س & ج: لماذا قُتل يعقوب بينما تم إنقاذ بطرس من السجن؟
الخلفية التاريخية والسياسية
كان هيرودس حريصًا على إرضاء الفريسيين وقادة اليهود ليكتسب شعبية سياسية. ولم تكن الإمبراطورية الرومانية تتدخل في الموضوع طالما أن الأمر عبارة عن صراع بين بعض الطوائف الصغيرة في الشعب ولا يُسبب قلق للدولة ككيان.
وعائلة هيرودس اشتهرت بقتل المعارضين في سبيل تثبيت حكمها: من أول هيرودس الكبير وحادثة قتل الأطفال الشهيرة، ومن بعده هيرودس أنتيباس الذي قطع رأس يوحنا المعمدان، ثم حفيد هيرودس الكبير وابن أخي هيرودس أنتيباس المعنيّ هنا «هيرودس أغريباس الأول».
الكنيسة وقتها كانت صغيرة ولم تكن تثير قلق الدولة. لذا كان هيرودس يريد كسر الكنيسة سياسيًا كجماعة تنمو وسط الشعب لذا مد يده عليها وليس التوجه الأساسي ديني. (بالطبع وراء هذا إبليس). ولما اتفق أن هذا الأمر يرضي اليهود (بمحض الصدفة) أراد كسب الشعبية بمزيد من القتل والإبادة لهذه الجماعة الجديدة التي تنمو.
استراتيجية ضرب الرؤوس: وجد أن ضرب قيادات الكنيسة هو أسرع طريق لكسب ود الرؤساء الدينيين في أورشليم.
الوقت الزمني: كان وقت عيد الفصح (أيام الفطير) وهي فترة احتشاد ديني وسياسي في أورشليم، مما جعل التحرك ضد الرسل ورقة جماهيرية رابحة في يده.
«فَقَتَلَ يَعْقُوبَ أَخَا يُوحَنَّا بِالسَّيْفِ»
في النص اليوناني استُخدم الفعل ἀνεῖλεν (aneilen – من الفعل anairesis)، وهو يعني «اغتيال مباغت» أو «إعدام خاطف دون محاكمة مطولة». لقد جرى مقتل يعقوب بسرعة خاطفة، كضربة استباقية سريعة صدمت الكنيسة الأولى قبل أن تستوعب حجم الخطر. وكانت الكنيسة في بدايتها في مرحلة نمو. لم تكن كل الزوايا مكتملة.
«فَكَانَ بُطْرُسُ مَحْفُوظًا فِي السِّجْنِ، وَأَمَّا الكَنِيسَةُ فَكَانَتْ تُصَلِّي بِلاَ انْقِطَاعٍ إِلَى اللهِ مِنْ أَجْلِهِ»
تظهر الكلمة المفتاحية في اليونانية لصفة الصلاة: (ektenōs) أو (proseuchē ektenēs). الأصل اللغوي: الكلمة مشتقة من الفعل اليوناني الذي يعني «المدّ» أو «التمديد لأقصى حد» (Stretching out to the absolute limit).
استخدامات المصطلح وقتها:
كان المصطلح يُستخدم رياضيًا وطبيًا لوصف العضلة المشدودة لأقصى طاقتها، أو الوتر المشتد في آلة موسيقية ليخرج نغمًا عاليًا. هي ذات الكلمة التي اسْتُخدمت لوصف صلاة السيد المسيح في جثسيماني: «وإذ كان في جهاد كان يصلي بأشدّ إلحاح» لوقا 22: 44. لم تكن صلاة الكنيسة لأجل بطرس مجرد ترديد لأدعية شكليّة، بل كانت صلاة مشدودة لأقصى درجات اللجاجة والجهاد الروحي.
وقت يعقوب: جاءت الضربة مفاجئة وسريعة جدًا. كانت الكنيسة تعيش فترة من النمو والامتداد ولم تتوقع أن يستهدف الملك الرسل مباشرة بالسيف بهذه السرعة. لم يمهلهم الوقت أو الوعي الروحي لرفع صلاة إلحاحية مخصصة للإنقاذ.
وقت بطرس: كان دم يعقوب بمثابة جرس إنذار روحي هزّ الكنيسة وأيقظها من غفلتها. عندما أُلقي بطرس في السجن، علمت الكنيسة أن السيف الملطخ بدم يعقوب متجه نحو رأس بطرس.
تفاصيل أكثر عن الموضوع:
وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَدَّ هِيرُودُسُ الْمَلِكُ يَدَيْهِ لِيُسِيءَ إِلَى أُنَاسٍ مِنَ الْكَنِيسَةِ. فَقَتَلَ يَعْقُوبَ أَخَا يُوحَنَّا بِالسَّيْفِ. (أعمال الرسل 12: 1-2)
- هل لأن الله أحب بطرس أكثر أو كان يرى فيه أهمية أكبر؟!
- هل مبادئ الحماية الإلهية هي عشوائية وغير مفهومة؟!
- أم أن هناك مبادئ كتابية توضح ما حدث؟
نوضح ذلك من خلال خمسة محاور:
المحور الأول: هل الله اختار أن يُضحي بيعقوب؟
المحور الثاني: لماذا يعقوب؟
المحور الثالث: دور الكنيسة
المحور الرابع: دور الأشخاص
المحور الخامس: خبرات الأشخاص
نحن هنا بصدد مرحلة صدام كانت في بدايات الكنيسة: صدام بين من يملك سلطان هذا الدهر وما بين السلطان الروحي لمؤمني العهد الجديد. قطعًا الكنيسة لها السلطان الأعلى والأجرأ ولا تسير تحت مبادئ العالم الساقط، لكنها أيضًا تحت الاضطهاد حتى لو كان هذا الاضطهاد محدود الزمن «لأَنَّ خِفَّةَ ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ» (وليس المستمرة) كورنثوس الثانية 4: 17.
المحور الأول: هل الله اختار أن يُضحي بيعقوب من أجل هدف ما؟
يقول الكتاب المقدس أن القاتل هنا هو هيرودس، لا الله «لأَنَّ اللَّهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَدًا.» يعقوب 1: 13.
القاتل هو هيرودس أغريباس الأول (حفيد هيرودس الكبير الذي أراد قتل الطفل يسوع صغيرًا وصنع مذبحة الأطفال من أجل تثبيت مُلكه). هذا معناه أن الله ليس هو من قرّر إنهاء حياة يعقوب بل إبليس. وإبليس استخدم ملكًا شريرًا يسير تحت سيادته في نظام العالم الساقط.
الله لم يكن راضيًا عن قتل يعقوب وأفعال هيرودس وهذا ما ظهر في نهاية الإصحاح: «فَفِي الْحَالِ ضَرَبَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ لأَنَّهُ لَمْ يُعْطِ الْمَجْدَ لِلَّهِ فَصَارَ يَأْكُلُهُ الدُّودُ وَمَاتَ.» (أعمال الرسل 12: 23).
هيرودس أغريباس لم يكن يتحرك بدافع ديني من الأصل لكنه كان سياسيًا بارعًا يريد أن يثبت حكمه. كان حفيد هيرودس الكبير ومن أصول إدومية وهذا جعل الكثير من اليهود يشككون في شرعيته. من أجل هذا كان يريد أن يقوم بأي حركة ذكية تكسبه رضا الفريسيين والشعب اليهودي في أورشليم. ولما وجد أن الكنيسة بدأت تنتشر وتثير قلق القيادات القديمة، قرر أن يضرب بقسوة كي يحقق شعبية سهلة.
إن استخدامَ السيف في قتل يعقوب يعني قطع الرأس، وهذا كان حكمًا رومانيًا يُطبّق عادةً على التمرد وإثارة الشغب ضد الدولة، مع أن الكنيسة في هذا الوقت لم تكن تثير الشغب ولا انتشرت بشكل كبير. بدأت تظهر الكنيسة ككيان وسط الدول عندما بشّر بولس الرسول الأمم وأصبح عددها كبيرًا، عندها الدولة الرومانية بدأت تلتفت للكنيسة ككيان. لكن حتى ذلك الوقت كانت طائفة صغيرة تتعبد في إطار مختلف. أحبّ أغريباس أن يُظهر نفسه حاميًا للنظام والدين في الوقت نفسه؛ مما يعني أن الاتهام وُجّه إليه باعتباره خطرًا على استقرار المجتمع والديانة. ولما رأى أن هذا الصنيع قد نال استحسان الناس، قرر أن يمضي قُدُمًا ويقبض على بطرس أيضًا في أيام الفطير.
لاحظ عبارة «مَدَّ هِيرُودُسُ الْمَلِكُ يَدَيْهِ» (وليس أن الله جعله أو أراده أن يمد يديه لقتل الرسل، فهذه ليست إرادة الله أن يموت أحد قادة الكنيسة بهذه الطريقة). مد اليد في الكتاب المقدس معناها لغة سلطان وتنفيذ وفرض نفوذ.
هيرودس يمثّل نظام هذا العالم ضد المؤمنين. العدو يُهاجم مناخ الكلمة والمؤمنين وقادة الكنائس البارزين.
الوحي يذكر الحدث بجملة قصيرة جدًا: «فَقَتَلَ يَعْقُوبَ أَخَا يُوحَنَّا بِالسَّيْفِ» أع 12: 2. ولم يكن يعلم وقتها أن هذا سيُرضي اليهود، لكن عندما وجد هذه النتيجة قرر إكمال المخطط وإبادة القادة وقبض على بطرس لتقديمه للموت بدون محاكمة كما فعل مع يعقوب.
إذًا من الأساس نرفض فكرة أن الله أختار أن يُضحي بيعقوب لأجل هدف ما ويُنقذ بطرس لأجل أفضلية ما. وفكرة أن الله رفض إنقاذ يعقوب لوجود ثغرة ما أو لخلل في الحماية الإلهية هو خطأ كبير.
قتل يعقوب جاء نتيجة حركة سياسية من ملك شرير في توقيت لم تكن الكنيسة تعلم فيه كيف تتصرف مع مثل تلك المواقف.
المحور الثاني: لماذا يعقوب؟
لماذا استهدف إبليس كبداية يعقوب وبطرس ويوحنا فيما بعد؟
يعقوب أحد الأعمدة الثلاثة: يعقوب وبطرس ويوحنا شكلوا الدائرة الأقرب للسيد المسيح (شهدوا التجلي، وإقامة ابنة يايرس، وجثسيماني). ضرب يعقوب كان يهدف لقطع رأس القيادة. لهذا يوجد هجوم خاص على قيادات الكنيسة البارزين والمستنيرين دائمًا والكنيسة دائمًا تدعمهم بالصلاة من أجل حمايتهم من السهام الشريرة الموجهة لهم وتصلي لأجل امتداد الإنجيل من خلالهم.
لُقّب يعقوب ويوحنا ببوانرجس (ابني الرعد) بسبب غيرتهما وحماستهما الشديدة، ويبدو أن يعقوب كان صوتًا جليًا وواضحًا جدًا في التعليم والكرازة مما جعله أول هدف بارز.
وقت الاضطهاد
سياق الإصحاح يوضح أن الأحداث وقعت في أيام الفطير (12: 3)، أي حول عيد الفصح اليهودي، في الربيع. في الذهن اليهودي هذا زمن استرجاع خروج إسرائيل من مصر، وحكم الله على ملك مضطهِد (فرعون). لوقا يضع أغريباس على ذات المسرح التاريخي: ملك جديد يمدّ يده على شعب الله الجديد، لكن النتيجة النهائية (موته في نهاية الإصحاح) تصوّره كفرعون آخر يواجه دينونة الله.
نحن الآن في الأيام الأخيرة قبل الاختطاف.
لهذا يريد إبليس أن يقهر الأمم ويُضعف الشعوب بشكل أكثر مما سبق. قد يحاول قتل القادة أو إغراقهم بالمشاكل والتحديات أو وضعهم في دائرة مرض عنيف يستنزفهم … إلخ. أو يضعهم في دائرة من التعاليم الركيكة، أو علوم نفسانية بعيدة عن كلمة الله، أو محاولات لتفسير الكلمة بالارتباط مع الأفكار البشرية العالمية التي وضعها إبليس في نظامه (العالم). هو لا يريد للقادة أن يعملوا بنشاط لنشر الإنجيل في هذا الوقت. لا يريد أن يصل فكر كتابي نقي للناس ليغير حياتهم.
لأن الكنيسة تحكم الآن بشدة على أعمال إبليس أكثر من أي وقت مضى. ولأن إبليس يعرف نهايته القريبة هو يريد عمل إرباك للكنيسة بكثير من الأمور. لكنه لا يستطيع فعل هذا في الكنيسة الحية، بل يرتد عليه عمله وتزيد الكنيسة قوة وانتشارًا. الكنيسة الآن تعمل أكثر من أي وقت مضى قبل الاختطاف والضيقة العظيمة.
المحور الثالث: دور الكنيسة
هل الكنيسة لها دور في تلك الأحداث؟
«كَيْ لاَ يَتَزَعْزَعَ أَحَدٌ فِي هذِهِ الضِّيقَاتِ. فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّنَا مَوْضُوعُونَ لِهذَا.» (1 تسالونيكي 3: 3
كانت الكنيسة وقتها لم تنضج بشكل كافٍ. خلال السنوات الأولى عاشت الكنيسة إلى حد ما في مجال الحواس الخمس. هذا ما كان يُدرب المسيح تلاميذه عليه: أن يمارسوا الإيمان ويخرجوا من دائرة تقارير الواقع، أن يسكتوا أي رياح مُضادة ويقيموا موتى ويضعوا أيديهم على المرضى ويُخرجوا منه المرض حتى لو كانت تقارير الأطباء تقول إن المرض لن يخرج. لكن الكنيسة لم يكن نضوجها في المستوى المطلوب وقت مقتل يعقوب. كانت مازالت تتلقى الإعلانات والتعاليم والوحي لم يكتمل.
كان عندهم نقص ما في تطبيق تعاليم مثل:
- سلطتها في المسيح
- الحماية الإلهية
- كيف تقاوم إبليس قانونًا
لم يكن عندهم وقتها فهم كامل بمعاني مثل الخليقة الجديدة والبر… إلخ. وكل هذا شرحه بولس وبطرس ويوحنا فيما بعد في الرسائل اللاحقة بعد مراحل كبيرة من النضج.
الكنيسة وقتها كانت تعيش بإيمان حقيقي لكن لم تمتلك بعد كل الخبرات اللازمة والتعاليم الناضجة لإتمام ذاك الإيمان. لهذا عند قتل يعقوب لم يذكر الكتاب المقدس أن الكنيسة صلت من أجل هذا الأمر بشكل كافٍ. لكن عند القبض على بطرس يذكر الوحي أن الكنيسة صلت بشكل لم يسبق لها فعله. لأنها تعلمت الدرس الآن ولن تسمح بتكرار الأمر مع أحد القادة مرة أخرى «وَأَمَّا الْكَنِيسَةُ فَكَانَتْ تَصِيرُ مِنْهَا صَلاَةٌ بِلَجَاجَةٍ إِلَى اللهِ مِنْ أَجْلِهِ.» (أعمال الرسل 12: 5). لم تكن صلاة الكنيسة لأجل بطرس مجرد ترديد لأدعية شكليّة، بل كانت صلاة مشدودة لأقصى درجات اللجاجة والجهاد الروحي.
الكنيسة مسؤولة عن قادتها وشعبها ووضعهم في دائرة الحماية الإلهية كجسد واحد رأسه المسيح.
«عَلَى هَذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْهَاوِيَةِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا. وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الْأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاوَاتِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى الْأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاوَاتِ» متى 16: 18–19.
المفاتيح والربط والحلّ هنا يتكلمون عن سلطان روحي مُعطى للكنيسة كجسد جماعي، لا لأفراد معزولين فقط. أي أن اجتماع المؤمنين معًا، المتّحدين في الروح، له ثقل خاص في كسر عمل إبليس، ومنع اختراقاته، وإطلاق حماية الله وملكوته في وسطهم وعلى قادتهم وشعبهم.
«مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ فِي الرُّوحِ، وَسَاهِرِينَ لِهَذَا بِعَيْنِهِ بِكُلِّ مُثَابَرَةٍ وَطِلْبَةٍ لأَجْلِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، وَلأَجْلِي…» أفسس 6: 18–19.
هنا نرى:
- صلاة مستمرة «لأجل جميع القديسين» – أي حماية متبادلة، يحمل فيها المؤمنون أثقال بعضهم البعض غلاطية 6: 2.
- وصلاة خاصة «لأجلي» كخادم وقائد، حتى يُعطى له كلام وجسارة؛ لأن القادة يكونون هدفًا مباشرًا لهجمات إبليس، فيحتاجون لسند روحي واعٍ من الكنيسة.
إذن، الكنيسة ليست «متفرّجًا» على ما يحدث لقادتها أو لأضعف أعضائها، بل هي جسد واحد، ما يصيب عضوًا يؤثر في الكل، ومن هنا تأتي أهمية الشفاعة الجماعية والاتفاق في الصلاة متى 18: 19–20.
يجب التمييز بين الحماية الكتابية وبين المفهوم المشوَّه لما يسمّى أحيانًا «الغطاء الروحي» بمعنى سحري: الكتاب لا يقول إن إنسانًا معيّنًا يصبح «مظلّة سحرية» تمنع عنك كل أذى مهما عِشت في تمرد أو جهل؛ ولا يقول إن القائد يقف «بدلًا من» المسيح كوسيط. المسيح وحده هو الرأس والوسيط والغطاء الحقيقي. لكن في نفس الوقت، هناك واقع كتابي هو:
- من يَثبُت في جسد محلي حيّ، خاضع للحق، مكرّم لقادته، مفتوح لتأديب الكلمة، ومشارك في صلاة الجسد؛ يكون عمليًا داخل منظومة حماية روحية أقوى بكثير من المؤمن المنعزل الذي يعيش وحده خارج الجسد.
- الكنيسة لا تلغي مسؤولية كل مؤمن أن يلبس سلاح الله الكامل أفسس 6 لأنها تساعده أن يكون في حالة ثبات وتسد أي ثغرة في الموقف بالصلاة والمحبة.
صلاة الكنيسة هنا هي عدم سماح للموت باقتناص حياة بطرس. بعد ما المسيح كسر شوكة الموت أدركت الكنيسة أن لها دور في هذا في مثل هذه الظروف من الاضطهاد. هي عملية سحب لبطرس في عالم الروح من قبضة إبليس قبل أن يتم الأمر هنا على الأرض.
هم يمارسون الآن ما قاله المسيح: هم الآن يقولون «لِهذَا الْجَبَلِ: انْتَقِلْ مِنْ هُنَا إِلَى هُنَاكَ فَيَنْتَقِلُ» متى 17: 20. هم الآن يأمرون ويشرعون للـ «الْجُمَّيْزَةِ: انْقَلِعِي وَانْغَرِسِي فِي الْبَحْرِ» لوقا 17: 6.
صدمة موت يعقوب أيقظت الكنيسة وأثمرت فيها. فدخلت في صلاة مُركزة لأجل إنقاذ بطرس، ونجحت.
الكنيسة لا تُصلي لأن الله متردد أو لا يريد الإنقاذ… لكن لأن الكنيسة مدعوة لشراكة مع الله. نحن لا نحاول إقناع الله بشيء هو في الأصل في مشيئته… لكن نحن نجلس معه في تحقيق إرادته. نحن لا نضغط على الله ليفعل شيء ما، نحن نُصلي من مُنطلق البنوة.
ليست كل القضايا تُحلّ بصلاة سريعة بل هناك مواقف تتطلب «تضرعًا عميقًا». وأعمال 12 هو نموذج واضح: الكنيسة واجهت أزمة «تدخل سلطاني دموي»؛ فكان الرد الروحي ردًا كهنوتيًا، واعيًا، مُلحًّا.
الله يريد إنقاذ الجميع لكن من خلال صلاة الكنيسة وإيمان الشخص نفسه ومستوى تعليمه الكتابي. وحتى إن نفذ سهم ما وضرب أحدهم «فِي الْيَوْمِ الشِّرِّيرِ» أفسس 6: 13، تستطيع الكنيسة أن تنزع هذا السهم وتخرجه من سجن لا مجال -بكل حال من الأحوال- للفرار منه. حتى لو كان هذا السجن ذو بوابات ضخمة، وعشرات الجنود المُدججين بالسلاح. حتى لو كان أحدهم في قلب الموت ذاته، تستطيع الكنيسة أن تُخرجه وتنطق بالحياة لأن شوكة الموت انكسرت.
إعلان اسم الرب يُسقط كل قوى مُضادة «فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ: “إِنِّي أَنَا هُوَ”، رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ» يوحنا 18. لا شيء يغلب الكنيسة الحية المنتصرة.
المحور الرابع: دور الأشخاص
هل للشخص نفسه دور أم مفعول به؟
بالطبع له دور. الحماية الإلهية تتطلب اعتناء من صاحب الشأن نفسه.
هناك مبادئ كتابية تحكم الأمر:
أولا: حماية الله في أزمنة الاضطهاد مرتبطة قبل كل شيء بموضع المؤمن في المسيح وبإيمانه الواعي بهذا الموضع. مزمور 91 – وهو إعلان قوي عن الحماية – يربط الحفظ بمن «يَسْكُنُ فِي سِتْرِ ٱلْعَلِيِّ» وبمن يقول: «مَلْجَإِي وَحِصْنِي إِلَهِي فَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ» (ع 2). دور الفرد أن يختار أن يبقى ساكنًا في هذه الشركة، وأن يملأ فمه وقلبه باعتراف الحماية، لا بالخوف والتوقّع السلبي. في عالم الروح، الإيمان المُعلَن بالكلمة يفتح الباب لعمل الملائكة والحفظ: «لأَنَّهُ يُوصِي مَلَائِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ» مز 91: 11.
ثانيًا: الفرد المؤمن مسؤول أن يسلك في مشيئة الله وفي دعوته؛ فالحماية مرتبطة بالمسار الذي رسمه الله، لا بمسارات يختارها الإنسان خارج الطاعة. نرى في سفر الأعمال أن الرب قال لبولس: «لَا تَخَفْ… لِأَنِّي أَنَا مَعَكَ وَلَيْسَ أَحَدٌ يَهْجُمُ عَلَيْكَ لِيُؤْذِيَكَ، لِأَنَّ لِي شَعْبًا كَثِيرًا فِي هَذِهِ ٱلْمَدِينَةِ» أعمال 18: 9–10. هنا الحماية مرتبطة بأن بولس في مكانه الصحيح يخدم بحسب القيادة الإلهية. لذلك دور الفرد وقت الاضطهاد أن يكون حساسًا لقيادة الروح: أين يكون؟ ماذا يقول؟ متى يظلّ؟ متى يتحرّك؟ يسوع نفسه قال للتلاميذ: «وَمَتَى طَرَدُوكُمْ فِي هَذِهِ ٱلْمَدِينَةِ، فَٱهْرُبُوا إِلَى ٱلْأُخْرَى» متى 10: 23، فلا يوجد «استشهاد بالعند» بل طاعة للروح؛ أحيانًا الوقوف، وأحيانًا الانتقال.
ثالثًا: جانب أساسي من دور الفرد هو رفض الخوف الداخلي. الخوف يفتح بابًا للعدوّ، بينما الثقة تغلقه: «لِأَنَّ ٱللهَ لَمْ يُعْطِنَا رُوحَ ٱلْفَشَلِ، بَلْ رُوحَ ٱلْقُوَّةِ وَٱلْمَحَبَّةِ وَٱلنُّصْحِ» (2 تيموثاوس 1: 7. في الاضطهاد، إبليس يحاول أولًا أن يُسقط المؤمن في فخّ الرعب، ليشلّ إيمانه ولسانه. دور المؤمن أن يحفظ ذهنه مملوءًا بكلمات الحماية مز 91، 2 تس 3: 3، لوقا 21: 18 «وَشَعْرَةٌ مِنْ رُؤُوسِكُمْ لَا تَهْلِكُ» في إطار الدعوة)، وأن يتكلّم بما يراه في الكلمة، لا بما يراه في الأخبار. بهذا يظل «مُحاطًا» بإعلان العهد، بدلًا من أن يفتح على نفسه أجواء الهلع.
خامسًا: دور الفرد أن يتذكّر أن الموت نفسه قد أُبطِل من جهة سلطانه الأبدي (2 تيموثاوس 1: 10، وأن «الموت رِبح» إن حدث في مشيئة الله بعد إكمال الشوط. لذلك إن سمح الرب باستشهاد أحد، لا يكون الأمر هزيمة روحية أو فشلًا في الحماية، بل انتقالًا في مجد. لكنّ المبدأ العام أن المؤمن يستخدم إيمانه وسلطانه ليُتمّم دعوته في طول الأيام، رافضًا الموت المبكر والدمار العشوائي، ومتمسّكًا بأن حياته «مُسْتَتِرَةٌ مَعَ ٱلْمَسِيحِ فِي ٱللهِ» كولوسي 3: 3، وأنه لن يُنهي سباقه إلا حين يشهد مع بولس: «قَدْ جَاهَدْتُ ٱلْجِهَادَ ٱلْحَسَنَ… أَكْمَلْتُ ٱلسَّعْيَ» (2 تيموثاوس 4: 7.
هنا سنجد بطرس في السجن يتمسك بالحياة (ليس طمعًا في أمور أرضية لأن الموت هو ربح). لكنه يعرف أن له رسالة أعطاها أياها الرب سابقًا ويريد إكمالها.
«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ لَمَّا كُنْتَ شَابًّا كُنْتَ تَرْبِطُ حِزَامَكَ عَلَى وَسَطِكَ وَتَذْهَبُ حَيْثُ تُرِيدُ. وَلكِنْ عِنْدَمَا تَصِيرُ شَيْخًا فَإِنَّكَ تَمُدُّ يَدَيْكَ، وَآخَرُ يَرْبُطُ حِزَامَكَ وَيَذْهَبُ بِكَ حَيْثُ لَا تُرِيدُ!» (إنجيل يوحنا 21: 18 (ترجمة الحياة)
بطرس كان يعلم أنه سيموت فقط عندما يشيخ وليس الآن. ويموت بطريقة معينة بها إجبار وقيود ومد اليدين (الصلب). لهذا نراه نائم بشكل هادئ وهو متوقع خروجه بشكل ما من هذا المأزق.
كَانَ بُطْرُسُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ نَائِمًا بَيْنَ عَسْكَرِيَّيْنِ مَرْبُوطًا بِسِلْسِلَتَيْنِ (أعمال الرسل 12: 6).
وجود السلسلتين في يده وكونه مُحاط بعساكر ليس دليل على سطوة وسيادة إبليس في الموقف. ما يحدث في عالم العيان ليس دليل على سُلطة إبليس في عالم الروح، بل أن الكواليس صارت مختلفة جدًا. وجود تقارير طبية ما أو ظروف ما ليس معناها حكمًا نهائيًا على الموقف، لكن هناك في السماء واقع آخر. لأن عالم الروح حقيقي أكثر من عالم العيان.
لكننا لم نر هذا الاتجاه في يعقوب لأسباب كثيرة.
إذًا ليس كل مؤمن موضوع للاستشهاد.
لاحظ أن الوحي سرد أن هيرودس مد يديه ليسيء إلى «أُنَاسٍ مِنَ الْكَنِيسَةِ». وليس كل الكنيسة. هو يريد «اضْرِبِ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدَ الْغَنَمُ» زكريا 13: 7. والمسيح كان قد حذّرهم في السابق من هذا التوجه.
المسيح وجّه هذا الكلام للتلاميذ وهو خارج معهم لجبل الزيتون قبل القبض عليه بساعات قليلة:
«حِينَئِذٍ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: كُلُّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ خِرَافُ الرَّعِيَّةِ»
المسيح كان يحذرهم مقدمًا من لحظة الصدمة والخوف وما سيحدث. لحظات الشك عندما يضرب إبليس ضربته فيشك التلاميذ في كل ما سبق وتعلموه وتشبعوا به. لهذا يريد إبليس ضرب بعض القادة لتتشتت رعيتهم. لكن هذا لا يتم في كنيسة واعية ناضجة، بل سرعان ما تجمع شتاتها بصلابة وسرعة وتُعيد تنظيم كل شيء.
الأصل في مشيئة الله لأولاده هو الحماية الإلهية (راجع سلسلة الحماية الإلهية على الموقع). لكن هناك من بدافع دعوة خاصة من الرب أو اختيار حُر يقدم حياته كشهادة (راجع مقال سنين العُمر بيدك).
مثل بولس عندما اختار النجاة مرات عن طريق الهروب أو اختيار الحياة بعد الموت أو الانتصار على الظروف، واختار الشهادة فيما بعد:
«فَإِنِّي أَنَا الآنَ أُسْكَبُ سَكِيبًا، وَوَقْتُ انْحِلاَلِي قَدْ حَضَرَ.» (تيموثاوس الثانية 4: 6).
مثلا نرى بولس ينجو بطرق ما تقول أن الشخص نفسه له دور في الحماية الإلهية:
الهروب في سل من دمشق أعمال 9: 23-25
بعد إيمانه في دمشق وبدايته في التبشير، تآمر عليه اليهود ليقتلوه، وكانوا يراقبون أبواب المدينة ليلًا ونهارًا، فقام التلاميذ بإنزاله ليلًا في سَلٍّ (قفة كبيرة) من فوق السور وهرب.
الهياج في أفسس أعمال 19: 23-41
بسبب صُنّاع تماثيل أرطاميس وتراجع تجارتهم، هاجت المدينة بأكملها، وكان بولس ينوي أن يدخل وسط الجمع، لكن التلاميذ وبعض وجوه آسيا منعوه حفاظًا على حياته، إلى أن قام كاتب المدينة بفض الشغب.
الإنقاذ من الجموع في هيكل أورشليم أعمال 21: 30-36
أثار اليهود الجمع وأمسكوا به وجروه خارج الهيكل، وكانوا يحاولون قتله ضربًا، فلما وصل الخبر إلى قائد الكتيبة الرومانية (كلاوديوس ليسياس)، جاء مسرعًا مع جنود وأنقذه من أيديهم وأخذه إلى المعسكر.
كشف مؤامرة اغتياله بواسطة ابن أخته أعمال 23: 12-24
أكثر من أربعين رجلًا من اليهود تعاهدوا بقسم ألا يأكلوا ولا يشربوا حتى يقتلوه، وطلبوا استدعاءه إلى المجمع ليغتالوه في الطريق. غير أن ابن أخت بولس علم بالمؤامرة، فدخل السجن وأخبره، فأرسله بولس إلى الأمير، وقام الأمير بتجهيز مفرزة حراسة ضخمة وقام بتهريبه ليلًا إلى قيصرية لحمايته.
كذلك بطرس هذه لم تكن أول قصة إنقاذ ملائكي لكن في نجد أعمال 5: 17-20
ألقى رئيس الكهنة وجماعته القبض على الرسل، ومن بينهم بطرس، ووضعوهم في حبس العامة بدافع الحسد. لكن ملاك الرب فتح أبواب السجن ليلًا، وأخرجهم سالمين، وأمرهم بالذهاب إلى الهيكل ومتابعة التبشير.
ومرة أخرى الرب استخدم تدخل غمالائيل وتفادي حكم الإعدام أعمال 5: 33-40
بعد القبض عليهم ثانية، حنق مجمع السَنهدريم واشتد غضبهم حتى عزموا على قتل بطرس وبقية الرسل. غير أن رجلًا فريسيًا حكيمًا يُدعى غمالائيل تدخّل ونصحهم بتركهم، قائلًا إن كان هذا الأمر من الناس فسينتقض وإن كان من الله فلن يقدروا عليه، فوافقوا على رأيه واكتفوا بجلدهم وأطلقوهم.
إذًا الشخص له دور في الإنقاذ والحماية الإلهية، وكيف يكون حساسًا لما يقوله الله في تلك المراحل التي تُمثل عنق الزجاجة.
المحور الخامس: خبرات الأشخاص
نحن لا نقيس كلمة الله على خبرات الناس بل العكس. لابد أن ترى ما تقوله تعاليم كلمة الله بخصوص المرض والشفاء والحماية الإلهية. وحتى إن وجدت خبرات مختلفة من البشر وكبار القادة لا تضعها كمقياس، لأن كلمة الله هنا لها السلطة الأعلى وأنت لا تعلم كل كواليس المواقف ولا كل كواليس حياة البشر (راجع مقال موت إليشع بالمرض).
لا تقل «يعقوب مات، إذًا نستنتج أن هناك خلل في الحماية الإلهية أو ثغرة ما»، بل قل «الرب يسوع عاش في حياة كاملة حتى جاءت ساعته واختار بإرادته أن يُقدم نفسه».
لا تقل «ولكن فلان حدث معه هكذا»، بل قل «كلمة الله تقول كذا».
لهذا يقول بولس:
«وَلِيَكُنِ ٱللَّهُ صَادِقًا، وَكُلُّ إِنْسَانٍ كَاذِبًا» رومية 3: 4
أي: إن حدث تعارض بين ما يقوله الله في كلمته وبين ما يظنه أو يعيشه البشر، فالكلمة هي الصادقة المطلقة، وأي فهم بشري (بما فيه خبرة شخصية) هو الذي يحتاج أن يُصحَّح.
الروح القدس يؤكِّد أن الإعلان المكتوب أَوْثَقُ من كل اختبار حتى لو كان خارقًا للطبيعة. بطرس مثلًا عاش خبرة التجلي، سمع صوتًا من السماء ورأى مجد الرب (خبرة عظمى)، ومع ذلك يقول:
«وَعِنْدَنَا ٱلْكَلِمَةَ ٱلنَّبَوِيَّةَ وَهِيَ أَوْثَقُ، ٱلَّتِي تَفْعَلُونَ حَسَنًا إِنِ ٱنْتَبَهْتُمْ إِلَيْهَا…» (2 بطرس 1: 19
أي: حتى تجربة رؤية المسيح في المجد لا تصبح مرجعًا أعلى من الوحي المكتوب؛ المعيار النهائي هو الكلمة النبوية (أي الكتاب). وبولس يضيف مبدأً صارمًا:
«وَلَكِنْ إِنْ بَشَّرَنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلَاكٌ مِنَ ٱلسَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا» غلاطية 1: 8
حتى لو ظهر ملاك، أو حدثت رؤى أو معجزات، لكنها تحمل تعليمًا يخالف الإنجيل الذي سُلِّم مرة، فهي تُرفَض. هذا ينسف من الجذور فكرة بناء لاهوت على «فلان رأى حلمًا» أو «فلان حدث معه كذا، إذن الله هكذا».
أمر آخر، الكتاب يحذّر صراحةً من الانقياد وراء الخبرة حتى لو صاحَبها آيات، إن كانت تناقض الكلمة:
«إِذَا قَامَ فِي وَسَطِكَ نَبِيٌّ أَوْ حَالِمٌ حُلْمًا وَأَعْطَاكَ آيَةً أَوْ مُعْجِزَةً، وَلَوْ حَدَثَتِ ٱلْآيَةُ أَوِ ٱلْمُعْجِزَةُ… وَقَالَ: نَذْهَبْ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى… فَلَا تَسْمَعْ لِكَلاَمِ ذلِكَ ٱلنَّبِيِّ…» تثنية 13: 1–3 بتصرّف)
أي أن «نجاح» الخبرة (تحقّق آية أو معجزة أو حلم) لا يعطيها شرعية إن خالفت إعلان الله السابق. المعيار ليس نتيجة الخبرة بل اتساقها مع الكلمة.
الروح القدس لا يعطي إعلانًا يناقض الكلمة، بل يأخذ ممّا للمسيح ويخبرنا يوحنا 16: 13–14، ويعلّمنا كل شيء ويذكّرنا بما قاله يو 14: 26. لذلك أي «إرشاد» أو «إعلان» شخصي (خبرة داخلية، حلم، إحساس) يُمتحَن بمعيار ثابت:
«أَيُّهَا ٱلْأَحِبَّاءُ، لَا تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا ٱلْأَرْوَاحَ هَلْ هِيَ مِنَ ٱللهِ… نَحْنُ مِنَ ٱللهِ. مَنْ يَعْرِفُ ٱللهَ يَسْمَعُ لَنَا. مَنْ لَيْسَ مِنَ ٱللهِ لَا يَسْمَعُ لَنَا. مِنْ هَذَا نَعْرِفُ رُوحَ ٱلْحَقِّ وَرُوحَ ٱلضَّلَالِ» (1 يوحنا 4: 1، 6
«يسمع لنا» = يخضع للتعليم الرسولي الموحى به (العهد الجديد). فمن يبني لاهوته على تراكم خبرات أشخاص أو حدث ما حدث لشخص ما – مهما بدوا أتقياء – دون أن يوزن كل ذلك بالوحي المكتوب، يفتح بابًا واسعًا للضلال.
نحن نصنع عقيدتنا من كلمة الله ومن حياة الرب يسوع على الأرض لا من تفسير جزئي لقصص الأفراد وكبار القادة والخدام.
توقف عن محاولة سبر أغوار حياة الآخرين وانمُ أنت في طريق كلمة الرب.
فَلَمَّا رَأَى بُطْرُسُ هذَا، قَالَ لِيَسُوعَ: «يَا رَبُّ، وَهذَا مَا لَهُ؟» قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «إِنْ كُنْتُ أَشَاءُ أَنَّهُ يَبْقَى حَتَّى أَجِيءَ، فَمَاذَا لَكَ؟ اتْبَعْنِي أَنْتَ!». يوحنا 21
إذًا ضع عينك على الرب في الموقف وليس الأحداث، لأن الأحداث لها كواليس كثيرة قد لا تعلمها بحكم غموضها أو بحكم محدودية الخبرات.
هل قتل يعقوب جاء لتحقيق نبوة الكأس؟ وأن هناك قدر ما يعلمه الرب لابد أن يتم؟!
حين طلبت أمهما أن يجلسا عن يمينه ويساره، سألهما المسيح: «أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الْكَأْسَ الَّتِي أَشْرَبُهَا أَنَا؟»، فأجابا: «نَسْتَطِيعُ». يعقوب كان أول الرسل شربًا لهذه الكأس عبر الاستشهاد. ويوحنا أخاه فيما بعد لم يُقتل لكنه تعرض للنفي في جزيرة بطمس في النهاية.
ماذا يقصد الرب يسوع بالكأس والصبغة؟ المعاناة والألم والاضطهاد الذي سيتعرض لها المسيح ومن ثم بعده تلاميذه (وليس كأس غضب الله على الخطية). الرب يسوع هنا أخبر يعقوب ويوحنا أن طريقهما في الخدمة لن يكون طريق راحة بل سيتعرضون لاضطهاد من أجل الإنجيل. لم يقل لهما الرب أن بسبب كلامكم واختياركم الحالي سيتم قتلكم كما أنا، بدليل أننا رأينا يوحنا لم يُقتل بل تم نفيه فقط وهذا لم يحد رؤيته في عالم الروح ولا رسالته.
الرب أعلن لكل التلاميذ «إِنْ كَانُوا قَدِ اضْطَهَدُونِي فَسَيَضْطَهِدُونَكُمْ» يو 15: 20.
إذًا مشيئة الله من جهة الحماية الإلهية لم تتغير عند يعقوب، بل هي ثابتة ومُعلنة في كلمة الله بوضوح. الكنيسة بعدها وعت ونضجت وسألت وفهمت ووصلت للنضوج الذي سيمكنها من مواجهة الاضطهاد فيما بعد. ليست المشكلة في السؤال والفهم بل في دافع السؤال وطريقة الفهم.
بطرس وبولس وغيرهم لم يقبلوا سهام إبليس لقتلهم طول خدمتهم، بل خرجوا من كل مرة منتصرين كارزين مُعلمين. لكن في أواخر أيامهم قبلوا بنفسهم فكرة استشهادهم. اختاروا الحياة واختاروا الموت عند إتمام رسالتهم. لم يفرض إبليس عليهم ما عنده، لكنهم فرضوا على العالم ما يريده الرب في الموقف.
استشهاد يعقوب ليس هزيمة ليعقوب أو للكنيسة. هو ليس هزيمة روحية لكن بمثابة ختمٍ لخدمة أمينة. وهذا ليس نقصًا في الحماية الإلهية ولا يجعلنا نُقبل على الموت المُبكر على أنه خطة الله وأننا نرتاح في السماء. الراحة تبدأ من هنا والانتصار يبدأ من هنا.
الدعوة ليست أن نترك الأرض تحت ذريعة أن السماء فيها الراحة. دعوة الله لنا أن نجلب السماء على الأرض وأحكام السماء هي من تسود على العالم الساقط.
ــــــــــــــــــــــــــــ
من تأليف وإعداد وجمع خدمة الحق المغير للحياة وجميع الحقوق محفوظة. ولموقع خدمة الحق المغير للحياة الحق الكامل في نشر هذه المقالات. ولا يحق الاقتباس بأي صورة من هذه المقالات بدون إذن كما هو موضح في صفحة حقوق النشر الخاصة بخدمتنا.
Written, collected & prepared by Life Changing Truth Ministry and all rights reserved to Life Changing Truth. Life Changing Truth ministry has the FULL right to publish & use these materials. Any quotations are forbidden without permission according to the Permission Rights prescribed by our ministry.