانت تربيه. لقد تربى في كنفها، وكان هناك تأثير قوي. كانت تقضي معه ساعات قليلة في البيت ثم تعود إلى بيتها، لكن هذه المربية علمت موسى مبادئ وقيمًا جعلت كل المؤثرات الخارجية لا تفعل شيئًا معه.
فلا تظن أبدًا لو أن لديك ابنًا في سن المراهقة وقد ترك الرب، أن القصة تكمن في أن العالم قوي، أو الإنترنت والقنوات الفضائية والأصحاب، أو أنك تقول: “أنا لا أعرف ما يفعله ابني الآن في المدرسة، لا أعرف إن كان في المدرسة أصلًا أم لا”. ليس هذا هو الأمر. السؤال هو: هل ربيته صح بالكلمة؟ هل دربته صح؟ وهذا لا يعني فقط ما قدمته له من كلمة، فقد تكون حياتك أنت لم تكن كلمة معاشة. قد يكون ابنك يرى الشكوى والبكاء والحزن، وفي النهاية تقول له: “يا بني، أحب الرب”. كيف سيحب الرب وهو يراك تبكي وتشتكي طوال الوقت بنفس هذه الصورة؟
أم موسى عرفت جيدًا كيف تضع ابنها على المسار الصحيح، واطمأنت عليه لأربعين سنة، لأنها حفرت فيه منذ البداية أمورًا صحيحة.
أساسيات التربية الإيمانية: كيف نُعِدُّ جيلًا لا يحيد؟
ابدأ برؤية نفسك أولًا
لكي يرى الأب والأم ابنهما بصورة صحيحة، يجب أولًا أن أرى نفسي بصورة صحيحة. لو أنني كأب أو كأم لا أرى نفسي في وضعية صحيحة حسب ما تقول كلمة الله، فلن أستطيع أن أرى ذلك تجاه ابني. لذا، يجب أن أُصلِح دائرتي كأب وأم أولًا. الأفعال التي قام بها والدا موسى كانت أفعال إيمان محضة. لقد قالت أمه: “كما أن الفلك حفظ نوحًا، سأصنع له فلكًا على قدره وسيحفظه”. كانت مؤمنة بكل ما حُكي لها عن نوح وأخنوخ وآدم وإبراهيم وإسحاق. ولذلك، لقّنت هذه الأمور لموسى.
وهذه واحدة من ضمن الأمور التي فعلتها معه؛ كانت تحكي له كثيرًا، وأوصلت له رسالة واضحة: “أنت موسى، أنت لست من هنا، أنت لا تنتمي إلى هذا المكان، لك دعوة مختلفة”. هذا ما جعله في يوم من الأيام قادرًا على اتخاذ قرار: “أَبَى أَنْ يُدْعَى ابْنَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ”. لا، لا أحد يقول لي إنني ابن شخص آخر، أنا أنتمي لشعب آخر. وقرر أن ينزل ليزور إخوته، كما سنقرأ بعد قليل.
وهذا من أهم الأمور التي يجب أن نعلمها لأولادنا: أنت لست من الأرض، حتى لو كان شكلك من الأرض. “موسى، أنت ترتدي ملابس القصر، وتضع الذهب مثلهم، ويُعمَل لك مكياجهم، لكنك لا تنتمي لهذا الشعب. ملابسك مختلفة، لكن قلبك مع الشعب الآخر، شعبك الحقيقي”. هذا مهم أن ندرب عليه أولادنا ونعلمه لهم، وكما قلنا، لا نعتبر أن الابن لا يفهم شيئًا وسيكون الأمر صعبًا عليه.
قوة الكلمة المغروسة بعمق
عندما يقول شخص: “ابني لا يسمع الكلام”، أقول له: إن آمنت بتأثيرك، فسيؤثر. أحيانًا، يفعل الأب أو الأم شيئًا من باب “لنفعلها وننتهي”، دون إيمان حقيقي، ثم يقولون: “ها قد فعلنا، ولم يحدث شيء”. ذلك لأنهم لم يكونوا مؤمنين منذ البداية.
الكلمة لها تأثير قوي. يشبه الكتاب تأثير الكلمة في سفر التثنية، حيث يركز الرب على التعليم منذ الطفولة. وهذا لا يعني أنه إذا كبر الابن فقد فات الأوان، لا تشعر بالحزن، فما زالت هناك طرق إلهية لاستعادة الابن الذي ربما كبر وواجه الإلحاد في الجامعة، أو سافر، أو ترك والديه.
يقول في تثنية ٦: ٤-٨، وهي الصلاة المشهورة لإسرائيل “الشِمَع”:
“٤ اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. ٥ فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ. ٦ وَلْتَكُنْ هذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ عَلَى قَلْبِكَ، ٧ وَقُصَّهَا عَلَى أَوْلاَدِكَ…”. تثنية ٦: ٤-٧.
كلمة “قُصَّهَا” هنا لا تعني مجرد الحكي، بل تأتي من معنى الاختراق أو الحفر، أي “أدخلها وعمّقها داخل قلوب أولادك”. هي نفس الكلمة التي استُخدمت في سفر المزامير لوصف “نَبْلِكَ الْمَسْنُونَةِ”، أي السهم الحاد الذي يخترق.
“…وَتَكَلَّمْ بِهَا حِينَ تَجْلِسُ فِي بَيْتِكَ، وَحِينَ تَمْشِي فِي الطَّرِيقِ، وَحِينَ تَنَامُ وَحِينَ تَقُومُ”. تثنية ٦: ٧.
متى؟ في كل وقت! في البيت، في الطريق، عند النوم، عند الاستيقاظ. نحن مدعوون لأن نربط كل شيء في يومنا بهوية أولادنا الروحية. إن جاءت لعبة، أقول له: “يسوع أعطانا المال لنشتري هذا”، فأنا أريه المصدر الذي من عالم الروح. عندما نتفرج على الطيور، أقول له: “يسوع صنع هذه الأشياء، انظر كم هي جميلة، انظر كيف تحمي أولادها”. وإن رأينا شيئًا شريرًا، نوضح الجانب السلبي لمملكة الظلمة: “انظر ماذا تفعل مملكة الظلمة، انظر إلى الشخص المتعب في الشارع، وراءه شيء شرير، إبليس يريد أن يؤذي الناس”.
إذا دربت ابني منذ الآن على أن يقرأ الأمور من عالم الروح، فلن يواجه صعوبة في استيعابها عندما يكبر. الرب يسوع كان يقرأ كل شيء من عالم الروح؛ عندما رأى المرأة المنحنية، قال: “هذِهِ… وَقَدْ رَبَطَهَا الشَّيْطَانُ”.
لذلك، عندما أتكلم بالكلمة لابني، من المهم أن أتكلم بها وأنا ملتهب بها. أنا لا أحكي له قصة لينام، لا، أنا أتكلم بها وهي مشتعلة في داخلي، فيأخذها بنفس الاشتعال. إن فعلتها بطريقة جسدية أو ببرود، فلن تصل بنفس القوة. أنا أنقل من روحي إلى روح الشخص الذي أمامي، حتى لو كان طفلًا. سيصل إليه، لأنه كائن روحي. وعندما يكبر، سيتذكر ما قيل له، ودور الروح القدس هو أن يذكره بما زُرِع فيه. هذا هو الإيمان؛ ما زرعته سينمو في حياته، حتى لو لم أرَ تأثيره بعد.
املأ الفراغ وإلا ملأه غيرك
مهم جدًا أن تملأ طفلك بالمعلومات. إن لم تملأه أنت، سيأتي شخص آخر ليملأه. لذلك قال له: “احكِ له الكلمة”. لا تضجر من أسئلة أولادك الكثيرة، بل اعتبرها فرصة رائعة لتعليمهم الصواب. إن لم تملأ أنت الفراغات في حياتهم، سيملؤها العالم والأفلام والأصحاب بطريقة خاطئة.
لا تخجل من أن تحكي لأولادك عن ما يحدث في سن البلوغ أو لماذا خلق الله الجنس. إن لم تفعل أنت، سيتعلمون هذه الأمور بطريقة خاطئة من الخارج. كلمة الله تتحدث عن كل شيء، ويمكنك أن تستخدمها لتعليمهم كيف يتعاملون مع هذه المراحل بدون خوف أو قلق.
مبدأ كتابي لا يتغير: ازرع صح تحصد صح
بولس قال عن تيموثاوس إنه منذ صغره تأثر بأمه وجدته. تيموثاوس الذي أصبح أسقفًا لكنيسة كبيرة مثل أفسس، بدأ الأمر بتأثير أمه وجدته اليهوديتين.
يقول أمثال ٢٢: ٦: “رَبِّ الْوَلَدَ فِي طَرِيقِهِ، فَمَتَى شَاخَ أَيْضًا لاَ يَحِيدُ عَنْهُ“.
المبدأ واضح. عندما نرى ابنًا يترك الرب في سن معين، فالأمر كله يكمن في التربية. كلمة “رَبِّ” أو “دَرِّب” في العبرية تُستخدم أيضًا بمعنى “التدشين” و”التكريس”. أي، تفرغ له وكرسه ودشنه ليمشي في الطريق الصحيح، وستجد الثمار.
هذا المبدأ الكتابي يساوي حماية لابني عندما يتعرض للمدرسة والأصحاب ووسائل التواصل الاجتماعي، وأنا لست معه طوال الوقت. لا تتخلى عن مسؤولية التربية. دور الأب ليس فقط توفير المال والعودة متعبًا من العمل ليصرخ: “اسكت يا ولد!”. لا، دوره هو التدريب والتعليم. سليمان نفسه، الذي كتب هذه الآية، قال في أمثال ٤ إنه كان ابنًا لأبيه داود، وكان داود يعلمه ويقول له: “احفظ كلامي… الوصايا ستحفظك”.
الخطورة تكمن في ترك هذه المسؤولية لشخص آخر ليربي ابنك؛ عمه، خاله، جده. بعد ذلك، يشتكي الآباء ويبررون ذلك بأن “الجيل صعب”، أو “هو طالع مثل عمه”. لا، المبدأ الكتابي واضح: إن تَرَبَّى صح، فلن يحيد. وإذا حاد، فهو أصلًا لم يُوضَع على الطريق الصحيح من البداية. وهذا ما حفظ موسى.
المراقبة والتأديب: كن “فلترًا” روحيًا لأبنائك
بالإضافة إلى التعليم، هناك المراقبة والتأديب. كلمة “تأديب” في العبري تعني “تعليم وتوجيه”. لا تترك ابنك يفعل ما يشاء بحجة الحرية. يقول أمثال ١٣: ٢٤: “مَنْ يَمْنَعُ عَصَاهُ يَمْقُتِ ابْنَهُ، وَمَنْ أَحَبَّهُ يَطْلُبُ لَهُ التَّأْدِيبَ“.
في سفر التكوين، هناك حادثة غريبة توضح أهمية أن يكون الأب والأم “فلترًا” لكل ما يدخل حياة أبنائهم. في يوم فطام إسحاق، رأت سارة إسماعيل “يَمْزَحُ”. مباشرة، ذهبت إلى إبراهيم وقالت: “اطْرُدْ هذِهِ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا”.
كلمة “يَمْزَحُ” في العبرية لها دلالات خطيرة: عبادة وثنية، أو علاقة جنسية، أو قتل. ما كان يفعله إسماعيل لم يكن مجرد لعب بريء. لقد كان يعلّم إسحاق طقوسًا وثنية وجنسية تعلمها من الخارج.
عندما فهم إبراهيم خطورة الموقف، تغير رد فعله تمامًا. لقد طردهما بقسوة ظاهرة، ليس لأنه قاسٍ، بل لأنه أدرك حجم الخطر الروحي على ابنه الموعد. لقد أدركت سارة أن ابنها “سيتعدى”، وأن اقترانه بإسماعيل سيأخذه في طريق خاطئ.
نحن نربي أولادًا للرب، لذلك دوائرهم مهمة. مع من يتكلمون؟ ماذا يسمعون؟ حتى لو كانوا عند الأقارب. إن لم تملأ أنت عقولهم بالصواب، سيملؤها آخرون.
نحن مدعوون لسبب: إعداد المُخَلِّصين
ولادة موسى كمُخَلِّص لم تكن أمرًا سهلًا. لقد قام عالم الروح ضده، وكان هناك قتل مستمر لمنع مجيئه. لكن كانت هناك يد إلهية تعمل لتحفظه حتى يؤدي الغرض الذي وُجِد من أجله.
ونحن أيضًا موجودون لغرض. نعم، نحن موجودون للعلاقة مع الله، لكن هناك غرض آخر. لموسى قيل: “إخوتك في الشعب متعبون تحت العبودية، أنت المُخَلِّص لهم”. وأنا وأنت اليوم، علينا أن نسأل أنفسنا: لماذا وُجِدت في هذا الزمن بالذات؟
أنا موسى بالنسبة لجيلي. أنا المُخَلِّص والمُنقِذ لجيلي. إن عشت بدون هذا الغرض، فأنا أعيش خارج دعوة الرب. يجب أن نعلّم أولادنا هذا: “أنت مُرسَل وأنت في المدرسة، أنت مُرسَل وأنت في العمل”.
العقلية التي كانت عند موسى يجب أن تكون عندنا. أنت موجود من أجل الشعب. لذلك، أول شيء فعله موسى عندما بلغ الأربعين هو أنه “ذَهَبَ لِيَفْتَقِدَ إِخْوَتَهُ”.
لماذا نحن هنا؟ هناك خطة وغرض إلهي. نحن “مُخَلِّصُون”. يقول سفر عوبديا: “وَيَصْعَدُ مُخَلِّصُونَ عَلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ” عوبديا ١: ٢١. أُرسِلنا إلى العالم لنُخَلِّص الناس. أي عيشة خارج هذا الغرض، هي عيشة ناقصة.
في هذه الحلقة، تكلمنا عن إعداد المُخَلِّص، وسنكمل أكثر في المرات القادمة عن هذا الأمر.
__________
من تأليف وإعداد وجمع خدمة الحق المغير للحياة وجميع الحقوق محفوظة. ولموقع خدمة الحق المغير للحياة الحق الكامل في نشر هذه المقالات. ولا يحق الاقتباس بأي صورة من هذه المقالات بدون إذن كما هو موضح في صفحة حقوق النشر الخاصة بخدمتنا.
Written, collected & prepared by Life Changing Truth Ministry and all rights reserved to Life Changing Truth. Life Changing Truth ministry has the FULL right to publish & use these materials. Any quotations are forbidden without permission according to the Permission Rights prescribed by our ministry.
