لسماع العظة على الساوند الكلاود اضغط هنا
لمشاهدة العظة على اليوتيوب


(العظة مكتوبة)
الإيمان العامل – الجزء 1
▪︎ سِرُّ التَواصُل والاتَّفاق.
▪︎ الحقّ الَّذي لا يُقلَّد.
▪︎ وقود الإيمان.
▪︎ إيمانٌ بلا تعطيل.
▪︎ ما وراء الحواس.
▪︎ هل يسلُك الله بالإيمان؟!
▪︎ عندما يختلّ الترتيب الصحيح.
▪ الإيمان كما ينبغي أنْ يُفهَم!
▪︎ الإيمان في وضْع التشغيل.
▪︎ الغلبة ليست خيارًا.
تكلَّمْتُ مُنْذ سنوات عديدة عن الإيمان، إذ يُوجد الكثيرُ مِن التعليم في هذا الموضوع على الموقع، لكني سأتكلَّمُ معك في هذه السِلْسلة “الإيمان العامِل” عن زوايا أخرى في الإيمان إلى جانب النقاط الأُخرى الَّتي لا بُد مِن مراجعتها وفَهْمها بشكلٍ جيدٍ. إذًا هذا ليس تعليمًا مُكرَّرًا، لذا عليك الالتفات والانتباه.
▪︎ سِرُّ التَواصُل والاتَّفاق:
الإيمان هو الطريقة الَّتي نتحرَّك بها في هذه الأرض، لكي تعيش حياتكَ بشكلٍ صحيحٍ وتعرف كيف تُصلي صلاةً مُستجابة. فلا يقتصرُ الأمرُ على نوال المُعجِزات فحسبٍ، بل يتعلَّق بكيفيَّة التواصُل مع الله في الصلاة وفي باقي جوانب الحياة.
لدى كلمة الله الإيمان هو محورٌ جوهريٌّ، ومُعظِمنا يحفظ الآية الشهيرة: “وَلٰكِنْ بِدُونِ إِيمَانٍ لَا يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ” عبرانيين ١١: ٦. انتبه جيَّدًا: فجُملة “لا يمكن إرضاؤه” لا تُعنِي أنَّكَ تُغضِبه، بل يُقصَد بها إنَّه بدون إيمان “لا يُمكِن العمل أو التواصُل مع هذا الإله”. لذا، مِن المُهم جدًا أنْ تضع في ذهنكَ وقلبكَ أنْ تفهم الإيمان فَهْمًا صحيحًا، حتى لو تعثَّرْتَ أو واجهْتَ مشاكل، فلا تسمح لذلك بأنْ يجعلكَ تتراجع عن مبدأ الإيمان.
الإيمان هو الطريقة الَّتي يضمن بها الشخص رؤية نتائج حقيقيَّة، حتَّى لو كان هناك اختبارات سلبيَّة لدى البعض مِمَن وضعوا إيمانهم في أمور ولم يجدوا نتائج، إلا أنَّ كلمة الله واضِحة تمامًا بشأن أنَّ الإيمان الحقيقي حتمًا يأتي بنتائج.
دعني أقرأ معك شاهِدًا موجودًا في رسالة بولس الرسول الأولى إلى تيموثاوس، وهي تُعتبَر مِن الرسائل الرعويَّة، إذْ كُتِبَتْ لراعٍ، حيث إنَّ تيموثاوس كان راعيًّا لكنيسة أفسس، وقد واجه بعض الاضطهادات، فَهُنا بولس يتكلَّم إلى راعٍ وليس إلى شعبٍ، فيقول له: “إِنْ فَكَّرْتَ الإِخْوَةَ بِهذَا (ما سَبَقَ قوْله في الرسالة)، تَكُونُ خَادِمًا صَالِحًا لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، مُتَرَبِّيًا (مُتدرِّبًا) بِكَلاَمِ الإِيمَانِ وَالتَّعْلِيمِ الْحَسَنِ الَّذِي تَتَبَّعْتَهُ.” (١ تيموثاوس ٤: ٦.
لاحظ هنا أنَّ بولُس الرسول فصَلَ بين “التعليم” (العقيدة) و “الإيمان”. واعتبرَ الإيمان موضوعًا مُستقِلًّا ينبغي على الراعي أنْ يُنبِّه به رعيَّته لأهميته القُصوى، رغم أنَّ التعليم يحتوي داخله بالفِعْل بنودًا تَخُص الإيمان. بذلك يكون خادِمًا صالِحًا “مُتربيًّا” أي “مُتدرِّبًا” بهذا الإيمان وما يتبع مِن تعليمٍ حسنٍ، فهو بذلك يستطيع مُساعدة رعيَّته.
▪︎ الحقّ الَّذي لا يُقلَّد:
يُحاوِل العالَم تقليد ما هو موجودٌ في كلمة الله. تذكَّرْ أنَّ مُوسَى عندما حوَّلَ عصاه إلى ثعبانٍ، أحضرَ فرعون السحرة وفَعَلُوا الأمر نفسه لكن بالتعاوُن مع أرواحٍ شريرةٍ، وهذا دليلٌ أنَّ السِحْر يُمكِن أنْ يَصِل إلى مُستوياتٍ شديدةٍ، لكن الكتاب المُقدَّس يُؤكِّد لنا أنَّ الحقَّ يسود ويتسلَّط على ما يُزيِّفه إبليس: “فَدَعَا فِرْعَوْنُ أَيْضًا الْحُكَمَاءَ وَالسَّحَرَةَ، فَفَعَلَ عَرَّافُو مِصْرَ أَيْضًا بِسِحْرِهِمْ كَذلِكَ. طَرَحُوا كُلُّ وَاحِدٍ عَصَاهُ فَصَارَتِ الْعِصِيُّ ثَعَابِينَ. وَلكِنْ عَصَا هَارُونَ ابْتَلَعَتْ عِصِيَّهُمْ.” (الخروج ٧: ١١-١٢.
لاحظ أنَّ الكتاب قال عصا موسى ابتلعت عُصيّ السَحْرة، ولم يَقُل الحيَّة. بناءً على المَراجِع اليهوديَّة كان لهذه العصا تاريخُ مسحةٍ يمتدُّ مُنْذ أيام أخنوخ وتمَّ توارُثها إلى أنْ وَصَلَتْ إلى مُوسَى.
أحيانًا تجد في العالَم أمورًا مُشابِهةً لتلك الَّتي نتعلَّمها في الكلمة، مِثْل “التفكير الإيجابيِّ” عن كيف تنجح في العمل عن طريق التفكير بإيجابيَّة وبدء اليوم بابتسام وأفكار إيجابيَّة.
أخبرتني إحدى السيدات أنَّها تتعلَّم في عملها عن التفكير الإيجابيِّ، وحكى لها المُدرِّب أنَّه شُفِيَّ مِن الزائِدة الدوديَّة باستخدام التفكير الإيجابيِّ فقط دون عمليَّة، فاعتقدَتْ أنَّ هذا نفس التعليم عن مفعول التفكير بناءً على الكلمة، لكنِّي أخبرتها أنَّ العالَم هو مَن يُحاوِل تقليد مبادئ الكلمة وليس نحن.
هناك الكثير مِن الأشياء الزائِفة الَّتي تأتي بنتائج لأنَّها “قوةٌ قانونيَّةٌ ومبادئ في الأرض”، وليس لأنَّ إبليسَ قويٌّ، مِثْل السكين الَّتي يُمكِن استخدامه للخير أو للشرِّ، فبإمكان الإنسان أنْ يُعطِي له طبيعةً شريرةً!
المشكلة ليست في التكنولوجيا والإنترنت أو العالَم الرقمي، بل في إساءة استخدامها، مِثْل: وجود الكثير مِن بياناتك المُتاحة على الإنترنت، هذا في حدِّ ذاته ليس خاطِئًا، لكن هذا ما سيستغلَّه “الوحش” مُستقبَلًا ليَحكُم العالَم.
يسعى إبليس بشتَّى الطُرق، حتَّى في أفلام الكرتون، لإيجاد أبطال مِثْل “سوبرمان” و”سبايدرمان”، لكي يرى الطفل مُعجِزات يسوع كأمرٍ عاديٍّ لـ “بطل” مشهور. كما يَسْعَى طوال الوقت على التقليل والتخفيض مِن شأن صلاتكَ ومُعجزاتكَ ووقت دراسة الكلمة. فتعتقد إنَّك شُفيتَ بمحض الصُدفة، افهَمْ جيَّدًا: هناك أرواحٌ شريرةٌ وراء نسيج هذه الأفكار لتقليل قيمة عمل الله في عينيك.
▪︎ وقود الإيمان:
في هذه السِلْسلة سأتحدَّث عن الإيمان بصورة أشمل، تحتاج إلى فَهْمها بصورةٍ أكبر وأعمق، لذا انتبه بشدةٍ حتَّى لو كُنْتَ حافِظًا لهذا التعليم وتعرفه جيَّدًا، حيث ستجد أمورًا إضافيَّة تحتاج أنْ تفهمها حتَّى يكون تفكيرك مَضْبُوطًا حسب الكلمة.
لنقرأ الشاهِد الأساسيّ لهذه السِلسلة، وهو: “لأَنَّهُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لاَ الْخِتَانُ يَنْفَعُ شَيْئًا وَلاَ الْغُرْلَةُ (عدم الختان)، بَلِ الإِيمَانُ الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ.” غلاطية ٥: ٦.
في المسيح، لم يَعُد الالتزام بناموس مُوسَى والعهد القديم هو ما يُشكِّل فرقًا، فلا يَهُم ما كان موسى يُركِّز ويُدقِّق عليه، بل ما يهم هو “الإيمان الَّذي يعمل بالمحبة”.
طاقة الإيمان: تأتي كلمة “الْعَامِل” في اليونانيَّة (energeō– ἐνέργεια)، وتُعنِي “الطاقة”. فطاقة الإيمان وبنزينة هي المحبة.
افهَمْ أيضًا أنَّ المحبة ليست مجرد مشاعر أو تُختزَل في الغفران، بل هي علاقة مع الروح القُدس لها خمسة اتجاهات: (حُبْ الرب لكَ، حُبكَ للرَّب، حُبكَ لنفسكَ، حُبكَ للآخر، وحُبكَ للأعداء).
يسأل البعض قائِلًا: “هل يُوجد إيمانٌ بلا محبة؟!” نعم، يُمكِن لشخصٍ أنْ يُمارِس الإيمان دون محبةٍ، وهذا ما يُخطِئ فيه البعض حين يَظنون أنَّ الإيمان يُعنِي فقط أنَّ الشخص ليس مُلحِدًا، يُؤمِن بالله ويُصلِّي ويُحِب الله، ولا يَعلَّمون أنَّهم بذلك يَغفلون عن أمورٍ هامةٍ مِثْل: مدى صحة طريقة هذه الصلاة، كيف يفهم الشخص كلمة الله، وكيف يسلُك بها.
هذه هي السطحيَّة الَّتي أدَّت إلى لومِ الرَّبِ في حياتنا دون معرفة السبب وراء ذلك. إذًا جِذْر الموضوع هو أنْ تفهم إنَّه كما يُوجد مُقوِّمات تجعل إيمانك عامِلًا، كذلك هناك أمورٌ على الجانِب الآخر تُبطِل مَفْعوله.
▪︎ إيمانٌ بلا تعطيل:
في رسالة روميَّة، يُوضِّح بولس أنَّ الوعد لإبراهيم لم يَكُن بسبب الناموس، لأنَّ إبراهيم كانَ قبل موسى. بل ناَل الوعد بمُمارسة إيمانه الَّذي حُسِبَ له برًّا: “لأَنَّهُ مَاذَا يَقُولُ الْكِتَابُ؟ «فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا”. رومية ٤: ٣، لا تتضايق إنْ كان أسلوبُ بولس يبدو بالنسبة لك ثقيلًا، فهو كانَ مُحاميًّا كبيرًا جدًا، تتلْمذَ على يدِّ رئيس المَحكمة الدستوريَّة العُليا آنذاك، لذلك فهو يتكلَّم بلُغة قانونيَّة شديدة، غير ذلك فهو فريسيٌّ دارِسٌ للشريعة جيَّدًا، لذا فهو شخصٌ ليس فارِغَ الذهنِ.
هُنا البرُّ: أي إنَّه تحرَّكَ بأسلوب مملكة الله، فعَمِلَ ما هو قويم حين آمن بالرَّبِّ، فالبِرُّ لا يُعنِي فقط حالة البراءة وغفران الخطيَّة بل أنْ يأخُذ الإنسان طبيعةً تستطيع تصنيع البِرِّ أي عَمل الصواب، انظرْ معي إلى ما قاله بولس: “١٣ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِالنَّامُوسِ كَانَ الْوَعْدُ لإِبْرَاهِيمَ أَوْ لِنَسْلِهِ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا لِلْعَالَمِ، بَلْ بِبِرِّ الإِيمَانِ. ١٤ لأَنَّهُ إِنْ كَانَ الَّذِينَ مِنَ النَّامُوسِ هُمْ وَرَثَةً، فَقَدْ تَعَطَّلَ الإِيمَانُ وَبَطَلَ الْوَعْدُ.” رومية ٤: ١٣، ١٤.
“تَعَطَّلَ الإِيمَانُ”: يُقصَد بكلمة تعطَّل هنا أي “أصبحَ خاويًا أو فارِغًا”. نعم، إيمان الإنسان يُمكِن أنْ يتعطَّل! طالما تكلَّمَتْ كلمة الله عن نوعٍ عامِلٍ أو فعَّالٍ مِن الإيمان، إذًا هناك عكسه وهو الإيمان المُعطَّل.
“بَطَلَ الْوَعْدُ”: تُعنِي أنَّ الوعدَ موجودٌ وله قوةٌ، لكنَّه “غير فعَّالٍ، غير ساري المفعول”، كقنبلة لم تنفجر. إذْ تختلف كلمة “تَعَطَّلَ” عن “بَطَلَ” في الأصل اليونانيِّ.
احذرْ هذا الخداع! يُحاوِل إبليسُ جاهِدًا جذبكَ بعيدًا عن جوهر الكلمة ويُشغِلك في أمورٍ قد تتعلَّق بالفِعْل بالكلمة ولكن ليس لك أنْ تحياها الآن، مِثْل شخصٍ يرى لافِتةً مَكتوبًا عليها: “ممنوع الوقوف هنا”، لكنَّه ينشغل بتأمُّله في جودة طباعة حرف ال (P) مثلًا أو عدم نظافة اللافِتة، وبسبب انشغاله بالتفاصيل غير المُهمَّة هذه، فهو بذلك يرتكب خطأ “الركن” في المكان الممنوع دون أنْ يدري! هكذا البعض يقفون عند تساؤُلات في كلمة الله لا داعي لها “الآن”، مما يُعطِّل مسيرتهم.
هذا ما كان يُحاوِل بولس إيضاحه للمُؤمِنين الَّذين كانوا مِن الأمم وعرفوا الرَّبَّ عن طريق يهودٍ وبالتالي أخذَ يسوع بالنسبة لهم طابِعًا يهوديًّا وكأنَّهم بحاجةٍ للمرور بكل ما في الشريعة ليَصِلوا إلى يسوع، وهذا بالطبع خطأٌ يجعل الإنسان عالِقًا في مُشكلات لا تَخُصه. هذا تحديًدا ما كان بولس يُحارِبه.
هكذا الكنيسة الآن تقع في فخِّ استيراد مشاكل لا تَخُصها مِن كلمة الله، وذلك ما يُعطِّل مُمارسة الإيمان. ربما يَخرُج شخصٌ ويَردُّ عليَّ قائِلًا: “لكن كلمة الله مُهمَّة!” نعم، بالتأكيد مُهمة، لكن أنتَ تُخطِئ بوقوفك طويلًا أمام أمورٍ لا تَخُصَّك الآن، فهي ليسَتْ حقًّا حاضِرًا بالنسبة لك الآن، إلَّا إنْ كانت أسئلةً محوريَّةً تَخُص الأمر.
هناك أسئلة لا داعي مِن سؤالها أو هذا ليس التوقيت المُناسِب لسُؤالها. لأجل هذا لا يُوجَد مَفْرٌ مِن أنْ يكون لك مُدرِّبٌ ومُمرِّنٌ روحيٌّ يَقودك ويُوجِّهك. أيضًا لا تتعاملْ مع موضوعٍٍ واحدٍ فقط في كلمة الله وكأنَّه الأكثر احتياجًا وتُهمِل باقي الزوايا.
▪︎ ما وراء الحواس:
لدى الفِكْر اليهوديِّ القديم، النَفْس البشريَّة لها خمس دوائر أو أعماق. حتَّى مَن لم يُؤمِنوا بيسوع مِنْهم، فَهُم يُؤمِنون بهذا الأمر، تلك الدوائر هُم كالآتي، مُرتَّبة مِن الخارِج للداخِل: (قشرة إدراك للحواس الخمس، قشرة إدراك المشاعر، توجيه التفكير، والعُمقان الرابِع والخامِس المُلتصِقان بالروح). الثلاثة الأولى مُلتصِقة بالنَفْس الإنسانيَّة، بينما يَخُص العُمقان الأخيران الروح. يُمكِنك القول إنَّ الرُوح البشريَّة مُحاطة بخمس طبقاتٍ.
الأكثرُ عُمقًا في تلك الأعماق الخمسة هو الاتَّحاد الفِكْري. عندما تفهم هذه الخلفيَّة، ستُحلُّ لديك الألغاز في العِبريَّة حَوْل آياتٍ مِثْل: “تُحب الرب إلهك مِن كل قلبك وكل فِكْرك ومِن كل قوَّتك”، فهُنا يتكلَّم عن تلك الدوائر. أيضًا بُطرس الرسول قال عنها: “إنسان القلب الخفيّ” في (١ بطرس ٤:٣.
يَدُلُّ ذلك على إنَّنا في العهد الجديد فَهمنا الروح الإنسانيَّة، ما لم يَكُن أناسُ العهدِ القديم يفهمونه جيَّدًا. فلم يَكُن هناك ميلادٌ جديدٌ، هذا ينطبق على كل مُؤمِني العهد القديم بما فيهم التلاميذ، فجميعهم كانت أرواحهم لم تُولَد مِن الله بعد إلى أنْ قامَ الرَّبُّ يسوع مِن الموت، عندئذ نُفِّذَتْ عليهم الولادة الجديدة.
لأجل هذا حينَ حدثَ تزاوُجٌ بين الأرواح الشريرة والبشر ونتجَ عن ذلك “النفليم”، الَّذين ليس لديهم نفْسٌ بشريَّةٌ، حيث كان بهم خللٌ ضخْمٌ وذلك لأنَّ لدى العهد القديم الرجل هو مُعطِي الحياة، بينما المرأة مُعطية للجسد، ففي هذه العلاقة الناتِجة عن تزاوُج الأرواح الشريرة مع البشر، ليس هناك رجلٌ بل روح شرير وبالتالي ليس لديه التركيبة البشريَّة، لذا كانوا في حالة دائِمة مِن التعطُّش لنَفْس بشريَّة، لأنَّه وُضِعَ في جسمٍ بشريٍّ ولكنه ليس إنسانًا في الأساس.
يسعى إبليس دائمًا إلى جذبكَ للحواس الخمس (الطبقة الخارجيَّة)، بينما نحن في العهد الجديد نبدأ مِن الداخِل (الروح المولودة ثانية) إلى الخارج. انظرْ إلى تلك الآية: “وَإِلهُ السَّلاَمِ نَفْسُهُ يُقَدِّسُكُمْ بِالتَّمَامِ. وَلْتُحْفَظْ رُوحُكُمْ وَنَفْسُكُمْ وَجَسَدُكُمْ كَامِلَةً بِلاَ لَوْمٍ عِنْدَ مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ.” (١ تسالونيكي ٥: ٢٣، لاحظْ هنا الترتيب الَّذي يُخاطِب به بولُس الكنيسة بناءً على مُستوى فَهْم العهد الجديد وإدراك عالَم الروح: الروح مِن ثَمَّ النَفْس وبعد ذلك الجسد.
أيُّ شخصٍ لا يَضعُ ذهنه في كلمة الله ويُركِّز فقط على ظروفه العيانيَّة، فإنَّه يرتكبُ خطيَّةً تُعطِّل إيمانه، لأنَّ المُؤمِن مَدعوٌ أنْ يتحرَّك بروحه وليس تحت قيادة نفسه أو جسده. فذهنكَ وأفكاركَ هي الساحة الَّتي تُمارِس فيها إيمانكَ.
▪︎ هل يسلُك الله بالإيمان؟!
أدعوكَ أنْ تفهم أمرًاً قد يَصدم البعض: الإيمان هو طريقة الله، فالله شخصيًا يتحرَّك بالإيمان! إذًا فالإيمان ليس أمرًا خاصًا بالبشر فقط. يُصدَم البعض عندما يَسمعون ذلك، ذلك لأنَّ تعريف الإيمان في نظرهم كالآتي: “ارتماء الصغير على العظيم”، فيعتقدون أنَّه على الإنسان أنْ يضع ثقته وإيمانه في الله الأعظم مِنْه، أمَّا الله في نظرهم فهو الأعظم -وهو كذلك بالفِعْل- فلا يوجد شيءٌ يحتاج أنْ يضع ثقته فيه! لكن في الحقيقة هذا ليس تعريفًا سليمًا، بل التعريف الكتابيِّ للإيمان هو: “رؤية المَشهد حسب الحقيقة الإلهيَّة”، أي كما تراه السماء.
إليك هذا الشاهد الَّذي يُثبِت عكس ما يعتقده الناس عن الإيمان: “١٢ وَفِي الْغَدِ لَمَّا خَرَجُوا مِنْ بَيْتِ عَنْيَا جَاعَ، ١٣ فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ مِنْ بَعِيدٍ عَلَيْهَا وَرَقٌ، وَجَاءَ لَعَلَّهُ يَجِدُ فِيهَا شَيْئًا. فَلَمَّا جَاءَ إِلَيْهَا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا إِلاَّ وَرَقًا، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ التِّينِ. ١٤ فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهَا: «لاَ يَأْكُلْ أَحَدٌ مِنْكِ ثَمَرًا بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ!». وَكَانَ تَلاَمِيذُهُ يَسْمَعُون.” مرقس ١١: ١٢-١٤.
لعنَ يسوع شجرة التين لأنَّ الورق الموجود عليها يجعل مِن المُتوقَّع أنْ يكون بها ثمرٌ، هذا كان العُرْفُ لديهم، ولكنَّهم لم يَجدوا بها أي ثمرٍ. هذا يُشبه هديَّة مَلفوفة، ولكن حين فتحتها وجدتها فارِغةً، هذا ليس طبيعيًّا، كذلك الأمر بالنسبة لتلك الشجرة. هنا يتكلَّم عن نوعٍ مُعيَّنٍ مِن التين، حيث إنَّ هناك أكثر مِن نوعٍ.
يَذكُر لنا الكتاب في العدد الرابع عشر أنَّ الرَّبَّ صنعَ حوارًا مع الشجرة، هنا الرَّبُّ تكلَّم إلى الشجرة! تخيَّلْ معي بينما كُنْتَ تسير مع شخصٍ آخر، وجدته وقفَ وبدأ يتكلَّم مع سيارةٍ! هذا ما فَعَله يسوع. وهذا يُريك مدى أهمية الكلمات المنطوقة.
كما تعرف أنَّهم في الصباح وجدوها قد يبسَتْ، بعد ذلك يذكُر مرقس قائلًا: “فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: لِيَكُنْ لَكُمْ إِيمَانٌ بِٱللّٰهِ” مرقس ١١: ٢٢. وفي اليونانيَّة جاءت كالآتي: “ليَكُن لكم نَفْس نوع إيمان الله”، “God’s kind of faith” هنا يثبت يسوع بوضوح أنَّ الله يتحرَّك بالإيمان وبالطبع لا يُعنِي هذا أنَّ الله يؤمن في شخص أعلى مِنه ولكنه يتحرَّك حسب الرؤية الإلهيَّة الحقيقيَّة.
▪︎ عندما يختلّ الترتيب الصحيح:
“لأَنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ قَالَ لِهذَا الْجَبَلِ: انْتَقِلْ وَانْطَرِحْ فِي الْبَحْرِ! وَلاَ يَشُكُّ فِي قَلْبِهِ، بَلْ يُؤْمِنُ أَنَّ مَا يَقُولُهُ يَكُونُ، فَمَهْمَا قَالَ يَكُونُ لَهُ.” مرقس ١١: ٢٣.
هناك مُعادلة لحدوث المُعجِزة وهي: (إيمانٌ قلبيٌّ + كلماتٌ مَنطوقةٌ = مُعجِزة). المشكلة أنَّ الكثيرين يكتفون بالكلمات المَنطوقة بينما يرتعبون عند رؤية العيان مِن مشاعر أو أعراض مرض أو مشكلة فيكون عنصر “الإيمان القلبي” مفقود في هذه الحالة، فتُصبِح المُعادلة ناقِصةً. إذًا إنْ كُنْتَ مِن هؤلاء مَن يعتقدون أنَّ الإيمان يتلخَّص في كلمات مَنطوقة فحسبٍ، فأنتَ بذلك مُخطِئٌ وتحتاج إلى تصحيح مفاهيمك. الكلمات المنطوقة ما هي إلا تحصيل حاصِل.
للأسف هناك الكثيرون مِمَن استناروا في الحقِّ الكتابيِّ الخاص بالكلمات المنطوقة، أسرعوا في مُمارستها، ولكنَّهم في الوقت نفسه تغافلوا عن إيمانهم القلبي، وبالطبع لن يَحصُلوا على المُعجِزة أخيرًا، لأنهَّم أسقطوا جزءًا فعَّالًا في المُعادلة الَّتي تكلَّمَ عنها شخص الرَّب يسوع.
لذلك تجد الشخص بمجرد أن يُعرَض عليه العيان سواء كانت مشكلة صحيَّة أو خاصة بالعمل…إلخ، يرتعب ويتقهقر للخلف! أين إيمانك القلبي إذًا يا عزيزي؟! الحقيقة هي إنَّه مازال هناك نقائص في إيمانك تحتاج إلى تكميلها بدراسة كلمة الله.
يقول كاتِب العبرانيين في الإصحاح الحادي عشر: “وأما الْإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالْإِيقَانُ بِأُمُورٍ لَا تُرَى.” عبرانيين ١:١١. هذه الترجمة غير واضِحة، يُمكِننا النظر إلى ترجمات أخرى مِثْل المُوسَّعة (AMP) إذ تقول: “الإيمان هو التأكُّد، الإثبات، وثيقة المِلْكيَّة، الاقتناع واستيعاب حقيقة الشيء”. إذًا الإيمان هو اقتناعك بأنَّ حقيقة الأمر ليس ما تراه في العيان بل كما هو موجودٌ في الكلمة.
“١ اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، ٢ كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ، ٣ الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي.” (العبرانيين ١: ١-٣.
“رَسْمُ جَوْهَرِهِ”: يسوع هو “رَسْم جوهر الله”، كما تأتي هذه الكلمة في اليونانيَّة (Hypostasis-ὑπόστασις-Icon). أي أنَّ يسوع هو التجسيد المادي لكلمة الله على الأرض، هو تجسُّد ذات الله. أيضًا هو ذات اللفظ الَّذي اُستخدِمَ عن الإيمان في (عبرانيين ١:١١)، بإمكانك الرجوع للأصل لترى.
مِن استخدامه للَّفظ نفسه في اليونانيَّة في الآيتين، نستطيع أنْ نقول إنَّ إيمانكَ هو “تجسيد الشيء” وتحويله مِن “ما يُرجَى” في عالَم الروح إلى “مادةٍ حقيقيَّةٍ ملموسةٍ” في عالَم العيان. كما أنَّ يسوع هو تجسيد كلمة الله الَّتي نُطِقَ بها بقيادة الروح القُدس على فم أنبيائه في العهد القديم ثُمَّ خرجَتْ مِن عالَم الروح إلى عالَم العيان في جسدٍ ماديٍّ ملموسٍ: “وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا.” يوحنا ١: ١٤، أيضًا عندما قال للتلاميذ: “اُنْظُرُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ: إِنِّي أَنَا هُوَ! جُسُّونِي وَانْظُرُوا، فَإِنَّ الرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي.” لوقا ٢٤: ٣٩. بل وأخذَ طعامًا وأكلَ أمامهم.
لاحِظْ يسوع هنا بعد القيامة، قال للتلاميذ: “لَحْمٌ وَعِظَامٌ” وليس “لحمٌ ودمٌ”، حيث إنَّ دمه صُفِيَّ بالكامل على الصليب، فبعد القيامة كان يحيا بصورة خارِقة للطبيعي، فلم يَكُن مُعطَى حياة مِن الدم بل مِن روحِه.
هنا مِن المُفترَض أنْ تكون قد فهمت لماذا تأتي آية (عبرانيين ١:١١) في الترجمات: “الإيمان هو مادة الشيء”، ليس خروجًا عن النَّصِّ بل نتيجة لما شرحته حالًا مِن ألفاظ في اليونانيَّة وربطها بـ (عبرانيين ٣:١).
لنرى إثباتًا آخر على إيمان الله؛ “١ فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. ٢ وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ. ٣ وَقَالَ اللهُ: «لِيَكُنْ نُورٌ»، فَكَانَ نُورٌ.” (التكوين ١: ١-٣.
هناك ملايين السنين بين العدد الأول والثاني، فَما يسرده لنا الكتاب في هذا الإصحاح هو إعادة خَلْق للأرض بعد أنْ تمَّ خرابها، حيث كاَن هناك خلائق قبلنا وأزمنة وحقب كثيرة تسبقنا، إذ حصلَ قضاءٌ على الخليقة الَّتي سبقَتْ الإنسان، وبالتالي أصبحَتْ الأرض خربةً نتيجةً لذلك القضاء (فالله لم يخلقها خربة كما أوضحَتْ الكلمة).
ربما تسأل: “لماذا كان هناك خلائق وأزمنة تسبقنا؟!” هذا لأنَّ الله إلهٌ مُتدرِّجٌ، سبقَ فأعدَّ الأرض بالمعادن والعناصر وأيضًا كانت تلك الفترة بمثابة تدريب للملائكة حتَّى أتى الإنسان الَّذي هو حُبُّ قلب الله، فوَجدَ الأرض مُعدَّة مُسبقًا له.
عندما أتى الله ليُعيد خلْق الأرض، استخدمَ كلمات منطوقة، لكنه بالتأكيد كان يرى الصورة بداخله قبل أنْ ينطق بها. إذ يقول الكتاب كان “رُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ”. تُعنِي كلمة “يَرِفُّ” بالعبريَّة (râchaph – רָחַף) “يحتضن أو يرى المَشهد بروحه ويُسيطِر عليه”، وهذا يُظهِر لك أنَّ إيمانك مُرتبِطٌ بأنْ ترى ما تَعبُر فيه بطريقة صحيحة طبقًا للكلمة.
رأى الله النور في روحه أولًا، ثُمَّ نطقَ به قائِلًا: “ليَكُن نورٌ”، هكذا تأتي في الأصل العبري: “أيُّها النور الَّذي فيَّ، كُنْ”. هذا هو إيمانُ الله، أيضًا كما رأينا مُنْذ قليل، كيف تعاملَ يسوع بالطريقة نفسها مع الشجرة. هكذا يجب أنْ ترى المَشهد الحقيقي داخلك أولًا، ثُمَّ تنطق بكلمات فمك بناءً على هذا الإيمان. نحن نسير على نهجه.
ألقِ نظرةً معي إلى تلك الآية، فهي تكشف لنا حقًّا ضخمًا: “فَإِذْ لَنَا رُوحُ الْإِيمَانِ عَيْنُهُ، حَسَبَ الْمَكْتُوبِ: «آمَنْتُ لِذٰلِكَ تَكَلَّمْتُ»، نَحْنُ أَيْضاً نُؤْمِنُ وَلِذٰلِكَ نَتَكَلَّمُ أَيْضاً” كورنثوس الثانية ٤: ١٣. إذًا بناء على ذلك، فالإيمان القلبي يسبق التكلُّم، للأسف هناك مَن يقفز على الخطوة الثانية (التكلُّم وإعلان الكلمة) دون أنْ يُؤمِن إيمانًا قلبيًّا، مازال قلبه يمتلئ بالريب والرُعب. هؤلاء هُم مَن يرجعون قائِلين: “لقد أعلنْتُ الكلمة، ولم أحصل على نتيجة!” هذا ليس كل ما تحتاجه، فأنتَ ينقُصك أنْ تسمح لكلام الرب بالتغلغُل في تفكيرك وبالسيادة عليك.
▪ الإيمان كما ينبغي أنْ يُفهَم!
الإيمان هو المادة الجوهريَّة لكل الأشياء الَّتي تترجاها، بحيث تكون هذه الأشياء مُطابِقة تمامًا لِما تقوله كلمة الله. لاحِظْ أنَّ الإيمان ليس مُجرَّد فِكْرة عقليَّة، بل هو تجاوب وتفاعُل حيّ مِن روحك الإنسانيَّة مع ما هو مُعلَن في كلمة الله. وعندما لا يكون الشخص قد نالَ الولادة الثانية بعد، يتدخَّل الروح القُدس ليمنحه مِن إيمانه، لكي يتمكَّن هذا الشخص مِن التفاعُل مع رسالة الإنجيل وقبول يسوع مُخلِّصًا.
في هذا المَثَل الَّذي ضربته للتو، هنا الشخص الخاطئ رأى شيئًا لم يَكُن مَرئيًّا لحواسه الخمس، ففي تلك اللحظة الَّتي آمنَ بها لم يَكُن يسوع مُتجسِّدًا أمامه، حتَّى لو أريته فيلم آلام المسيح، بل ما حدث هو أنَّ الروح القدس استخدمَ الكرازة الَّتي قُدِمَتْ لذاك الشخص في إقناعه بالإيمان بيسوع، حينئذ قرَّرَ هذا الإنسان أنْ يقبل يسوع مُتجاوِبًا مع الكارِز وإقناع الروح.
إنَّ المُؤمِن الحقيقي هو مَن يرى في روحه أمورًا غير مَرئية قبل أنْ تتحقَّق في الواقِع الملموس، وهذا ما تُؤكِّده كلمة الرَّب: “وَأَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى.” عبرانيين ١١: ١.
الكلمة اليونانية للفظ “الثِّقَةُ” هُنا هي “hupostasis”: والَّتي تُعنِي الأساس أو الجوهر المادي الَّذي يقوم عليه الشيء.
أين المُشكِلة إذًا؟ إنَّها تكمُن في مَن يَعبُد النَفْس البشريَّة ويستسلم تمامًا للحواس الخمس والعيان في زوايا أخرى في حياته، لهذا السبب لا يستطيع مُمارسة إيمانه حيال ما يَعبُرُ فيه.
إنْ تركَ المرء نفسه لمشاعره يجعله يعيش حياة روحيَّة مُتذبذِبة أو كئيبة. يُخطِئ البعض حين يظنون أنَّ النحيب والمشاعر الفيَّاضة هي صورة مِن صور الإيمان، بينما هُم في الحقيقة يُدرِّبون أنفسهم على المشي حسب الجسد لا حسب الروح. يستند أصحاب تلك الأفكار على آيات مِثْل: “عِنْدَ كَثْرَةِ هُمُومِي فِي دَاخِلِي، تَعْزِيَاتُكَ تُلَذِّذُ نَفْسِي.” (المزامير ٩٤: ١٩، فيعتقدون خطأً أنَّ فرحَ الرَّبِّ والتعزيات في كثرة البكاء والهموم! مِن ثَمَّ يُرنِّمون ترانيم مُعيَّنة بها نحيبٌ وبكاءٌ، لكن في الواقِع هذا ليس تفسيرًا صحيحًا لتلك الآية.
أولئك هم مَن يعتقدون أنَّهم يحبون الرَّبَّ بتلك الطريقة ويسلُكون بالإيمان، لكنَّهم بذلك هم بعيدون كل البُعد عنه، ويَظهر هذا جليًّا أمام التَّحديات الَّتي يهتزون لها بدلًا مِن مُواجهتها بإيمانٍ عنيدٍ، ليس هناك خزينٌ لكلمةِ الله في داخلهم! فكل هذه كانت تدريبات للسلوك بالجسد وليس بالروح.
حين يقول الراعي لأحدهم: “هيَّا لنرى مَشهدًا مُختلِفًا عن العيان بخصوص ما تعبُر به” يردُّ قائِلًا: “لا لن تنفع أي حلول، لقد فشل ارتباطي، أو لقد انهارت صحتي…إلخ”، لا يستطيع رؤية صورة أُخرى مبنيَّة على كلمة الله بشأن ظروفه! للأسف إنَّ هذا قمة التدنِّي للسلوك بالحواس الخمس والعيان! لقد تدرَّبَ مُسبقًا على إعطاء المصداقية والاعتبار لما يشعُر به ويراه بعينيه. حين تُصدِّق ما تراه عيناك فقط، تفشل في تغيير واقعك.
الإيمان الحقيقيُّ هو اعتبار وإدراك لحقائق الأمور طبقًا لما تقوله كلمة الله، وليس لما تقوله الظروف، الإيمان هو اقتناعٌ تامٌ بكلام الله بدون أي تردُّدٍ أو ريبةٍ. لننظرْ معًا لِما جاء في الإصحاح الرابع مِن الرسالة إلى رومية؛
“١٧ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «إِنِّي قَدْ جَعَلْتُكَ أَبًا لأُمَمٍ كَثِيرَةٍ». أَمَامَ اللهِ (مِثْل الله، هكذا تأتي في ترجمات أُخرى) الَّذِي آمَنَ بِهِ، الَّذِي يُحْيِي الْمَوْتَى، وَيَدْعُو الأَشْيَاءَ غَيْرَ الْمَوْجُودَةِ كَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ. ١٨ فَهُوَ عَلَى خِلاَفِ الرَّجَاءِ، آمَنَ عَلَى الرَّجَاءِ، لِكَيْ يَصِيرَ أَبًا لأُمَمٍ كَثِيرَةٍ، كَمَا قِيلَ: «هكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ». ١٩ وَإِذْ لَمْ يَكُنْ ضَعِيفًا فِي الإِيمَانِ لَمْ يَعْتَبِرْ (لم يُعطِ تقديرًا ولا هيبةً) جَسَدَهُ – وَهُوَ قَدْ صَارَ مُمَاتًا، إِذْ كَانَ ابْنَ نَحْوِ مِئَةِ سَنَةٍ – وَلاَ مُمَاتِيَّةَ مُسْتَوْدَعِ سَارَةَ. ٢٠ وَلاَ بِعَدَمِ إِيمَانٍ ارْتَابَ فِي وَعْدِ اللهِ، بَلْ تَقَوَّى بِالإِيمَانِ مُعْطِيًا مَجْدًا ِللهِ. ٢١ وَتَيَقَّنَ (اقتنع تمامًا) أَنَّ مَا وَعَدَ بِهِ هُوَ قَادِرٌ أَنْ يَفْعَلَهُ أَيْضًا. ٢٢ لِذلِكَ أَيْضاً: حُسِبَ لَهُ بِرًّا».” رومية ٤: ١٧-٢٢.
انظرْ إلى مِثال إبراهيم؛ لقد آمنَ على الرجاء ولم يعتبر العيان: سواء جسده المُمات أو موت مُستودَع سارة، بل كان مُقتنِعًا تمامًا أنَّ الله قادِرٌ على الوفاء بوعده، وصلَ إبراهيم إلى تفكيرٍ مُوحَّدٍ، لم يرتَبْ أو يتردَّد في إيمانه، سالِكًا بالبرِّ الَّذي مُنِحَ في العهد الجديد (مُتشابِهًا مع إنجازات العهد الجديد) مُتخطيًّا حدود الزمن بالإيمان. هُنا يتكلَّم بولس بمُستوى عميق جدًا، إذ يُريد قول إنَّ إبراهيم حُسِبَ له برًّا قبل الناموس.
الإيمان هو السرُّ الَّذي ينقلنا خارِج حدود الزمن والمادة، فبالإيمان صعدَ أخنوخ وإيليَّا إلى السماء دون أنْ يَذوقا الموت، وبه تجاوزَ موسى كل الأعراف الماديَّة. كيف تجاوزَ هؤلاء الزمن؟! مِن خلال إيمانهم.
انتبه لهذه النُقطة: في العهد القديم، أظهرَ الله لنا كيف يُمكِن للمُقدَّسات أنْ تتجاوز المادة. مثلًا تابوت العهد؛ لقد كانَ يشغل مساحةً ماديَّةً في قُدس الأقداس، ومع ذلك لم يُنقِص مِن قياسات المكان شيئًا، وكأنَّ ماديَّته أصبحَتْ تفاعليَّة غير جامِدة بسبب الطابِع الروحيّ له، ممَّا جعلَ الحاخامات يفهمون أنَّ هذا الإله يُمكِنه التلاعُب بالمادة والسيطرة على العيان، فقالوا حتَّى لو وُضِعَ التابوت في مكانٍ ضيقٍ، فحتمًا سيستوعبه هذا المكان، لأنَّهم فَهِموا أنَّ تابوت العهد لا يشغل أي مساحة.
هذا الفَهْم الروحيّ جعلهم في العهد القديم لديهم الطاقة ليضعوا إيمانهم ويدخلوا الحروب وينتصروا، هذا الفَهْم الروحيّ هو ما مَكَّنَ داود مِن رُؤية “جُليات” بمقاسات مُختلِفة تمامًا عمَّا رآه الجيش؛ فبينما رأوه جبارًا، رآه داود مهزومًا بكلمة الرَّبِّ. افْهَم جيَّدًا: الإيمان هو استيعابك واعتبارك لِما يعتبره الله.
حتَّى الخلاص نفسه لا يَحدُث لك إلَّا إذا اندمجْتَ في التفكير واقتنعت تمامًا بما فعله يسوع لأجلك، وعندها تبدأ بفرْض نعمة الخلاص على واقعك المُعاش. إنْ اندمجَ الشخص في خطاياه الكثيرة وظلَّ يتأمَّل بها، لن يخلُص أبدًا، فلا بد له أنْ يرتمي على خلاص يسوع الكامِل الَّذي فَعَله لأجله وحُبه وتضحيته لأجله.
لأجل هذا يجب أنْ يَكُف عن التَحدُّث عن الخطيَّة ويُرحِّب بالأخبار السارة، حينئذ فقط سيخلُص. في الحقيقة هو خَلُصَ، هذا طبقًا لحسابات السماء، حيث تقول الكلمة: “أَيْ إِنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ، وَوَاضِعًا فِينَا كَلِمَةَ الْمُصَالَحَةِ.” ٢ كورنثوس ٥: ١٩. لكن عليه أنْ يستفيد مِن ذلك الخلاص على أرض الواقِع.
إذًا مَن لن يقبلوا الخلاص، هُم عَمِلوا على إبطال معجزتهم على الرغم مِن إتاحتها في يسوع، هذا تمامًا معنى لفظ “بَطَلَ الوعد” الَّذي ذَكَره بولس.
▪︎ الإيمان في وضْع التشغيل:
الإيمان هو أنْ تَفرِض الطبيعة الإلهيَّة الَّتي بداخِلك على الموقف. لا تنتظر الرب ليفعلها بدلًا مِنك، فلا يقتصر الأمر على مُجرد سؤال الله في الصلاة أنْ يفعل شيئًا، لن يحدُث شيءٌ ما لم تأتي كلمة الله وتُصلِّح الموقف. انظرْ إلى الرَّبِّ يسوع؛ لقد كان يشفي المَرضَى بالتكلُّم إليهم مباشرةً دون إمضاء الوقت في الصلاة للآب مُحاوِلًا تغيير الواقِع، لأنَّه كان يرى واقِعًا مُختلِفًا بالفِعْل في الروح، لكنَّه بالتأكيد كان يُصلي في حياته اليوميَّة.
لأنَّنا خَرجنا ونحن نرى مَن حولنا يُصلي بتلك الصورة، اعتقدنا أنَّ هذه هي الطريقة السليمة، ولن يتغيَّر هذا الاعتقاد ما لم يأتي آخر ويُصحِّحنا في هذه الزاوية.
لاحِظْ هذا الفَرق الجوهريّ: نحن لا نُحاوِل جعْل الكلمة تتحقَّق، بل نُعلِنها لأنَّها حقيقة حاصِلة فعلًا في الروح، تمامًا كما نقول ٢×٢=٤ نحن لا نُحاوِل جعلها بهذا المِقدار بل ننطقها بثقةٍ لأنَّنا مُتأكِّدين أنَّها حقيقة. إنَّ إعلان الكلمة بلسانك لمُجرَّد الرغبة في حدوث الشيء هو إيمانٌ فاشِلٌ.
أمَّا الإيمان الصحيح، فهو أنْ تُعلِن الكلمة لأنَّك تراها حاصِلة بالفِعْل ومُتحقِّقة في روحك. هذا يتطلَّب مِنك تدريبًا مُستمِرًا للسيطرة على مشاعرك والارتباط الوثيق بكلمة الله، خاصةً في وقت الصلاة، لكي تَعبُر “عُنق الزجاجة” وتصل إلى المُعجِزة. حين ترى الموقف كما يراه الرَّبُّ، يُصبِح مِن السهل عليك أنْ تتكلَّم بهذه الصورة. هناك مَن يحيا حياته كما يَحلو له، وأمام التحديات تجده يُريد مُعجِزات فوريَّة، بالطبع لن تجد يا عزيزي لأنَّك لم تُدرَّب مُسبقًا على السير بالإيمان والصمود أمام العيان المُضاد.
لقد قال الرب يسوع عن نفسه: “الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ يَقْدِرُ الابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا إِلاَّ مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ. لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهذَا يَعْمَلُهُ الابْنُ كَذلِكَ.” يوحنا ٥: ١٩. يُعنِي هذا أنَّه كان يرى الموقف في الروح أولًا، ثُمَّ يُنفِّذه في الواقِع. لذا يجب أنْ تُدرِك عالَم الروح، وينفتح ذهنك عليه بصورةٍ صحيحةٍ وفقًا لتعليمٍ كتابيٍّ سليمٍ ونقيٍّ وليس طبقًا لكُتب فلسفيَّة أو تخيُّل أو حتَّى تجميع معلومات مِن مصادر مُتفرِّقة.
يتَّخذ البعضُ عبارة “لاَ يَقْدِرُ الابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا” عُذرًا ليُبرِّروا عجْزهم وعدم قُدرتهم، لكن في الحقيقة لو أكملوا الآية للآخِر لوجدوا ما ينفي ذلك، إذ قيل؛ “فَهذَا يَعْمَلُهُ الابْنُ كَذلِكَ”، إذًا أنتَ قادِرٌ، لكن عليك أنْ ترى كيف تُفعَّل في عالَم الروح، لكي تعملها. لا مفر مِن أنْ تكون شخصًا روحانيًّا، يفهم طُرق عالَم الروح جيَّدًا.
أنتَ لستَ مُجرَّد مُشاهِد، بل أنتَ مُنفِّذ للمُعجِزة مِن خلال “صناعة الكلمة”. فعندما تتماشَى رُؤيتك مع كلمة الله وتتكلَّم بها، يَحدُث الشيء حتمًا. على رغم مِن أنَّ يسوع كان هو الله الظاهِر في الجسد إلَّا إنَّه كان يسير بالطريقة الَّتي يُريدنا أنْ نسلُك بها، كان يرى الأمور في روحه ويتكلَّم بها مِن ثَمَّ يفعلها.
انظرْ معي إلى الآية التالية: “٢٠ لأَنَّ الآبَ يُحِبُّ الابْنَ وَيُرِيهِ جَمِيعَ مَا هُوَ يَعْمَلُهُ، وَسَيُرِيهِ أَعْمَالاً أَعْظَمَ مِنْ هذِهِ لِتَتَعَجَّبُوا أَنْتُمْ. ٢١ لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذلِكَ الابْنُ أَيْضًا يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ.” يوحنا ٥: ٢٠، ٢١. كان الرب يسوع وهو في الجسد مازال ينضج روحيَّا، لا تستغرب هذه العبارة، أشجعك أن ترجع وتدرس مقالة: “يسوع ابن الله وكيف خدم كابن الإنسان“. ففي هذا الوقت لم يَكُن يسوع يُقيم مَوتى بعد.
لتَثُرْ على حياتك الروحيَّة وما فيها مِن فتور، لتَثُرْ على تلك الأمور المُمرِضة للنَفْس البشريَّة. احذرْ مِمَّا تملأ به عينيك وأذنيك؛ فإذا ملأت ذهنك بتفاهات وسائل التواصُل الاجتماعيّ أو أخبار العالَم المريرة، انتبه كل مَن يشرب مِن هذا العالَم يعطش أيضًا، بذلك لن تقدر أنْ تُؤمِن، لماذا؟ لأنَّك في تلك الحالة تُعطِي اعتبارًا وهيبةً لكلام الناس ومشاكلهم بدلًا مِن رُؤية ما يراه الله: “كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تُؤْمِنُوا وَأَنْتُمْ تَقْبَلُونَ مَجْدًا بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَالْمَجْدُ الَّذِي مِنَ الإِلهِ الْوَاحِدِ لَسْتُمْ تَطْلُبُونَهُ؟” يوحنا ٥: ٤٤.
حين تقبل رأي وأفكار وتوجهات العالَم، لن يتوفَّر لديك الطاقة والحَيْل للإيمان وقتها كما يقول يسوع لهم، كيف تتوقَّع أنْ ترى مواقف الحياة؟ كيف تقدر أنْ تُؤمِن وأنتَ ترى بنظارة أهل العالَم، حيث ترى المشكلة الَّتي تُواجِهك ضخمةً وعويصةً كما يرونها هم!
هناك ما يُشبِه “الحقن” الروحيَّة السلبيَّة الَّتي يتعاطاها الناس دون درايةٍ، مِثْل الأغاني الحزينة أو الانغماس في الشفقة على الذات أو الخوف وهُم لم يرفضوا هذا داخليًا، ربما يكون هذا موجودًا في جملةٍ مكتوبةٍ في مكانٍ ما، أو عبارةٍ قد سمعتها في أغنية معيَّنة ملآنة بالحزن ورثاء الذات بينما أنت وسائل المُوصلات، وهذا يُؤثِّر سلبًا على حياتهم الروحيَّة وإيمانهم بل وحتَّى على أجسادهم. يُوضِّح ذلك أهمية أنْ ترفض عن عمدٍ كل ما يُلقَى عليك مِن الخارِج.
إنِّي أذكرُ هذا الاختبار: أُصِيبَتْ إحدى الأخوات مُنذ سنواتٍ بورمٍ (تَمَّ تشخيصه طبيًّا عبْر المنظار)، ونالَتْ شفاءها في ذلك الوقت أثناء استماعها لسلسلة تعليميَّة. وقبل حوالي عشرة أيام مِن تاريخ اليوم، اتَّصل بها شخصٌ وذَكَّرها بمُعاناتها القديمة، وظلَّ يقول لها: “أيُعقل أنكِ اجتزتِ بكل ذلك؟! اعتني بنفسك لئلا تجتازي في ذلك ثانيةً!” مِن هُنا بدأَتْ تلك الأخت تُؤخَذ في شِباك هذا الكلام، حيْثُ إنَّها لم ترفض تلك الفِكْرة داخليًّا بقوةٍ كافيةٍ.
حينئذ بدأَتْ أعراض الورم تَظهر مُجدَّدًا في الحنجرة بعد اختفائها لمدة أربع أو خمس سنوات. كانت الأعراض صارِخةً؛ حيْثُ كان هناك نزيفٌ دمويٌّ وفقدانٌ كامِلٌ للصوت، والورم معروف طبيًّا بقدرته على الانتشار. كانت هذه السيدة تستمع لتعليم “السماوات الَّتي صارت مفتوحة“، وأنَّ المُؤمِن فوق الزمن والوقت وفوق الملموس، فحدثَ لها إدراكٌ روحيٌّ مُفاجِئٌ أنَّ ما يَحدُث في جسدها ليس هو الحقيقة الإلهيَّة، مع أنَّ هناك نزيفًا.
بمُجرَّد حدوث هذا الالتحام الذهني بكلمة الله ورؤية المَشهد كما يراه الرب، اختفَتْ كافة الأعراض تمامًا في ليلةٍ واحدةٍ. تعجبَتْ السيدة مِن سُرعة النتائج لدرجة أنَّها تساءلَتْ “هل هذا سحر؟!”، لكن التفسير كان أنَّ ذهنها بدأَ يُفكِّر حسب كلمة الله، ففرضَتْ الطبيعة الإلهيَّة على جسدها.
لذلك، إذا أضفينا على الموقف هيبةً أو خوفًا أو رعبًا، أيًّا كان ما تُواجِهه؛ سواء كانت مديونيات، أو أشخاصًا يُطالِبونك بحقوقهم، أو مرضًا، أو مشاكل، في هذه الحالة ستحتاج لفترةٍ تبدأ فيها بالتفكير بشكلٍ صحيحٍ وفقًا للكلمة. لا تظنْ أبدًا أنَّك تستطيع الخوض في هذا الأمر وأنتَ غير مُتعمِّقٍ (خفيف) في دراسة الكلمة؛ إذ لا بد وضْع قلبك في دراسة الكلمة بجديَّةٍ تامةٍ.
لا يصحّ أنْ تُحاوِل الإمساك بالعصا مِن المُنتصَف؛ فإمساكها مِن المُنتصف يضعك في جانب إبليس، أمَّا إذا أمسكتها مِن جهة الله وحده، فأنتَ حينئذٍ في الموضِع السليم. لا يصحّ أنْ تعرج بين الفرقتين، أو تتهاون في الأمر، أو تتحدَّث بلُغة العالَم. لا تنخرطْ في ضجيج ما يُقال في الخارِج ثُمَّ تَعوُد لتتساءل: “هل بمقدوري التغيير؟ وماذا سأُغيِّر؟”.
تخيَّلْ معي أيوب تحت ضغط ما عَبَرَ به، قال لزوجته: “تتكلمين كإحدى الجاهِلات”؛ وذلك حين قالت له: “العنْ الله ومُتْ” (وقد وردَتْ في الترجمة العربيَّة بلفظ “بارك الله” من قبيل التوقير)، لكن أيوب استنكرَ قولها مُتسائِلًا عن ماهيَّة كلامها، رغم أنَّه كان يُسيء فَهْم الرَّبِّ حينها ويظن أنَّ الله هو المُتسبِّب في مصائبه. ومع ذلك، ظلَّ أيوب يُحب الرَّبَّ تحت أي ظرفٍ؛ وهذا هو مفهوم التقوى؛ أنْ تُحب الرَّبَّ وتستمر في عبادته حتَّى لو كان لديك تساؤلات.
لذا، لا تَكُنْ شخصًا قابِلًا للعثرة (كثير التَعُّثر). بالتأكيد تُوجد أخطاء، حتَّى تلاميذ الرَّبِّ يسوع كانوا يُخطِئون حتَّى اللحظات الأخيرة، وهذا ليس عيبًا في كلمة الله ولا في الرَّبِّ يسوع. تذكَّرْ أنَّ هناك مَن ينضج ويكبر، وكما تحتاج أنت للرحمة، ارحمْ الآخرين لكي يعمل إيمانك.
▪︎ الغلبة ليست خيارًا:
“١ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللهِ. وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ الْوَالِدَ يُحِبُّ الْمَوْلُودَ مِنْهُ أَيْضًا. ٢ بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا نُحِبُّ أَوْلاَدَ اللهِ: إِذَا أَحْبَبْنَا اللهَ وَحَفِظْنَا وَصَايَاهُ. ٣ فَإِنَّ هذِهِ هِيَ مَحَبَّةُ اللهِ: أَنْ نَحْفَظَ وَصَايَاهُ. وَوَصَايَاهُ لَيْسَتْ ثَقِيلَةً، ٤ لأَنَّ كُلَّ مَنْ (ما) وُلِدَ مِنَ اللهِ يَغْلِبُ الْعَالَمَ. وَهذِهِ هِيَ الْغَلَبَةُ الَّتِي تَغْلِبُ الْعَالَمَ: إِيمَانُنَا (هذه هي الطريقة). ٥ مَنْ هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ الْعَالَمَ، إِلاَّ الَّذِي يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ؟” (١ يوحنا ٥: ١-٥.
يأتي العدد الرابِع في الأصل اليونانيِّ: كل “ما” يَخرُج مِن الله يغلب العالَم، إذًا ليس فقط الإنسان بل كل شيءٍ. أنتَ بكونك مولودًا مِن الله، مدعو لتفعل ما فعله يسوع. لأنَّ يسوع اجتازَ قَبْلك في هذا الطريق كإنسانٍ ونَجَحَ فيه، فأُتيحَتْ الغلبة لك أيضًا، إذْ مكتوب في الإصحاح الرابع مِن الرسالة نفسها: “بِهذَا تَكَمَّلَتِ الْمَحَبَّةُ فِينَا: أَنْ يَكُونَ لَنَا ثِقَةٌ فِي يَوْمِ الدِّينِ، لأَنَّهُ كَمَا هُوَ فِي هذَا الْعَالَمِ، هكَذَا نَحْنُ أَيْضًا.” (١ يوحنا ٤: ١٧. أنْ تُؤمِن أنَّه ابنُ الله لا يُعنِي فقط أنَّك قبلْتَ يسوع، بل أنَّك فهمْتَ أنَّك تستطيع فِعْل الأشياء الَّتي فعلها يسوع.
لذا، لا بد أنْ تأخُذ خطوات جدية مِن اليوم لتعيش هذه الغلبة. ضعْ قلبك في دراسة الكلمة بلا تراجُع، بالتأكيد سيُحاوِل إبليس أنْ يُهوِّل لك الأمور، ويقول لك: “إنَّ التعليم الكتابي ضخمٌ ومُتسِعٌ، مِن أين ستبدأ؟ أنتَ غيرُ فاهِمٍ! هناك سلاسل كثيرة تحتاج إلى دراسة”، لا تُصدِق هذا الصوت، إنَّه يفعل ذلك لإعاقتك. على الجانب الآخر سيبدأ الروح القدس في مُساعدتك، لتُتابِع ما فاتك مِن تعليمٍ بل ويُكمِّل نقائص إيمانك، إنَّه في صفك ويتوق لرؤية “جيشه” على الأرض مُنتصِرًا وليس مَهزومًا.
هذا الكلام مُوجَّه لكل شخصٍ، ليس هناك شخصٌ مُستثنَى، فإنْ كُنْتَ تأكُل الكلمة، كُنْ مُلازِمًا لها، أما إنْ كُنْتَ مُهمِلًا لها، فقد آنَ الأوان لتفهم الحقَّ الكتابيّ بصورة سليمة. لا تنسَ أنَّ إيمانك هو الغلبة الَّتي تغلب العالَم، أيًّا كان ما تَعبُر به، ليس هناك خيارٌ آخر سِوى الغلبة، إنْ آمنْتَ بذلك سيكون لكَ.
__________
من تأليف وإعداد وجمع خدمة الحق المغير للحياة وجميع الحقوق محفوظة. ولموقع خدمة الحق المغير للحياة الحق الكامل في نشر هذه المقالات. ولا يحق الاقتباس بأي صورة من هذه المقالات بدون إذن كما هو موضح في صفحة حقوق النشر الخاصة بخدمتنا.
Written, collected & prepared by Life Changing Truth Ministry and all rights reserved to Life Changing Truth. Life Changing Truth ministry has the FULL right to publish & use these materials. Any quotations are forbidden without permission according to the Permission Rights prescribed by our ministry.
