(العظة مكتوبة)
الكنيسة ملء المسيح – الجزء 4
أولاً: هوية الكنيسة والسلطان الذي تملكه على الأرض؟
ثانيًا: كيف يرى العالم الروحي الكنيسة؟
ثالثًا: وظيفة الكنيسة وطبيعتها:
- هي المسحة ذاتها (ملء المسيح).
- لديها سلام المسيح.
- الكنيسة فاعِلة، فهي عمود الحق وقاعدته.
- تُغيِر المؤمن من الصورة البشرية إلى الإلهية.
- توقف عمل إبليس على الأرض.
- تجهز المؤمن وتُعدّه للمواجهة.
- تحتاج إلى صيانة ذاتية واتحاد.
- هوية الكنيسة والسلطان الذي تملكه على الأرض؟
“١٥ لِذلِكَ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ سَمِعْتُ بِإِيمَانِكُمْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَمَحَبَّتِكُمْ نَحْوَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، ١٦ لاَ أَزَالُ شَاكِرًا لأَجْلِكُمْ، ذَاكِرًا إِيَّاكُمْ فِي صَلَوَاتِي، ١٧ كَيْ يُعْطِيَكُمْ إِلهُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَبُو الْمَجْدِ، رُوحَ الْحِكْمَةِ وَالإِعْلاَنِ فِي مَعْرِفَتِهِ (معرفة أعمق)، ١٨ مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مراثهِ فِي الْقِدِّيسِينَ، ١٩ وَمَا هِيَ عَظَمَةُ قُدْرَتِهِ الْفَائِقَةُ نَحْوَنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ، حَسَبَ (مساوي) عَمَلِ شِدَّةِ قُوَّتِهِ ٢٠ الَّذِي عَمِلَهُ فِي الْمَسِيحِ (ما فعله مع المسيح فعله معنا)، إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَأَجْلَسَهُ عَنْ يَمِينِهِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ (عاليًا جدًا)، ٢١ فَوْقَ كُلِّ رِيَاسَةٍ وَسُلْطَانٍ وَقُوَّةٍ وَسِيَادَةٍ، وَكُلِّ اسْمٍ يُسَمَّى لَيْسَ فِي هذَا الدَّهْرِ فَقَطْ (اسم يسوع عالي في هذا الدهر أيضًا) بَلْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْضًا، ٢٢ وَأَخْضَعَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، وَإِيَّاهُ جَعَلَ رَأْسًا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ، ٢٣ الَّتِي هِيَ جَسَدُهُ (ذاته)، مِلْءُ الَّذِي يَمْلأُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ (هو الذي يملأ الكنيسة)” أفسس ١: ١٥-٢٣.
لماذا نتحدث في هذه الأيام عن موضوع الكنيسة بصفتها ملء المسيح؟ فمنذ سنوات، تكلمت عن “كنيسة مجيدة” ووضحت أن الكنيسة يجب أن تكون بلا غضن وبلا كرمشة وبلا بقع؛ لكن ما يريد أن يعلنه الروح القدس في هذه الفترة هو أن تكون الكنيسة مملوءة بالمسيح. والملء بالمسيح هو الملء بكلمة الله لأن المسيح هو الكلمة، وأيضًا الملء بمسحته أي قوته.
“١٥ قَالَ لَهُمْ: «وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟» ١٦ فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَقَالَ: «أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!». ١٧ فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. ١٨ وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضًا: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا. ١٩ وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاوَاتِ. وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاوَاتِ»” متى ١٦: ١٥-١٩.
في الوقت الذي قال فيه الرب هذه الكلمات، كان واقفًا أمام البوابة الروحية المشهورة التي يُعرف عنها تقليديًا أنها المكان الذي حدث فيه سقوط الملائكة، وتعهدوا معًا بأن يختلطوا بالبشر وينجبوا منهم. وهو أيضًا نفس موقع جبل التجلي، وهذا يعني أن هناك مغزى في هذا المكان وفي هذه المنطقة لذلك قال الرب هذا الكلام فيها.
“١٨ وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضًا: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ…” كلمة “هذه” تعود على الاستنارة، فأنت بطرس، لكن “هذه الصخرة” ليست أنت كبطرس، بل صخرة اكتشافك أنني ابن الله. فعلى هذه المعرفة (صخرة المعرفة) أبني كنيستي، وأبواب الجحيم (وكان واقفًا أمام تلك البوابة) لن تقوى عليها.
“١٩ وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ…” هذا ليس قاصرًا على بطرس فقط، بل قاصر على كل شخص استنار وفهم أن الرب يسوع هو ابن الله. هذا السلطان في يد الكنيسة، وقد أعطى الرب الزمام لها. لاحظ التسلسل: “كُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاوَاتِ“ وليس في السماء أولًا؛ ما يبدأ في الأرض وما تنجزه في الأرض، يُنجَز في السماء. كل ما تسمح به أنت في الأرض، يُسمَح به في السماء. كل ما تمنعه أنت في الأرض، يُمنَع في السماء.
هنا بدأ يظهر السلطان الروحي الذي يعطيه الرب لمن يستنير في معرفته، ليس فقط بعد الصعود، بل حتى قبله. بدأ يُعلِم بطرس إنه لكونك في هذه الاستنارة وبدأت تفهم هذه الأمور أُعطي لك السلطان أن تحل وتربط، فهناك رابط بينهما، وليس أن يربط الرب ويحل. كان بإمكان الرب يسوع أن يقول جملة وكانت ستمر بشكل طبيعي أمامنا في متى ١٦، سأقول الجملة الخاطئة الآن: “يا بطرس، صحيح أنت ابن الله، لكن ما أحله أنا وما أربطه أنا هو ما يحدث على الأرض، وأنت ليس لك علاقة، أنت في مكان وأنا في مكان آخر”. لا، بل بدأ يحدث رابط بين استنارة بطرس وبين أن بطرس يحل ويربط. وبطرس هو عينة ونموذج للكنيسة، والأمر ليس قاصرًا عليه.
لو قصد الرب بطرس فقط لكان خص الكلام له بشخصه، ولم يكن ليأتي بسيرة الكنيسة “إكليزيا” (باليونانية: ἐκκλησία، ekklēsia). في ذلك الوقت لم يكونوا يفهمون معنى “كنيسة”؛ فبالنسبة لهم كانت تعني “مجمع”. فعندما سُمَع هذا الكلام في ذلك الوقت، فسيفهمونها أنها مجمع. من ضمن معاني كلمة “إكليزيا” هي مجموعة من الناس بدأت تأخذ استقلالية فكرية عن العالم، لكنها منخرطة في المجتمع. وكان السنهدريم أو مجمع السبعين شخصًا الذين صلى موسى ووضع يده عليهم، يُعتبرون “الإكليزيا”، أي الكنيسة في ذلك الوقت.
هذا يعني أن ما يقوله الرب يسوع هنا ليس لفظًا خاصًا بالمسيحيين في ذلك الحين، بل بمجموعة من الناس انعزلت. لكن بعد ذلك، بدأ يتطور فهم أن لفظ “إكليزيا” أو “كنيسة” خاص بالمسيحيين. لماذا؟ لأن مَن آمن بالرب في هذا الوقت بدأوا يتقابلون في مكانين: في الهيكل بشكل أساسي أو في المجامع، وبعد ذلك كانوا يجتمعون في البيوت. وبدأت الكنيسة تُفهَم بهذا المعنى في ذلك الوقت.
لذلك، عندما قال الرب يسوع: “عَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي” فإن أي شخص حاضرًا -بما في ذلك بطرس نفسه- كان سيعتقد أن الرب سيبني مجمعًا أو مقرًا خاصًا به سيقود الناس منه. لكننا فهمنا المعنى الذي كان يقصده الآن بكلامه؛ اكتشفنا أن الكنيسة هي كيان روحي، وهذا الكيان هو الذي يحل ويربط على الأرض، وأنّ ما تسمَح به على الأرض يُسمَح به في السماء، وما ترفَضه على الأرض يُرفَض في السماء. إذًا الكنيسة هي التي تحرك السماء.
عندما قال الرب لبطرس: “طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” كان بإمكانه أن يمدحه ويقول له: “برافو عليك يا بطرس، أنت رجل ماهر، بدأت تكتشف أمورًا بروحك”. لكنه قال له أنّ أبي الذي في السموات هو مَن أعلن لك هذا الإعلان! فلم تأتِ المعرفة التي نالها بطرس بفهم بشري، بل جاءت بالإدراك والاستنارة من الآب السماوي.
لذا تذكر جيدًا: عندما ظهر الرب لتلميذي عمواس، لم يعرفاه -لأن الرب يُعرَف روحيًا- مع إنهم قضوا معه سنوات، وشكله كان مألوفًا لهم، لكن لم تكن هناك استنارة في شخصية الرب يسوع وتجسد الكلمة؛ فمن لا يعرف الكلمة، لا يعرف الرب يسوع. لذلك، ما يحدث هو كالتالي: فور أن يستنير شخص ما في الكلمة، ويدرك أن هذا هو الألوهية الظاهرة في البشرية (الرب يسوع)، يبدأ الرب يمنحه صلاحيات. سأكرر هذه الجملة مرة أخرى، من يستنير ويفهم من هو الرب يسوع، ما هي هويته في عالم الروح، يبدأ الرب يسوع في منحه صلاحياته على الأرض.
ربط الرب يسوع الصلاحيات بالكنيسة؛ وربطها أيضًا بالفهم والاستنارة التي نالها بطرس على أرض الواقع. أول شيء يحدث عندما تفهم كلمة الله وتستنير فيها، هو أن عالم الروح ينتبه إليك، وتُعطَى لك صلاحيات كانت لك منذ البداية كمولود من الله، لتبدأ في معرفة كيفية استخدامها. يشبه الأمر شخصًا لديه حسابات في البنك لكنه ما زال قاصرًا؛ ورغم أنه يمتلك الشيء، إلا أنه لا يستطيع استخدامه. لكن سيحدث سماح وفتح واستخدام لهذا الحساب أو هذا الميراث عندما ينضج. الإدراك هو الذي يجعلك تتحرك وتفهم صلاحياتك على الأرض؛ وهذا يؤثر على استخدام هذه الصلاحيات.
هذا ما قاله الرسول بولس في رسالة غلاطية: “١ وَإِنَّمَا أَقُولُ: مَا دَامَ الْوَارِثُ قَاصِرًا لاَ يَفْرِقُ شَيْئًا عَنِ الْعَبْدِ، مَعَ كَوْنِهِ صَاحِبَ الْجَمِيعِ. ٢ بَلْ هُوَ تَحْتَ أَوْصِيَاءَ وَوُكَلاَءَ إِلَى الْوَقْتِ الْمُؤَجَّلِ مِنْ أَبِيهِ. ٣ هكَذَا نَحْنُ أَيْضًا: لَمَّا كُنَّا قَاصِرِينَ، كُنَّا مُسْتَعْبَدِينَ تَحْتَ أَرْكَانِ الْعَالَمِ.” غلاطية ٤: ١-٣
بالرغم من أن الابن يمتلك كل شيء، فلن يستطع أن يمسك شيئًا -لكونه قاصرًا- فلن تكون لديه الصلاحيات لاستخدامها، بل الامتلاك فقط. وبالتالي فإن الابن في البيت يشبه العبد، لكن بمجرد أن يكبر وينضج روحيًا، يكون قادرًا على استخدام صلاحياته.
“كُنَّا مُسْتَعْبَدِينَ تَحْتَ أَرْكَانِ الْعَالَمِ” أي كنا نتأثر بعناصر العالم، هذا هو السبب في أن الأمراض والمشاكل الحزن كانت تؤثر في بعض المؤمنين لأنهم كانوا لا يزالوا قاصرين. يمتلكون الفرح والانتصار والحرية والشفاء، لكنهم لا يزالوا قاصرين في الإدراك والفهم فلم يستمتعوا بما لديهم.
وجد إبليس أن القصة تكمن في الاستنارة والفهم، فحاول أن يفعل شيئًا مع مرتادي الكنائس وقارئي الكتب الروحية ومتابعيها، وهي محاولة لإخفاء المعرفة الصحيحة والدقيقة عنهم، لأنه يفهم أن القصة ليست كلمات وتعويذات، بل في أناس يفهمون كلمة الله، فيخرجون القوة نتيجة الفهم.
وعندما يعرف الشخص ميراثه في المسيح، ربما -في ذات الوقت- لا يعرف كيف يأخذه. ولكن حين يأتي ليكتشف كيف يأخذه، ستكون الحرب بطريقة مختلفة عن طريق العقائد غير الكتابية لجعل الناس يعتقدون أن الله بسيط ولا داعي للتعليم لأن الله لا يريد أي عُقد، فيقولون: “انظر إلى البسطاء الذين لا يعرفون أي شيء، إنهم يعيشون بشكل رائع، والله ليس معقدًا”. معتقدين أن التعليم هو تعقيد، بينما في الحقيقة التعليم هو الذي يجعلك تفهم الله بأكثر سهولة، ومن دون تعليم، يصبح الله معقدًا.
من هنا بدأت عدوانية إبليس تتحول بخباثة داخل الكنيسة لمنع الناس من الاستنارة، فيقرأون الآيات لكنهم غير مستنيرين بها. أو عندما يبدأ الشخص يضع قدمه في طريق التعليم الكتابي، يُهاجَم بفكرة أخرى: “الله أبسط من ذلك”. وكم سمعنا هذا الكلام: “صلِّ من قلبك فقط، أخرج أي شيء من فمك، والله يسمع ويفهم القلب، ليس من الضروري أن تركز في التعليم…”، اعتقادًا منهم أن الرب غير منظم، وأنه رب قلوب، وجمل كهذه لم تأتِ قط في كلمة الله. عندما علّم الرب يسوع الناس شخصيًا، قال لهم ألا يصلوا بطريقة معينة وأن يصلوا بطريقة أخرى، وألا يكرروا الكلام، وأن يقولوا كذا وكذا. بالتالي، الرب نفسه لا يستسيغ أي صلاة.
فمَن يستطيع إبليس أن يمنعه من كلمة الله من الأساس، ويدخله في خط الإلحاد والبعد التام عن كلمة الله، فيعمل على هذه النقطة. أما إذا كان الشخص قد بدأ يدخل الكنيسة، فيحاول أن يجعله إما يتعثر، أو لا يفهم التعليم، أو يقع في “مطاعم روحية” (بلغة الطعام) ليس فيها طعام جيد، فيتعثر الشخص من الطعام ويقول: “لقد جربت كل شيء”. وكأنها موجة تأخذ الشخص كل مرة. أين الله من هذا الأمر؟ سأتكلم في هذه الجزئية لوحدها. أنا ما زلت أتكلم عن الكنيسة؛ يجب أن نفهم ما هي هوية الكنيسة.
- كيف يرى العالم الروحي الكنيسة؟
تكلمت في المرات السابقة عن أن هناك ثلاثة لاعبين في الملعب: الرب وملائكته، وقوى الشر هي إبليس ومملكته، والبشر (وكل الانتباه موجه عليهم). كيف يرى إبليس الكنيسة؟ إبليس يعلم جيدًا أن هذا الإله لا يمكن هزيمته، لكنه يكذب على نفسه، ومن كثرة كذبه، بدأ يصدق أكاذيبه. لذلك، يحاول حتى آخر وقت أن يُخَرّب ما لهذا الإله.
لا توجد قوة ثالثة؛ الإنسان في المنتصف، ويحاول إبليس والرب العمل على الإنسان. الإنسان هو طموح الطرفين. لكن الإنسان يستدعي عالم الروح حسب دوافعه وجوعه.
يرى إبليس الإنسان كالتالي: هو طموح، لكن إن كان هذا الشخص تابعًا للرب يسوع فيراه كمعادي له وعدو له. فكما يرى المحامي الإنسان موكل عنه وهو يدافع عنه، والطبيب يراه كمريض يحتاج للعلاج، وصاحب المتجر يراه كمشتري منه؛ هكذا كل شخص يرى الآخر من منظوره بناءً على وظيفته. بنفس الفكرة، فإن إبليس يعمل في وظيفة معينة: هو ضد الرب، لكنه بدأ يرى الإنسان على أنه هو الشغل الشاغل للرب، فبدأ يتعامل معه بعدوانية لأنه ملك للرب.
فور أن يقبل الشخص الرب يسوع في حياته، يبدأ إبليس في رؤيتة كعدو لأنه يراه “يسوع على الأرض“. أما الذي لم يقبل يسوع، فيراه أنه بالفعل تحت يديه وسلطانه، فلا يحتاج أن يفعل أي شيء إضافي معه.
لذلك، بعدما كان إبليس يحارب وجود شعب الله على الأرض عبر القتل والسبي والإغواء بالخطية (مثل قصة بلعام وإغواء بني إسرائيل ببنات الأمم الأخرى ليغضب الرب عليهم ويسلمهم للشعوب)، وبعد كل محاولات الهجوم التي كانت تحدث، بدأ يغير من طريقته. كان إبليس يرى الإنسان في العهد القديم -المنتمي لشعب الله- كعدو لوجوده على الأرض، ولوجوده في هذا المكان، ولعبادته في الهيكل، وهو يعلم أن الهيكل هو المنطقة التي وضع الرب حضوره فيها.
بعدما جاء الرب يسوع، بدأ يغير في وظيفته؛ بدأ يرى أن هناك هياكل (أناس) أصبحت هيكلًا للرب على الأرض، فلم يعد يتعامل مع الأمر كمنطقة معينة، بل مع الإنسان وأخذ وظيفة جديدة لم تكن موجودة من قبل اسمها “ضد المسيح”. كما إنك لن تذهب لتبحث عن علاج لمرض غير موجود في بلدك؛ هكذا لن تجد علاجًا للسل في مناطق لا يوجد بها سل. علمونا في الصحة العامة أن هناك بلادًا تم محو أمراض معينة منها تمامًا، وإذا تم تشخيص شخص بذات المرض، فمن المؤكد أنه قادم من دولة أخرى، ويستوردون الدواء خصيصًا له.
نفس الفكرة، يتوجه إبليس ليبدأ في اتخاذ وضعية “ضد المسيح” ومضاد للمسيح، لأنه يرى المسيح على الأرض.
تذكر أن الرب يسوع صعد للسماء، فمن الذي في الأرض اسمه “مسيح”؟ لماذا يأخذ هذه الوظيفة الآن إلا إن كان يوجد مسيح على الأرض؟ يرتعب إبليس من هذا، فيحاول أن يجعل المؤمن يوميًا أن يشعر بالملل، لا يريد أن يصلي، لا يريده أن يتواصل مع الإله، لأن قوته مرتبطة بعلاقته بالرب. ناهيك عن المشاكل التي تحدث في الكنائس، والعثرات، والتعاليم غير الكتابية، وكأنه متفرج على الكنيسة وهي تزرف دمها. لكن الرائع في الأمر أن النبوة التي قيلت عن الكنيسة في أواخر الأيام هي أنها ستزهو وتزدهر وتقوى، مجدًا للرب، لأن حياة الله تغلب، ولأن الكنيسة ستفهم وتستنير.
كيف يرى الإنسان الكنيسة؟ وكيف يراها الرب شخصيًا؟ الكنيسة هي جسد المسيح، على المؤمن أن يراها جسد المسيح. أما غير المؤمن، فيراها حماقة وجهلًا، ويتعجب لبعض الأمور التي تفعلها الكنيسة. يقول: “يعني أنت محتاج تصلي لكي تأخذ شيئًا؟”. لا، لا يصدق العالم إلا ما يراه. بالتالي، يحتقرون الكنيسة ويقولون: “يا رجل، الموضوع ليس كما تراه! كيف ستحدث المعجزة؟ كيف ستأتي الأموال؟”. فيقلل ويخفض ويسخر من قوة الكلمة، التي هي قوة الإيمان.
عاش الرب يسوع على الأرض وعرف كيف يوضح للناس النموذج الذي يمكننا أن نعيش به، أي كيف تكون قوة الله داخل الإنسان.لذا اقرأ معي:
“٤ لأَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ يَغْلِبُ الْعَالَمَ. وَهذِهِ هِيَ الْغَلَبَةُ الَّتِي تَغْلِبُ الْعَالَمَ: إِيمَانُنَا.” (١ يوحنا ٥: ٤
كلمة “الْعَالَمَ” باليونانية هنا هي (kosmos κόσμος) وتعني هي شيء مرتب، هي العالم والخليقة والمخلوقات. يقول الكتاب إن كل من وُلد من الله يغلب هذا الـ kosmos الذي تم ترتيبه. كما شرحت سابقًا أن الدهر (النظام الفكري) هو (aeon) والعالم المادي هو (kosmos)، وقد رتبه إبليس العالم بترتيبات معينة.
لاحظ، هناك أشياء لها بريق ما، احذر أن تقع في هذا البريق. قد يحب بعض الناس أنواع من العطور أو بعض أساليب اللبس وأنواع الموسيقى يسمعونها وينسحبون معها؛ بعض الأماكن الأنيقة وذات الطراز الجميل ينسحبون معها؛ ما وراء هذه الأشياء هي أرواح شريرة تعمل لتلقي قوة على الناس لتسحبهم، فتجد الشخص إن سار معها، بدأ يُسحَر له. فالسحر ليس بالضرورة أن يقوم شخص ما بعمله، إنما ما يحدث في العالم من kosmos يكون خلفه قوة شريرة تحاول التأثير على الناس. فقد تجد منتجات العالم بين أيدينا، لكن من خلفها قوة سحب وانبهار تجاه هذا المنتج أو هذا الأسلوب.
“٥ مَنْ هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ الْعَالَمَ، إِلاَّ الَّذِي يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ؟” (١ يوحنا ٥: ٥
ماذا يعني هذا؟ يعني أن الرب يسوع جاء على الأرض وعاش هنا بقوة الله كإله في هيئة إنسان. بالتالي، بما أنك تؤمن بأنه استطاع أن يعيش هذه القوة، فأنت أيضًا يمكنك أن تعيشها. هذا ما يريد أن يقوله في هذا الأمر، ولهذا السبب، الكنيسة هي الجسد؛ هي شخص الرب. يراها إبليس المسيح، فبدأ يأخذ وظيفة “ضد المسيح” تجاهها.
- هوية الكنيسة ووظيفتها:
الكنيسة هي كيان روحي. قال الرب يسوع عنها: “هذِهِ الصَّخْرَةِ…” والمقصود هنا هو صخرة المعرفة. لم تكن هذه الصخرة شيئًا موجودًا أمام أعينهم، لكنه كان يتكلم بصورة مزدوجة عن الجبل الذي كان يقف أمامه في تلك المنطقة، وكأنه يقول: في وجه المنطقة التي حاول إبليس أن يصنع فيها مستعمرة له على الأرض، أنا سأصنع مستعمرة روحية وجسدية. فبدأ يتكلم ويوضح أن “أَبْوَابَ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا”.
- أولًا: الكنيسة هي المسحة ذاتها.
الكنيسة هي المسحة ذاتها، هي الروح القدس شخصيًا على الأرض، هي الرب يسوع على الأرض. إذًا، الكنيسة هي كيان حقيقي. هي ليست مبانٍ، لكنها يجب أن تجتمع في مكان.
- ثانيًا: الكنيسة لديها سلام المسيح.
الكنيسة لديها السلام. كما قال الرب يسوع في يوحنا ١٤: “سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ” لهذا السبب سيفقد العالم السلام الذي نضج في الكنيسة عندما يحدث الاختطاف. لا يمكن أن تبدأ الدينونة في الأرض في ظل وجود الكنيسة، يجب أن تخرج الكنيسة أولاً. تذكر معي إبراهيم عندما قال للرب: “كيف تقاضي الأثيم مع البار وأنت إله البر كله؟”. أجابه الرب: “لن أسمح بوجود البار في نفس المكان”. إذًا، يعلن الرب شخصيًا لنا أن الدينونة التي ستحدث في الأرض لا يمكن أن تحدث بوجود الكنيسة فيها. الكنيسة لديها السلام؛ والسلام لا ينفي وجود أحداث سلبية، بل يعني السيادة والتسلط عبر “انسجام الأمور بشكل صحيح مع بعضها”.
لكي تكون الكنيسة صانعة سلام أو صانعة سيطرة في عالم الروح، يجب أن تكون كنيسة نشيطة. الكنيسة هي جسد المسيح؛ هذا اسمها، لكن وظيفتها تتطلب أن تكون كنيسة نشيطة؛ أي ممتلئة بالحق الكتابي اللازم الذي يساعدها على التحرك وتصنع السلام.
- ثالثًا: الكنيسة فاعِلة، فهي عمود الحق وقاعدته.
الكنيسة تقوم بوظيفة، ولنفهم هذه الوظيفة بشكل أعمق، لنقرأ ما قاله بولس لتيموثاوس في رسالته الأولى: “١٥ وَلكِنْ إِنْ كُنْتُ أُبْطِئُ، فَلِكَيْ تَعْلَمَ كَيْفَ يَجِبُ أَنْ تَتَصَرَّفَ فِي بَيْتِ اللهِ، الَّذِي هُوَ كَنِيسَةُ اللهِ الْحَيِّ، عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ.” (١ تيموثاوس ٣: ١٥
هذا يعني أن الكنيسة هي التي تسند الحق. إذا أردت أن تعرف ما هو الحق، فالحق ليس مجرد تعليم كتابي، بل هو إعلان الله لذاته وحقائق المواقف، وهو أساس استقرار الأرض. يوضح المزمور ٨٢ هذا الأمر، الحق ليس معناه تعليمًا كتابيًا فقط؛ الحق هو أن يعلن الرب ذاته وحقيقته، وحقائق المواقف.
“١ اَللهُ قَائِمٌ فِي مَجْمَعِ اللهِ. فِي وَسْطِ الآلِهَةِ يَقْضِي. ٢ حَتَّى مَتَى تَقْضُونَ جَوْرًا وَتَرْفَعُونَ وُجُوهَ الأَشْرَارِ؟ سِلاَهْ. ٣ اِقْضُوا لِلذَّلِيلِ وَلِلْيَتِيمِ. أَنْصِفُوا الْمِسْكِينَ وَالْبَائِسَ. ٤ نَجُّوا الْمِسْكِينَ وَالْفَقِيرَ. مِنْ يَدِ الأَشْرَارِ أَنْقِذُوا. ٥ لَمْ يَعْلَمُوا، وَلَمْ يَفْهَمُوا. فِي الظُّلْمَةِ يَتَمَشَّوْنَ. تَتَزَعْزَعُ كُلُّ أُسُسِ الأَرْض ٦ أَنَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ آلِهَةٌ وَبَنُو الْعَلِيِّ كُلُّكُمْ.” (مزمور ٨٢: ١- ٦)
عندما نقول “عمود الحق وقاعدته”، لا يعني هذا أن الحق نفسه قابل للاهتزاز وأننا ندافع عنه لنرفع من شأن الله؛ ليس الأمر كذلك. بل المقصود بكلمة “حق” هنا هو إعلان الحقائق الإلهية وتطبيقها على الأرض. الكنيسة هي التي تُخرج هذا الحق إلى العالم الخارجي؛ هي المورِّد والمُصدِّر له، وهي نفسها قائمة على هذا الحق.
دعني أوضح لك بمثال: عضلة القلب تضخ الدم إلى كل الجسم، وفي ذات الوقت، هي نفسها تتغذى من هذا الدم عبر شريان مشهور يسمى “الشريان التاجي” يلتف حولها. فالقلب يغذي الجسم، وهو شخصيًا يتغذى من عمله. إنها دائرة مغلقة؛ الشخص فيها يعطي، وهو نفسه يستفيد مما يعطيه. الكنيسة تعمل بنفس الفكرة؛ هي تعطي الحق وتمنح الثبات للحقيقة على الأرض، وإلا تتزعزع أسس تلك المنطقة أو ذلك العمل. وجود كنيسة أو صليب أو كتاب مقدس أو مؤمن في مكان ما ليس هو ما يمنع التزعزع، بل فاعلية الشخص المؤمن هي التي تمنع ذلك.
الكنيسة نفسها مبنية على الحق الذي تمنحه للعالم، كما نقرأ في رسالة أفسس: “١٩ فَلَسْتُمْ إِذًا بَعْدُ غُرَبَاءَ وَنُزُلاً، بَلْ رَعِيَّةٌ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَأَهْلُ بَيْتِ اللهِ، ٢٠ مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ.” أفسس ٢: ١٩-٢٠
وهذا يعني أن كل ما نبني عليه يجب أن يكون يسوع. هناك كنائس لم تضع يسوع كحجر زاوية، كيف؟ عندما يتم تصدير صورة عن إبليس أنه هو الذي يلعب بالناس، ويوهمهم بأن إبليس كائن قوي، حتى لو تم تذييل الكلام في نهايته بـ”يسوع أقوى”، لكن بعد أن تم تصوير إبليس ككائن ضخم، والإبحار في دراسة “روح إيزابل” وغيرها، يتحول وعي الشخص وإدراكه إلى الأرواح الشريرة أكثر من يسوع. وما تدركه هو ما تمتلئ به وهو ما يسيطر على أفكارك. نعم، يوجد تعليم عن الأرواح الشريرة لنفهم طباعها، ولكن ماذا عن الرب يسوع وما صنعه؟ حجر الزاوية يعني أنه محور كل شيء، وأي شيء لا نتحدث فيه عما فعله يسوع وعن خلاصه، فإننا نكون نورّد للناس فكرة ليست سليمة.
- رابعًا: تُغيِّرنا الكنيسة من الصورة البشرية إلى الإلهية.
وظيفة الكنيسة الأساسية هي تغيير الناس من الصورة البشرية العادية إلى صورة إلهية، يسير المؤمن فيها بالكلمة. للأسف، سمعت عن إحصائية أجريت على ١٠٠٠ راعي العام الماضي تقول إنه من بين كل ستة قساوسة في أمريكا، واحد منهم فقط يقوم يتصحح شعبه. لقد بدأ يَقِل الناس الذين يصححون الشعب أو يعظون بتعليم ينظفهم، وهذا جعل الكنيسة في حالة تقهقر وتراجع.
الكنيسة هي التي تغير الناس. إن كنت قد أتيت للكنيسة بصفات معينة (كشخص ساخر، أو شهواني، أو دخلت لتستنفع ماديًا، أو لتستدفئ اجتماعيًا)، دون أن تسمح لكلمة الله أن تعمل في حياتك وتغير في شخصيتك وتنتقل إلى نقطة التغيير الإلهي، فهذه ليست كنيسة بل تمثيلية. الكنيسة هي التي تجعل الشخص يتحول من شيء إلى آخر، إلى “تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا”. هناك هدف إلهي، الكنيسة ليست مجرد حدث عظيم، بل هي كيان مُغيِّر عبر التعليم الكتابي.
“١ فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ اللهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ، عِبَادَتَكُمُ الْعَقْلِيَّةَ. ٢ وَلاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ…” رومية ١٢: ١-٢
الكنيسة تُغير الشخص لكي لا يتشابه مع العالم، لا في ألفاظه ولا ملابسه ولا تصرفاته ولا في استهلاكه للوقت أو المال، إلى أن يصل لمرحلة يتغير فيها إلى تلك الصورة عينها. إنها تعمل على “برمجة” الإنسان بالكلمة، فيتغير إلى تلك الصورة المحددة. هذا هو السبب في أنك ستجد ردود أفعال المؤمنين الذين يفهمون الكلمة متشابهة.
كما وجدنا في سفر أعمال الرسل الاصحاح الرابع، عندما واجه التلاميذ الاضطهادات، “رَفَعُوا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ صَوْتًا”. لم يتخذوا اتجاهات متفرقة، فلم يقل أحدهم: “سأتكلم مع رئيس الكهنة، أنا أعرفه”، رغم أن بينهم من كان لهم صِلة بالرتب الكهنوتية أو الدولة الرومانية، بل اتجهوا جميعًا للصلاة، متبعين برمجة الرب يسوع: “صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم”. فذهبوا جميعًا وبدأوا يأخذون توجه أن يصلوا من أجل الذين يسيئون إليهم، هذه هي البرمجة.
هذا يعني أن توجه الإنسان تجاه المشاكل هو نتاج برمجة. البعض يسخر من هذا المفهوم ويسميه “برمجة عقلية” أو “غسيل دماغ”، ويقولون إن هؤلاء “خرفان يتبعون الراعي”، مستخدمين هذا اللفظ الكتابي النقي -الذي استخدمه الرب يسوع شخصيًا- ولكن بصورة ساخرة، اعتقادًا منهم أن هؤلاء الناس لا يشغلون عقولهم.
هذا الموضوع سنتناوله لاحقًا، فهناك أناس لا يعشقون الخضوع، إما بسبب مشاكل في التربية أو مشاكل في حياتهم الشخصية، أو تجارب سابقة مؤلمة مع الرعاية الروحية، فيحاول أن يخضع ولكن بعد فترة لا يستطيع أن يستمر للآخر، ويسعى لمحاربة الخضوع للكيان الكنسي. ولكن، الكنيسة موجودة بصورة هرمية، وهذه الصورة معترف بها في السماء.
يقول بولس في رسالته إلى كورنثوس:
“١ لَيْتَكُمْ تَحْتَمِلُونَ غَبَاوَتِي قَلِيلاً! بَلْ أَنْتُمْ مُحْتَمِلِيَّ. ٢ فَإِنِّي أَغَارُ عَلَيْكُمْ غَيْرَةَ اللهِ، لأَنِّي خَطَبْتُكُمْ لِرَجُل وَاحِدٍ، لأُقَدِّمَ عَذْرَاءَ عَفِيفَةً لِلْمَسِيحِ. ٣ وَلكِنَّنِي أَخَافُ أَنَّهُ كَمَا خَدَعَتِ الْحَيَّةُ حَوَّاءَ بِمَكْرِهَا، هكَذَا تُفْسَدُ أَذْهَانُكُمْ عَنِ الْبَسَاطَةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ. ٤ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ الآتِي يَكْرِزُ بِيَسُوعٍ آخَرَ لَمْ نَكْرِزْ بِهِ، أَوْ كُنْتُمْ تَأْخُذُونَ رُوحًا آخَرَ لَمْ تَأْخُذُوهُ، أَوْ إِنْجِيلاً آخَرَ لَمْ تَقْبَلُوهُ، فَحَسَنًا كُنْتُمْ تَحْتَمِلُونَ.” ٢ كورنثوس ١١: ١-٤
“لأُقَدِّمَ عَذْرَاءَ عَفِيفَةً لِلْمَسِيحِ” كل واحد منا سيقدمه شخص ما للرب في السماء. إن لم تكن تعرف لمن أنت منتسب، فهذه مشكلة. الأمر يشبه تمامًا عمل شركة؛ لا يوجد ملف ليس تابعًا لأي قسم. هكذا المؤمنين، هم موزعون على الرعاة. لقد شرحت هذا في تعليم “كرسي المسيح”. أحيانًا يتعامل المؤمنون باستخفاف تجاه الأمور الروحية. لذلك يقول بولس: “١٤ كَمَا عَرَفْتُمُونَا أَيْضًا بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ أَنَّنَا فَخْرُكُمْ، كَمَا أَنَّكُمْ أَيْضًا فَخْرُنَا فِي يَوْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ.” ٢ كورنثوس ١: ١٤
يقول بولس إنه سيفتخر بهم أمام كرسي المسيح، وهم سيفتخرون به. إذًا، هناك علاقة ستستمر حتى بعدما نذهب للسماء، وليست فقط على الأرض. هذا ينفي الاعتقاد غير الكتابي بأننا سنترك بعضنا في السماء، وأن الرجل لن يعرف زوجته. فنفس الجسد، بنفس اللحم والتجمع والأعضاء الموجودة على الأرض، هي نفسها ستصعد إلى السماء، إلا أنها ستُفتح على الكنيسة الضخمة على مستوى العالم، لكن كل شخص سيصعد بنفس ارتباطاته الحقيقية. وبالطبع، سيتم تنقية كل ما هو ليس حقيقيًا أو كتابيًا، فستجد أن هناك علاقات لم تكن سليمة قد سقطت.
لكنني أتكلم عن الأمور الحقيقية. ماذا عنك عندما تقف أمام كرسي المسيح ويُنادى اسمك، وأنت لا تعرف من تتبعه؟ سيأتي الملاك ويقول: “هذا كان تابعًا لفلان”. لماذا تضع نفسك في مشاكل أمام كرسي المسيح؟ لماذا لا تنظر إلى الأمام؟ الناس يعرفون كيف يدخرون المال، وكيف يبنون للمستقبل، فلماذا تضع نفسك في مشاكل لتُوضَع في هذا الموقف المحرج في يوم هام كهذا؟!
“١٥ وَبِهذِهِ الثِّقَةِ كُنْتُ أَشَاءُ أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمْ أَوَّلاً لِتَكُونَ لَكُمْ نِعْمَةٌ ثَانِيَةٌ.” ٢ كورنثوس ١: ١٥
كان بولس يقول إنه سيعطيهم نعمه روحية عندما يقابلهم، وهذا يؤكد أن الكنيسة هي كيان حقيقي يحتوي على نظام، وهذا النظام له دور في تشكيل الشخص. يدخل الشخص بحقيبة أفكاره، والكنيسة تغيره من الفكر العالمي المُنقاد بالدهر الحالي، إلى الفكر الإلهي. فالنظام الإلهي يعمل الآن في المؤمنين، تمامًا كما أن دهر هذا العالم يعمل الآن في أبناء المعصية بقوة إبليس. هذا التشكيل يحدث من خلال الخضوع للكلمة وللنظام الذي وضعه الرب.
هذا الكلام كان موجودًا في بداية الكنيسة؛ (ونشجعك أن تعود وتدرس كتابات الآباء قبل ٣٤٠-٣٥٠ ميلاديًا). هؤلاء الناس الذين حافظوا على التراث الذي أخذوه من الرسل، وشاهد كيف كان من الصعب أن ينتقل شخص من كنيسة إلى أخرى؛ كان يجب أن يحصل على خطاب توصية ليدخل. فإن كان مسافرًا بحكم عمله، ليذهب إلى منطقة ما ويأخذ خطابًا من الرعاية الروحية في كنيسته ليدخل الكنيسة الأخرى، ارجع وشاهد هذا الكلام، واعرف أن الأمر حقيقي.
أنت تتدرب في حياتك عن طريق وجود بشر على الأرض، وليس فقط أن تستمع للروح القدس. ولا يمكنك سماع الروح القدس بوضوح بمعزل عن سماع البشر الذين يتكلمون بكلمة الله. فكرة أن الشخص يأخذ من الروح القدس مباشرة، نعم تحدث، لكن يحدث معها الكثير من الضلال لأنه لا يوجد صوت واضح لدى الشخص غير ما يراه ويسمعه من الرعاية الروحية أمامه. أعرف أن هذا الأمر مثير للجدل، لكنها الحقيقة الكتابية.
“١ فَكُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِاللهِ كَأَوْلاَدٍ أَحِبَّاءَ، ٢ وَاسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّةِ كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا…” أفسس ٥: ١-٢
كيف استطاع هؤلاء الناس أن يتمثلوا بالرب؟ اقرأ معي رسالة فيلبي لتعرف كيف!
“٩ وَمَا تَعَلَّمْتُمُوهُ، وَتَسَلَّمْتُمُوهُ، وَسَمِعْتُمُوهُ، وَرَأَيْتُمُوهُ فِيَّ، فَهذَا افْعَلُوا، وَإِلهُ السَّلاَمِ يَكُونُ مَعَكُمْ.” فيلبي ٤: ٩
إذًا: هم يعرفون كيف يعيشون الحياة المسيحية من خلال ما رأوه وسمعوه وتعلموه وتسلموه من بولس.
“١٦ فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَنْ تَكُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي.” ١ كورنثوس ٤: ١٦.
“١ كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي كَمَا أَنَا أَيْضًا بِالْمَسِيحِ.” ١ كورنثوس ١١: ١.
“١٧ كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي مَعًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ، وَلاَحِظُوا الَّذِينَ يَسِيرُونَ هكَذَا كَمَا نَحْنُ عِنْدَكُمْ قُدْوَةٌ.” فيلبي ٣: ١٧
قد عرفوا كيف يعيشون الحياة المسيحية من خلال القدوة. أنا أعرف أن هناك أناسًا ضاعوا نتيجة لهذه “القدوة” لأنها لم تكن قدوة حقيقية، لم يعش الخادم الحياة الحقيقية فتعثر الشعب. أنا عالم بوجود هذه الأمور (وسنتناولها بشكل منفصل حينما نتحدث عن الصورة المثالية التي يجب أن تكون عليها الكنيسة).
لكن في الأساس الكنيسة مبنية على أساس أشخاص (الرسل والأنبياء….). إذًا، لابد من وجود أشخاص وهذا الأمر يضع الكنيسة أمام تحدي. فليس معنى أن هناك أموال مزورة، أننا لا نستخدم الأموال. بل يدفعنا لنتعلم التمييز بين الحقيقي والمزور. وهذه الأمور يجب أن تؤخذ على محمل الجد، وإن تعثرت من قدوة ما، فالعثرة ليس مبررًا لترك الكنيسة لأن هذا يعني أن تقطع نفسك عن جسد المسيح، والحل الوحيد هو أن تحيا داخل الجسد.
- خامسًا: توقف الكنيسة عمل إبليس على الأرض.
إلى جانب عملها مع شعبها، للكنيسة دور حيوي في وقف أعمال إبليس وتأثيره على الأرض. هي بمثابة “حاجز” تمنع الشر من الانتشار الكامل. نقرأ في نبوة إشعياء عن الرب يسوع:
“٦ لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ…” إشعياء ٩: ٦
لم يقل “على رأسه” بل “على كتفه”، والكتف يرمز للجسد لأنه جزء منه، أي الكنيسة. فالرياسة تُمارَس من خلال جسد المسيح على الأرض.
رسالة تسالونيكي الثانية توضح هذا الدور بشكل أكبر عند الحديث عن ظهور ضد المسيح:
“١ ثُمَّ نَسْأَلُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ مِنْ جِهَةِ مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَاجْتِمَاعِنَا إِلَيْهِ، ٢ أَنْ لاَ تَتَزَعْزَعُوا سَرِيعًا عَنْ ذِهْنِكُمْ، وَلاَ تَرْتَاعُوا، لاَ بِرُوحٍ وَلاَ بِكَلِمَةٍ وَلاَ بِرِسَالَةٍ كَأَنَّهَا مِنَّا: أَيْ أَنَّ يَوْمَ الْمَسِيحِ قَدْ حَضَرَ. ٣ لاَ يَخْدَعَنَّكُمْ أَحَدٌ عَلَى طَرِيقَةٍ مَا، لأَنَّهُ لاَ يَأْتِي إِنْ لَمْ يَأْتِ الارْتِدَادُ أَوَّلاً، وَيُسْتَعْلَنَ إِنْسَانُ الْخَطِيَّةِ، ابْنُ الْهَلاَكِ، ٤ الْمُقَاوِمُ وَالْمُرْتَفِعُ عَلَى كُلِّ مَا يُدْعَى إِلهًا أَوْ مَعْبُودًا، حَتَّى إِنَّهُ يَجْلِسُ فِي هَيْكَلِ اللهِ كَإِلهٍ، مُظْهِرًا نَفْسَهُ أَنَّهُ إِلهٌ. ٥ أَمَا تَذْكُرُونَ أَنِّي وَأَنَا بَعْدُ عِنْدَكُمْ، كُنْتُ أَقُولُ لَكُمْ هذَا؟ ٦ وَالآنَ تَعْلَمُونَ مَا يَحْجِزُ حَتَّى يُسْتَعْلَنَ فِي وَقْتِهِ. ٧ لأَنَّ سِرَّ الإِثْمِ الآنَ يَعْمَلُ فَقَطْ، إِلَى أَنْ يُرْفَعَ مِنَ الْوَسَطِ الَّذِي يَحْجِزُ الآنَ، ٨ وَحِينَئِذٍ سَيُسْتَعْلَنُ الأَثِيمُ، الَّذِي الرَّبُّ يُبِيدُهُ بِنَفْخَةِ فَمِهِ، وَيُبْطِلُهُ بِظُهُورِ مَجِيئِهِ.” (٢ تسالونيكي ٢: ١-٨
ما هو الكيان الذي يمنع ضد المسيح من الظهور “إلَى أَنْ يُرْفَعَ مِنَ الْوَسَطِ الَّذِي يَحْجِزُ الآنَ” هو الكنيسة. وعندما “تُرفَع” الكنيسة في الاختطاف، سيفهم العالم قيمة الكنيسة الحية الفعالة، وليس الكنيسة الخامدة. الكنيسة الحقيقية المشتعلة، التي يظهر اشتعالها في حياة أفرادها اليومية، وليس فقط أن يسمع صوت التسبيح من آخر الشارع.
- سادسًا: تُجهِّز الكنيسة الشخص وتُعدّه للمواجهة.
الكنيسة الحقيقية لا تخلق أفرادًا اتكاليين يعتمدون على أن يُصلَّى من أجلهم، بل تُجهّز كل مؤمن وتُعدّه لمواجهة ظروف الحياة بنفسه. من الجيد أن نضع نقاط الصلاة في اجتماع الصلاة، لكن الهدف أن يحيا الشخص الكلمة بنفسه ولا يظل معتمدًا على صلاة الكنيسة أو والديه. الكنيسة التي تخلق شخصًا عاجزًا عن أخذ معجزته بذاته هي كنيسة غير فعالة.
من الجيد أن يستدفئ الشخص بإخوته في اتحاد وصلاة، لكن في النهاية، يجب أن يأخذ هو معجزته بنفسه. لأنه لو صلت الأرض كلها من أجل شخص ليقبل يسوع، وهو لا يرغب في ذلك، فليست هناك نتائج حيث أن الأمر يتعلق بالشخص ذاته، هو الذي يجب أن يقبل يسوع بذاته ولذاته.
الكنيسة الفعالة هي التي تُعلّم الشخص كيف ومتى يصلي، وماذا يفعل في كل موقف، ليصبح جاهزًا لمواجهة ظروف الحياة والأرواح الشريرة التي تتكلم إلى ذهنه أو تحاربه في ظروفه. هذه الكنيسة هي التي تحجز الإثم، وقوتها لا تُقاس بعلو صوت التسبيح أو عدد اجتماعات الصلاة -مع أن هذا مهم وذاك مهم- بل بنوعية التعليم الذي يُقدَّم وانتباه الناس له.
كثيرًا ما نرى ونسمع عن مطاعم فاخرة في زينتها وشكلها واسمها من الخارج، إلا أنه في بعض الأحيان نسمع عن هذه المطاعم أن كل ما كان يُقدم غير صالح للأكل. أي أن الزينة الخارجية ليست هي المقياس والزحام على هذه المطاعم، إنما نوعية الأكل هي المقياس. بذات الفكرة، فإن الكتاب يكلمنا عن وجود لبن مغشوش ولبن غير مغشوش في (١ بطرس ٢: ٢. يوجد تعليم يجعل الشخص يقف على رجليه، وتعاليم تُمرض الناس، حتى لو كانت حشو معلومات.
نعم، توجد كنائس كثيرة رائعة وتحب الرب، لكن يوجد في نفس الوقت، بالتوازي، تعليم يُقدَّم من أشخاص ليس دقيقًا. أُمنية الرب هي أن يُقدَّم تعليم حقيقي داخل الكنائس يوقف الشخص على رجليه، ليعرف كيف يصلي، وماذا يفعل، وكيف يتصرف في الموقف. الهدف ليس أن أهاجم الكنائس، بل أتكلم أن كل راعي له شعب، وكل شعب يحتاج إلى طعام حقيقي، إلى “علوفة في حينها” ليقف الشعب على رجليه، لأنه في النهاية، ما تقف به الكنيسة بقوة هو نتاج ليس صلوات الكنيسة، بل ما يعرفه الشخص من تعليم.
ما يبحث عنه الرب ويريد أن يكشفه لشعبه هو الحق الكتابي. تذكر أنه كانت توجد كنائس في السجون، حيث كان يجتمع المؤمنون بعد أن يُقبَض عليهم وكانوا يصنعون كنيستهم داخل السجن. إذًا ليس للكنيسة حدود مكانية، فالقصة ليست الأماكن بعينها، بل النوعية. فلم يكن هناك جو ملائم ليعملوا كنيسة بهذا المنظر الهادئ، بل كانت تحت العذاب.
كان بولس قد صنع كنيسته في السجن وكان يعبُد ويُسبح، لأنه عرف كيف يعزل نفسه. الكنيسة إذًا هي التي تحجز الإثم وتمنعه من الانتشار في العالم. والإثم هو فكرإبليس الشرير المنتشر في الفترة الأخيرة، والذي سيظهر أكثر بعد أن تُختطَف الكنيسة.
لذلك فإن التعليم الكتابي الصحيح هو الذي يُقِيم الناس. فقد تستمع إلى عظات كثيرة، وقد تقرأ كتبًا روحية كثيرة، لكن ما لم تُعلّم التعاليم الأساسية في كلمة الله، فأنت واقع. تمامًا كجسم الإنسان الذي قد يعاني من نقص فيتامين معين مثل الحديد، مهما أكل من طعام آخر، سيظل يعاني من الأنيميا حتى يأخذ عنصر الحديد تحديدًا.
ذات الفكرة، إن لم يكن هناك تعاليم أساسية ليفهم الناس من هو الله، من هو المؤمن، من هو إبليس، ما هي الكنيسة، وكيف يصلون ويتعاملون مع ظروف الحياة، وكيف يقيمون علاقة صحيحة مع الرب، وكيف يسيطر على المشاعر ويصل إلى مرحلة النضوج الروحي لن يكون مؤمن ثابت. لقد شرحت سابقًا عن الرجولة الروحية، هو شخص يقف على رجليه، يعرف كيف يصلي، يعرف كيف يتواصل مع الروح القدس حتى في أبشع الظروف، حتى لو سمع خبرًا سلبيًا، يعرف حقوقه في المسيح. أي شيء آخر لا توجد فيه تعاليم تخاطب هذه الاحتياجات، سيظل الشخص غير مؤسس بشكل صحيح.
- سابعًا: تحتاج الكنيسة إلى صيانة ذاتية واتحاد.
أخيرًا، الكنيسة تحتاج إلى صيانة ذاتية، وهذه الصيانة تتم من خلال الاتحاد وحماية نفسها من أفكار العالم. قصة بلعام في سفر العدد تقدم لنا رمزًا روحيًا قويًا؛ فعندما حاول أن يلعن شعب إسرائيل، لم يستطع، بل قال:
“٥ مَا أَحْسَنَ خِيَامَكَ يَا يَعْقُوبُ، مَسَاكِنَكَ يَا إِسْرَائِيلُ!” (العدد ٢٤: ٥
ما قصده بلعام هنا لا يتعلق بجمال شكل الخيام، بل بترابطها الشديد الذي جعلها متصلة ببعضها البعض، مما منع العدو من الدخول والاختراق. ما قيل بعد ذلك يوضحه أكثر: “كَأَوْدِيَةٍ مُمْتَدَّةٍ، كَجَنَّاتٍ عَلَى نَهْرٍ…” إن عملية تشابك الخيام وهي تُرصّ، يُعلِق عليه المُعلمون بأن الخيام يجب أن تكون قريبة من بعضها لدرجة الاحتكاك، الجار بجانب الجار، منعًا لدخول العدو –كرمز روحي- فعندما جاء بلعام ليحاول أن يَلعَن الشعب، قال: “أنا لا أعرف كيف أخترقهم، هناك شيء غريب، ما أجمل الرصة التي موضوعة بها الخيام!”. أنا غير قادر على أن أخترقها لأنهم في حالة من الاتحاد، فلم أعرف كيف أخترقها.
تحتاج الكنيسة إلى صيانة من أي أفكار غير كتابية. تحتاج الكنيسة إلى فهم ما معنى الاتحاد؟ ومعنى العلاقة الصحيحة بين الإخوة (ادرس سلسلة العلاقات التي تكلمت فيها عن كيف تنغمس داخل الكنيسة وتشرب من غذائها). هذا الاتحاد هو ما يتحدث عنه المزمور: “١ هُوَذَا مَا أَحْسَنَ وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَسْكُنَ الإِخْوَةُ مَعًا!” (مزمور ١٣٣: ١)
المقصود هو السكن في اتحاد روحي، وليس مجرد التواجد في نفس المكان. إنه اتحاد القلب الذي يجعل كل فرد يستفيد من الآخرين ويعطيهم مما لديه. الكنيسة مكان للعطاء المتبادل. فالمؤمن الناضج لا يأتي ليأخذ فقط، بل ليُعطي.
“٢٦ فَمَا هُوَ إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ؟ مَتَى اجْتَمَعْتُمْ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لَهُ مَزْمُورٌ، لَهُ تَعْلِيمٌ، لَهُ لِسَانٌ، لَهُ إِعْلاَنٌ، لَهُ تَرْجَمَةٌ. فَلْيَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ لِلْبُنْيَانِ.” ١ كورنثوس ١٤: ٢٦
هذا معناه أن الشخص لا يدخل الكنيسة فقط ليستقبل -وبالطبع هو يدخل مُحفزًا يريد أن يأخذ ما يقوله الروح القدس- أو قد يكون لديه احتياج، وهذا صحيح. لكن الطبيعي الذي يجب أن تصل إليه في يوم من الأيام هو أنك من كثرة ما نضجت روحيًا، عليك أن تدخل الكنيسة وأنت لديك شيء لتقدمه؛ أنت مشحون في البيت، لديك ترنيمة، لديك شيء قد لا يُقال على المنبر، لكنك تقدمه من كثرة ما أنت مشتعل في بيتك. فكل شخص لديه مزمور، تعليم، لسان، إعلان، ترجمة.
قد لا تجد فرصة لتقول هذا على المنبر، وقد لا تكون مِمَن دُعِيوا ليقفوا على المنبر، لكن لديك شيء تستقبله الكنيسة في وجودك. لماذا يؤمن الناس بالعدوى الجسدية عبر النفس، ولا يؤمنون بالعدوى الروحية؟ لأن العلم هو الذي أكل عقول الناس وبرمجهم. ولأنه لم يكن هناك تعليم كافٍ عن تأثير المؤمنون ببعضهم. الكنيسة إذًا تحتاج إلى تنضيج ونمو.
“١١ وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلاً، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ، ١٢ لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ، ١٣ إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِل. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ. ١٤ كَيْ لاَ نَكُونَ فِي مَا بَعْدُ أَطْفَالاً مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ تَعْلِيمٍ، بِحِيلَةِ النَّاسِ، بِمَكْرٍ إِلَى مَكِيدَةِ الضَّلاَلِ. ١٥ بَلْ صَادِقِينَ فِي الْمَحَبَّةِ، نَنْمُو فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَى ذَاكَ الَّذِي هُوَ الرَّأْسُ: الْمَسِيحُ. ١٦ الَّذِي مِنْهُ كُلُّ الْجَسَدِ مُرَكَّبًا مَعًا، وَمُقْتَرِنًا بِمُؤَازَرَةِ كُلِّ مَفْصَل، حَسَبَ عَمَل، عَلَى قِيَاسِ كُلِّ جُزْءٍ، يُحَصِّلُ نُمُوَّ الْجَسَدِ لِبُنْيَانِهِ فِي الْمَحَبَّةِ. أفسس ٤: ١١-١٦
التسلسل الدقيق للعدد الثاني عشر هو حسب الأصل اليوناني: لأجل تكميل (تنضيج) القديسين، مما يؤدي إلى عمل الخدمة، مما يؤدي إلى بنيان جسد المسيح.
العدد ١٦، عندما تقرأه في اللغة العربية، تجده معقدًا بعض الشيء، لكن في ترجمات أخرى توضح المعنى أكثر مثل (AMPC) التي تصيغه: “لأنه منه، الجسد كله [الكنيسة كلها]، متحد ومترابط بقوة بواسطة كل مفصل يمدّه، وعندما يعمل كل جزء بشكل صحيح (بحسب قياس قوته)، فإنه يسبب نمو الجسد ليبني نفسه في المحبة”. ومعنى ذلك أن نمو جسد المسيح ليس مرتبطًا بأن يعمل الرب شيئًا في السماء، بل مرتبط بأن يعمل كل عضو شيئًا. بالطبع في العدد ٣ من نفس الإصحاح، يقول:
“٣ مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ.” أفسس ٤: ٣
هذه حالة جهاد؛ أي أن الشخص يسعى بكل قلبه ويجتهد بكل قلبه أن يُنحّي كل مشاعره وخلافاته جانبًا، ويرفض الأفكار التي تأتي على ذهنه ضد إخوته. أما من يقبلون أفكارًا سلبية تجاه أخيهم أو أختهم ويسمحون بها، فإن ذلك يتسبب في تعطيل جزئي في حياتهم وفي نمو الجسد في تلك الزاوية.
يتكلم بولس بلغة الجسد. مثلما العظم في منطقة معينة –من الجسد- هو الذي يُفرز الخلايا لينمو العظم، فلو قصرت تلك المنطقة في دورها، لا ينمو العظم. يتكلم بولس عن أن كل جزء من الجسد يعمل عملًا، ولو حدث تقصير معين، فإنه يحدث خلل في تلك المنطقة في الجسد، وبالتالي يكتشف الشخص أن له قيمة حقيقية في نمو الجسد بالكامل.
هذا يجعلك مشحونًا دائمًا وتعيش حياة روحية مشتعلة. قد تكون في مرحلة لا تزال تنضج وتكبر، فتُحاط بمن يعرفون كيف يحملونك، لكن يجب أن يأتي الوقت الذي تعمل فيه على حياتك وتقيم آخرين. ففي (العبرانيين ٥: ١٢ يقول بولس الرسول: “بعد كل هذا الزمن، كان يجب أن تكونوا معلمين” لكن للأسف كانوا لا يزالون أطفالًا غير ناضجين.
الكنيسة الحقيقية هي التي تنضج وتنمو بتعليم نقي حقيقي. لذلك، يرتعب إبليس من أن تكون الكنيسة وأفرادها لديهم المعرفة الدقيقة. هذا يعني أن لك قيمة.
“١٧ الْحَدِيدُ بِالْحَدِيدِ يُحَدَّدُ، وَالإِنْسَانُ يُحَدِّدُ وَجْهَ صَاحِبِهِ.” أمثال ٢٧: ١٧
لا يمكنك أن تسن الحديد بالخشب. يُسن الإنسان أو يؤثر على الآخر. إذًا أنت تحتاج إلى جسد؛ لا يمكنك أن تحيا بمفردك. لاحظ: أن الكنيسة يجب أن تجتمع، ولا يمكن لإنسان أن يحيا بعيدًا عن الكنيسة ويقدر أن يزهر ويُخرج ثمرًا وينتج من غير أن يكون داخل الكنيسة، فالكتاب يقول: “١٣ مَغْرُوسِينَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ، فِي دِيَارِ إِلهِنَا يُزْهِرُونَ.” (مزمور ٩٢: ١٣). فالكنيسة هي البيئة والطاقة الروحية التي لا غنى لك عنها.
ــــــــــــــــــــــــــــ
من تأليف وإعداد وجمع خدمة الحق المغير للحياة وجميع الحقوق محفوظة. ولموقع خدمة الحق المغير للحياة الحق الكامل في نشر هذه المقالات. ولا يحق الاقتباس بأي صورة من هذه المقالات بدون إذن كما هو موضح في صفحة حقوق النشر الخاصة بخدمتنا.
Written, collected & prepared by Life Changing Truth Ministry and all rights reserved to Life Changing Truth. Life Changing Truth ministry has the FULL right to publish & use these materials. Any quotations are forbidden without permission according to the Permission Rights prescribed by our ministry.
