القائمة إغلاق

كيف تتحكم في النفس والجسد – الجزء 3 How To Control The Soul & The Body – Part

 

 

لمشاهدة العظة على اليوتيوب 

video
play-sharp-fill

video
play-sharp-fill

 

(العظة مكتوبة)

كيف تتحكم في النفس والجسد – الجزء 3

 

▪︎ الدوائر في حياة الإنسان.

▪︎ الأفكار…مِن أين تأتي؟

▪︎ ما اعتدتَه ليس هو الأصل!

▪︎ هل هنالك حلٌّ؟!

▪︎ ما حَسِبه العالَمُ جهالةً.

▪︎ حين يُعلَن ما أُعدّ لكَ.

▪︎ تحت تأثير أيِّ رُوحٍ تقع؟!

▪︎ حين تقف حكمتك ضدَّك!

▪︎ الطِّبُ النَّفسيُّ أم التمييزُ الرُّوحيُّ؟

▪︎ أشياءٌ لا بدَّ مِن اقتلاعها!

▪︎ مجدٌ يبدأ مِن الآن!

▪︎ سرُّ الحياة الَّتي لا تُهزَم!

▪︎ السُّلوك بالرُّوح مُفتاح المَجد.

▪︎ ختامًا: اقتلِعْ ما يَعوق مجدك!

تكلَّمْتُ في الجزء الأوَّل والثاني مِن تلك السِلسلة عن أنَّ الإنسان كائِنٌ روحيٌّ يَمتلك نَفْسًا ويَسكُن في جسدٍ فالإنسانُ ليْسَ جسدًا وليْس نَفْسًا ولكنَّه كائِنٌ روحيٌّ يَمتلِكُ نَفْسًا ويَسكُن في جسدٍ، وعرفنا أنَّه يجب على الإنسان أنْ يُسيطِر على نفسِهِ وعلى جسدِهِ، فالإنسانُ الروحيُّ هو الشخصُ الَّذي تَقود روحه مَسيرة كيانِهِ وجسدِهِ.

▪︎ الدوائر في حياة الإنسان:

يُعلِّمنا الرُّوح القُدس أنَّ هُناك دوائِر كثيرة في حياة كُلِّ إنسانٍ، بعض هذه الدوائر صغيرٌ والآخر مُتَّسِعٌ، إنْ لم تَستطِع أنْ تفعلَ أمرًا ما في الدائِرة الأصغر فلن تستطيع أنْ تفعله في الدائرة الأكبر اتَّساعًا، حَيْثُ يُعانِي كثيرون مِن أنَّهم لا يستطيعون أنْ يُديروا أجسادهم وبالتَّالي لا يستطِيعون أنْ يُديروا الدائرة الأكبر الَّتي هي حياتهم أو أنْ يَصيروا مُؤثِّرين في دوائِر أُخرَى لأشخاصٍ آخرين.

“١ صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ: إِنِ ابْتَغَى أَحَدٌ الأُسْقُفِيَّةَ، فَيَشْتَهِي عَمَلاً صَالِحًا. ٢ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ، بَعْلَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، صَاحِيًا، عَاقِلاً، مُحْتَشِمًا، مُضِيفًا لِلْغُرَبَاءِ، صَالِحًا لِلتَّعْلِيمِ، ٣ غَيْرَ مُدْمِنِ الْخَمْرِ، وَلاَ ضَرَّابٍ، وَلاَ طَامِعٍ بِالرِّبْحِ الْقَبِيحِ، بَلْ حَلِيمًا، غَيْرَ مُخَاصِمٍ، وَلاَ مُحِبٍّ لِلْمَالِ، ٤ يُدَبِّرُ بَيْتَهُ حَسَنًا، لَهُ أَوْلاَدٌ فِي الْخُضُوعِ بِكُلِّ وَقَارٍ. ٥ وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَعْرِفُ أَنْ يُدَبِّرَ بَيْتَهُ، فَكَيْفَ يَعْتَنِي بِكَنِيسَةِ اللهِ؟” (١ تيموثاوس ٣: ١-٥.

في العدد الأوَّل يتحدَّثُ عن الخادِم إذْ يَقول: صادِقةٌ هي الكلمة أو كم أنَّ الكلمةَ صادِقةٌ أو كم أنَّ الكلمة هي الأصدق أو هي المرجعيَّة الَّتي يُمكِن الرجوع إليها، إنْ اشتهَى أحدٌ الأُسقفيَّة أو أرادَ أحدٌ أنْ يَخدِمُ الرَّبُّ بأنْ يَرعَى نفوسًا فإنَّه بهذا يَشتهِي عملًا صالِحًا صحيحًا، إنَّه يَشتهِي أمرًا جيَّدًا.

لاحظ إنَّه هُنا لا يتحدَّث عن شخصٍ مَدعوٍ ليَكون أُسقفًا لكنَّه يتكلَّم عن شخصٍ يُريد أنْ يَصنع أمرًا جيَّدًا، فقد تَعلَّم شيئًا ويُريد أنْ يُشارِك الآخرين به ويُعلِّمه لهم وهذا لا يُعنِي أنَّه صارَ أُسقفًا، فالأُسقف هو الراعي الأكبر.

ثُمَّ يُكمِل قائِلًا: إنَّ الأُسقف يَنبغي أنْ يَكون بعلَ امرأةٍ واحدةٍ صاحيًّا عاقِلًا مُضيفًا للغُرباء، غيرَ مُدمِنٍ للخمرِ ولا ضرَّابٍ ولا طامِعٍ في الربحِ القبيحِ، غيرَ مُخاصِمٍ ولا مُحِبٍّ للمال، يُدير بيته حسنًا، وإن كان عنده أولاد (أي مُتزوِّج ولديه أولاد) يجب أنْ يكون أولاده خاضِعين له وموقرينه ويجب أنْ يَكون لديه سُلطانٌ كامِلٌ وتَحكُّمٌ كامِلٌ عليهم، له كرامةٌ، ويَصنعُ هذا بصورةٍ صحيحةٍ ليس فيها عُنفٌ حَيْثْ أنَّه قد دَرَّبهم على ذلك آمِرًا لهم أنْ يَكونوا في قمة الاحترام في كُلِّ زاويةٍ مِن زوايا حياتهم ولديهم الكثير مِن الأدب والتقدير لأبيهم.

 ركِّزْ فيما يأتي: “وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَعْرِفُ أَنْ يُدَبِّرَ بَيْتَهُ، فَكَيْفَ يَعْتَنِي بِكَنِيسَةِ اللهِ؟” (١ تيموثاوس ٣: ٥.

 إنْ لم يستطِعْ أنْ يفعلَ هذا في الدائِرة الصغيرة الَّتي هي بيتِهِ لن يستطيع أنْ يفعله في الدائرة الأكبر الَّتي هي الكنيسة. الَّذي لا يستطيع أن يهتم بالأمر الصغير الَّذي هو نفسه وصحته، لن يستطيع أنْ يُدير الأمر الأكبر مِثْلَ ماله مَثلًا أو مشاريعه أو أعماله أو علاقاته.

يتعاملُ الرُّوح القُدس مع الدائرةِ الأصغر الَّتي إنْ نجحْتَ فيها سيَنقلك إلى الدائرة الأكبر، كثيرٌ مِن الناس يَعكِسون الأمرَ، إنْ لم يَهتمْ الإنسان بحياتِهِ الشخصيَّة ويبنيها بكلمة الله فإنَّه يُدمِّر أمورًا أُخرَى خارجيَّة في علاقاتِهِ وعملهِ وغيرها لأنَّه لم يُدبِّر حياته الشخصيَّة جيَّدًا.

▪︎ الأفكار.. مِن أين تأتي؟

 أيُّ إنسانٍ على الأرضِ لابُدَّ أنْ يَكونَ خاضِعًا لعالَم الرُّوح، إمَّا للرُّوح القُدس أو للأرواحِ الشريرة، لا يُوجَد إنسانٌ غيرُ خاضِع لأحدِ هذيْن الطرفان، هذه الحقيقة تدفعك للانتباه للأفكار الَّتي تأتي إلي ذهنك وما هو مصدرها.

ألَّا تَعلَّم أنَّ أيَّ فِكْرةٍ لابُدَّ وأنْ يَكون لها مَصدرٌ حتَّى وإنْ بدا أنَّها فِكْرة علميَّة فحتَّى الأفكار العلميَّة لها مصدرٌ، لأنَّ أيَّ علْمٍ لابُدَّ وأنَّه ابتدأ في يومٍ ما إذ كان هناك إنسانٌ بدأ يَدرس ويبحث ويدوِّن نتائج وخُلاصات بحثِهِ، ثُمَّ جاءَ إنسانٌ آخر أكملَ عليه وصحَّحَ أخطائه وأضافَ عليه، آيًّا كانَ هذا العِلْم بالتَّأكيد ورائه أرواح.

أيُّ شخصٍ بدأَ يتعامل مع الأفكار الَّتي تأتي إلى ذهنِهِ فهو بالحقيقة قد بدأ يتعامل مع المَصادر الَّتي تأتي بتلك الأفكار، لذلك هدفُ الرُّوح القُدس هو أنْ يتعامَل الإنسان مع ذهنه وخيالاته والأمور الَّتي يَستغرق فيها بخيالهِ وبأفكارهِ، فليْس مِن الطبيعي أنْ يُفكِّر الإنسانُ في موضوعٍ ثُمَّ يَنتقلُ مِنه إلى آخر ثُمَّ إلى ثالثٍ ثم إلى رابعٍ وخامِسٍ بلا نهاية، هذا شيءٌ غيرُ طبيعيٍّ وغيرُ إلهيٍّ! هُنا أتكلَّمُ عن حالةِ السَحْبِ والتَّشتيت في الأفكار الكثيرة الَّتي تُعرَض عليه.

▪︎ ما اعتدتَه ليس هو الأصل!

حين يَعتادُ الإنسانُ السلوكَ في الحياة بصورةٍ إنسانيَّةٍ طبيعيَّةٍ دائمًا ما يَكون هشًّا وضعيفًا ويَخشَى الحياة، فهو لا يَعرفُ القادِم ولا يَعرفُ المجهولَ ويَتكلَّمُ بلُغةِ العالَم غير الكتابيَّة الَّتي شَرَبها الكثيرُ مِن الناس للأسف حتَّى أنَّها صارَتْ تتردَّدُ كثيرًا على المنابر ومِن أفواه الوعاظ!

 هذا كعباراتٍ مِثْل: “لسْنَا نعرف ما يُخبِّئه لنا الغَدُّ”، يُمكِنك أنْ تقولَ باللُّغةِ الدارِجة: “مش عارفين بكرة مَخبي لنا إيه”. أيضًا هُناك مَن يَقول: “كُلُّ ما يَجْلِبه الله علينا جيد” وهي الَّتي تَسمعهم يَقولونها بالعاميَّة: “كل اللي يجيبه ربنا كويس”، وعبارات أُخرَى كثيرة تُردَّد جعلَتْ الإنسانَ يبتلعُ الطُعْمَ أي مبادئ وأفكار هذا العالَم. أدَّى هذا في النهاية إلى أنْ يَصيرَ الإنسانُ ضحيَّةً لتلك المَبادئ.

هُناك مَثَلًا مَن يَقولون: “آه مِن الجسدِ، لن نستطيع أنْ نتخلَّصَ مِن هذا الجسد ومِن مُشكِلاتِهِ إلَّا حين ننتقِلُ إلى الحياة الأُخرَى.” حين يَستمِعُ حَديثو الإيمان والمُبتدِئون هذه اللُّغة، قد يظنون أنَّ الجسدَ أمرٌ صعبٌ جدًا وليْس مِن السهلِ عليهم التَّعامل معه.

إنْ رَجِعْتَ إلى سِلسلة المِلء الروحيِّ ستَعرِفُ أنَّه لابُدَّ أنْ تكونَ لديك معرفةٌ بما أنتَ مُمتلِئٌ به، فلابُدَّ أنَّ هناك شيئًا ما يملأك حتَّى وإنْ كُنْتَ لا تَدري، لذلك يَنبغي أنْ تضع ذهنِك في هذا الأمر، فقد تَكون ضحيَّةً لعدمِ المَعرفةِ مُنْذ سنين كثيرة مضَتْ وللأسف يَعتقدُ كثيرون أنَّ هذا هو الأمرُ الطبيعيّ وذلك لأنَّهم لم يَروا أحدًا يَعيش عكس هذا الَّذي يَرونه، ولأنَّهم لم يَروا مُستوَى آخر غيرَ هذا فظنُّوا أنَّ هذا هو الشيء الطبيعيّ.

▪︎ هل هنالك حلٌّ؟!

 يُعالَج هذا الأمر عَبْر أنْ يَنتمي الإنسان لمُجتمَعٍ كنسيٍّ سليمٍ يَعيش حسب الكلمةِ والحقِّ الكتابيِّ الصحيح. دعونا نقرأ معًا شاهدًا كتابيًّا يتحدَّثُ عن هذا الأمر:

“٣ وَأَنَا كُنْتُ عِنْدَكُمْ فِي ضَعْفٍ، وَخَوْفٍ، وَرِعْدَةٍ كَثِيرَةٍ. ٤ وَكَلاَمِي وَكِرَازَتِي لَمْ يَكُونَا بِكَلاَمِ الْحِكْمَةِ الإِنْسَانِيَّةِ الْمُقْنِعِ، بَلْ بِبُرْهَانِ الرُّوحِ وَالْقُوَّةِ، ٥ لِكَيْ لاَ يَكُونَ إِيمَانُكُمْ بِحِكْمَةِ النَّاسِ بَلْ بِقُوَّةِ اللهِ. ٦ لكِنَّنَا نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةٍ بَيْنَ الْكَامِلِينَ، وَلكِنْ بِحِكْمَةٍ لَيْسَتْ مِنْ هذَا الدَّهْرِ، وَلاَ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، الَّذينَ يُبْطَلُونَ. ٧ بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرّ: الْحِكْمَةِ الْمَكْتُومَةِ، الَّتي سَبَقَ اللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا، ٨ الَّتي لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ. ٩ بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ». ١٠ فَأَعْلَنَهُ اللهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ. لأَنَّ الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ. لأَنْ مَنْ مِنَ النَّاسِ يَعْرِفُ أُمُورَ الإِنْسَانِ إِلاَّ رُوحُ الإِنْسَانِ الَّذي فِيهِ؟ هكَذَا أَيْضًا أُمُورُ اللهِ لاَ يَعْرِفُهَا أَحَدٌ إِلاَّ رُوحُ اللهِ. ١٢ وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ الْعَالَمِ، بَلِ الرُّوحَ الَّذي مِنَ اللهِ، لِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ، ١٣ الَّتي نَتَكَلَّمُ بِهَا أَيْضًا، لاَ بِأَقْوَال تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ، قَارِنِينَ الرُّوحِيَّاتِ بِالرُّوحِيَّاتِ. ١٤ وَلكِنَّ الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ، وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيًّا. ١٥ وَأَمَّا الرُّوحِيُّ فَيَحْكُمُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ لا يحكم فِيهِ مِنْ أَحَدٍ. ١٦ «لأَنَّهُ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ فَيُعَلِّمَهُ؟» وَأَمَّا نَحْنُ فَلَنَا فِكْرُ الْمَسِيحِ.” ١ كورنثوس ٢ :٣-١٦.

نُلاحِظ في هذا النَّصّ أنَّ الرسولَ بولس امتنعَ عن أنْ يتكلَّم بكلامِ الحكمةِ الإنسانيَّةِ المُقنِعِ ولم يرضَ بأنْ يتكلَّم باللُّغة البشريَّة العاديَّة لكي لا يكون إيمانهم مُستنِدًا على (تأتي في ترجمة أُخرَى مَبنيًّا على) حكمة الناس بل على قوة الله، مِن هُنا نعرف أنَّ الكلمات الَّتي تستمع إليها يُبنَى عليها إيمانك.

إنْ ظللْتَ تستمِع إلى حكمة إنسانيَّة مُقنِعة فهي تُقنِع الجسدَ، لهذا فلنْ يَعترض عليها جسدك، لكن دون أنْ تَدري يُؤثِّر هذا على إيمانك إذْ حينما تُريد أنْ تَطلبَ مُعجزتك في أمرٍ مُعيَّنٍ ستجد أنَّ الأمرَ مُعطَّلٌ ولن تَحصُل على ما تُريده، لأنَّ الأمرَ بُنِيَّ على أفكارٍ قد تَكون مُقنِعةً للجسدِ البشريِّ العادي لكن بالتَّأكيد يَختلِفُ الأمر جدًّا بالنسبة للرُّوح.

▪︎ ما حَسِبه العالَمُ جهالةً:

“١٨ فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ، ١٩ لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «سَأُبِيدُ حِكْمَةَ الْحُكَمَاءِ، وَأَرْفُضُ فَهْمَ الْفُهَمَاءِ». ٢٠ أَيْنَ الْحَكِيمُ؟ أَيْنَ الْكَاتِبُ؟ أَيْنَ مُبَاحِثُ هذَا الدَّهْرِ؟ أَلَمْ يُجَهِّلِ اللهُ حِكْمَةَ هذَا الْعَالَمِ؟ ٢١ لأَنَّهُ إِذْ كَانَ الْعَالَمُ فِي حِكْمَةِ اللهِ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ بِالْحِكْمَةِ، اسْتَحْسَنَ اللهُ أَنْ يُخَلِّصَ الْمُؤْمِنِينَ بِجَهَالَةِ الْكِرَازَةِ. ٢٢ لأَنَّ الْيَهُودَ يَسْأَلُونَ آيَةً، وَالْيُونَانِيِّينَ يَطْلُبُونَ حِكْمَةً، ٢٣ وَلكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً! ٢٤ وَأَمَّا لِلْمَدْعُوِّينَ: يَهُودًا وَيُونَانِيِّينَ، فَبِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ. ٢٥ لأَنَّ جَهَالَةَ اللهِ أَحْكَمُ مِنَ النَّاسِ! وَضَعْفَ اللهِ أَقْوَى مِنَ النَّاسِ! ٢٦ فَانْظُرُوا دَعْوَتَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنْ لَيْسَ كَثِيرُونَ حُكَمَاءَ حَسَبَ الْجَسَدِ، لَيْسَ كَثِيرُونَ أَقْوِيَاءَ، لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفَاءَ، ٢٧ بَلِ اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ. ٢٨ وَاخْتَارَ اللهُ أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ لِيُبْطِلَ الْمَوْجُودَ، ٢٩ لِكَيْ لاَ يَفْتَخِرَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَمَامَهُ. ٣٠ وَمِنْهُ أَنْتُمْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذي صَارَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ اللهِ وَبِرًّا وَقَدَاسَةً وَفِدَاءً. ٣١ حَتَّى كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «مَنِ افْتَخَرَ فَلْيَفْتَخِرْ بِالرَّبِّ».” ١ كورنثوس ١: ١٨-٣١.

في عدد ١٨ نُلاحِظ أنَّ لفظ “كَلِمَةَ الصَّلِيبِ” يُعنِي “رسالة الصليب”، هذه الرسالة هي جهالة في نَظر أولئك الهالِكين الَّذين ستَلعب بهم الحياة، بالنسبة لهم رسالة الصليب جهالة وليس لفظ “صليب” بعينه، فالعرب فقط هُم الَّذين يُردِّدون كلمة “باسم الصليب”. للأسف بسبب هذا الفَهْم السطحي في هذا الموضوع فاتنا الكثير.

رسالةُ الصليبِ عند الهالِكين جهالة أمَّا عندنا نحن المُخلَّصين فهي قوة الله، فحين يَسمعُ أحدهم رسالة الصليب قد يَستنكِر هذه الرسالة ويَعتبرها جهالةً، فهو قد درَّبَ ذهنَه على أنْ هذا الأمر ليس له علاقة به، أمَّا عندنا نحن فهو قوة الله لأنَّنا قد استقبلناه بصورةٍ مُختلِفةٍ فإنْ كُنْتَ تبحثُ عن قوة الله دعني أتكلَّمُ لك عن الصليب أي (رساله الصليب) أي (قصة موت وقيامة وصعود يسوع).

ثُمَّ يُكمِل بولس بحماسٍ قائِلًا: “لأنَّ الصليبَ هو قوة الله وحكمة الله”، لكن أولئك الَّذين يَرون أنفسهم فاهِمين أو الَّذين يَظنون أنَّهم على حقٍّ لكونِهم الأغلبيَّة فأولئك الناس يَذكُر الكتابُ في عدد ١٩ أنَّه سيتمُّ عملُ إبادةٍ لتلك الأفكار الَّتي تبدو حكيمةً مِن وجهةِ نَظر أصحابها، هذه الإبادة تَمَّ الحديث عنها مُنْذ ألفي عامٍ لكنَّها لا تَحدُث في الحالِ.

 فمَثَلًا حين يُفكِّر الإنسانُ في فِكْرةٍ عكس الكلمةِ لن يَحدُث في الحال أنْ يَجدَ نفسه في مأساةٍ كنتيجةٍ فوريَّةٍ ومُباشِرةٍ لهذه الفِكْرة، فهي إبادةٌ طويلةُ الأمدِ. حيْثُ يُكمِل الوحي ويتساءل قائِلًا: أين الحكيم؟ أين الكاتب؟ أين الذكي؟ أين مُباحِث هذا الدَّهر؟ ألمْ يُجهِّل الله حكمةَ هذا العالَم؟

ثُمَّ يُوضِّح أمرًا مُهمًا في عدد ٢١ ويَقولون إنَّ الكرازة الَّتي يَقول عنها العالَم إنَّها جهالةٌ، هي الَّتي مِن خلالها خَلُصَ المُؤمنين. بعد ذلك يَكشفُ لنا أمرًا وهو أنَّ اليهود يَطلبون آيةً واليونانيين حكمةً وللأسف فاليهود أنفسهم الَّذين هم شعب الله كانوا واقِعين في نفس هذا الخطأ الَّذي جَعَلهم يَفقدِون المسيَّا وهو بينهم حتَّى إنَّ بُولس ذَكَرَ هذا الأمر في الإصحاح التاسِع مِن رسالة رومية حين قال:

“٣٠ فَمَاذَا نَقُولُ؟ إِنَّ الأُمَمَ الَّذينَ لَمْ يَسْعَوْا فِي أَثَرِ الْبِرِّ أَدْرَكُوا الْبِرَّ، الْبِرَّ الَّذي بِالإِيمَانِ. ٣١ وَلكِنَّ إِسْرَائِيلَ، وَهُوَ يَسْعَى فِي أَثَرِ نَامُوسِ الْبِرِّ، لَمْ يُدْرِكْ نَامُوسَ الْبِرِّ! ٣٢ لِمَاذَا؟ لأَنَّهُ فَعَلَ ذلِكَ لَيْسَ بِالإِيمَانِ، بَلْ كَأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ. فَإِنَّهُمُ اصْطَدَمُوا بِحَجَرِ الصَّدْمَةِ، ٣٣ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «هَا أَنَا أَضَعُ فِي صِهْيَوْنَ حَجَرَ صَدْمَةٍ وَصَخْرَةَ عَثْرَةٍ، وَكُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُخْزَى».” رومية ٩: ٣٠-٣٣.

 سيَأتي وقتٌ يَكتشِفُ فيه اليهود أنَّ ذاك الَّذي كان بينهم مُنذ ألفي عام هو المسيا الَّذي كانوا ينتظرونه، فتلك الحكمة البشريَّة ستُباد على مدار ألفي عامٍ وليس في نفس الوقت الَّذي استمعوا فيه لهذه الكلمات؛ “٢٣ وَلكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً! ٢٤ وَأَمَّا لِلْمَدْعُوِّينَ: يَهُودًا وَيُونَانِيِّينَ، فَبِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ.” ١ كورنثوس ١: ٢٣، ٢٤.

تُوضِّح تلك الآيات إنَّه كانَ هناك عصرٌ لليونانيين (أي للأمم) ولليهود أيضًا، أمَّا بالنسبة للمَدعوين سواء كانوا يَهودًا أو أُممًا فبالمسيح حكمة الله، فهو يَقصدُ هنا المَدعوين الَّذين قَبِلوا الدعوة سواء كانوا يَهودًا أو أُممًا فبالمسيح حكمة الله وقوة الله، فذاك الَّذي يَقولون عليه جهلًا هو أحكم مِن الناس وذاك الَّذي يقولون عليه ضعفًا هو أقوى مِن الناس فهو هُنا يَقتبِس أقوالهم وأفكارهم. إنْ كُنْتَ تُريد أنْ تبحثَ عن فِكْر الله الحكيم، فالجأ إلى الإله الحقيقي.

“٢٦ فَانْظُرُوا دَعْوَتَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنْ لَيْسَ كَثِيرُونَ حُكَمَاءَ حَسَبَ الْجَسَدِ، لَيْسَ كَثِيرُونَ أَقْوِيَاءَ، لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفَاءَ، ٢٧ بَلِ اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ. ٢٨ وَاخْتَارَ اللهُ أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ لِيُبْطِلَ الْمَوْجُودَ.” ١ كورنثوس ١: ٢٦-٢٨.

لاحِظْ أنَّ ما مَنَعَ الناس مِن أنْ يَروا حكمةَ الله الحقيقيَّة هو أنَّهم يَرون أنَّ حكمتهم الخاصة هي الصواب، وبحسب الجسد ليس كثيرون حكماء وليس كثيرون شرفاء في وسطكم (هكذا كَتَبَ إليهم بُولِس)، فالبعضُ قد قَبِلَ كلمةَ الله والبعض رَفَضوا وامتنعوا عن قبول رسالة المسيح وموت المسيح عنهم واعتبروه جهالةً. هذا يُعنِي أنَّ الرُّوح القُدس يتعامَل مع الأمور الحسيَّة الموجودة مع البشر وقوَّتهم وحكمتهم هُنا على الأرضِ وليس حينما يَذهبون إلى السماء لكيلا يفتخر كل ذي جسد أمامه.

“وَمِنْهُ أَنْتُمْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذي صَارَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ اللهِ وَبِرًّا وَقَدَاسَةً وَفِدَاءً.” ١ كورنثوس ١: ٣٠. تُعنِي كلمة “وَمِنْهُ أَنْتُمْ” هنا أنَّكم أنتم قد خرجتم مِنه أي خرجتم مِن الله بالمسيح يسوع الَّذي أصبح حكمتنا وبرَّنا، حتَّى مَن افتخرَ فليفتخِر بالله وحكمته وفِكْره.

▪︎ حين يُعلَن ما أُعدّ لكَ:

 دعونا نرجعُ مرةً أُخرَى إلى رسالة كورنثوس الأولى والإصحاح الثاني، حَيْثُ يَقول الرسول بولس:

“١ وَأَنَا لَمَّا أَتَيْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَتَيْتُ لَيْسَ بِسُمُوِّ الْكَلاَمِ أَوِ الْحِكْمَةِ مُنَادِيًا لَكُمْ بِشَهَادَةِ اللهِ، ٢ لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئًا بَيْنَكُمْ إلاَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا. ٣ وَأَنَا كُنْتُ عِنْدَكُمْ فِي ضَعْفٍ، وَخَوْفٍ، وَرِعْدَةٍ كَثِيرَةٍ. ٤ وَكَلاَمِي وَكِرَازَتِي لَمْ يَكُونَا بِكَلاَمِ الْحِكْمَةِ الإِنْسَانِيَّةِ الْمُقْنِعِ، بَلْ بِبُرْهَانِ الرُّوحِ وَالْقُوَّةِ.” ١ كورنثوس ٢: ١-٤.

في هذا المقطع نرَى بُولِس يَقول لأهل كورنثوس إنَّه كانت في داخِله مَهابةٌ قويَّةٌ للأمر (وليس للناس)، إذْ يَرى هيبةَ إنقاذ النفوس مِن الجحيم وإدخالهم لمَلكوت الله. تُوجَد هيبةٌ لتلك الخِدمة ولذلك يقول إنهَّ لم يَستخدِم الحكمةَ والإقناعَ البشريَّ في كرازتِهِ بل اعتمدَ على برهان الرُّوح والقوة.

ثُمَّ يردف ويقولُ: “٦ لكِنَّنَا نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةٍ بَيْنَ الْكَامِلِينَ، وَلكِنْ بِحِكْمَةٍ لَيْسَتْ مِنْ هذَا الدَّهْرِ، وَلاَ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، الَّذينَ يُبْطَلُونَ. ٧ بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرّ: الْحِكْمَةِ الْمَكْتُومَةِ، الَّتي سَبَقَ اللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا.” ١ كورنثوس ٢: ٦، ٧.

إنَّ كلمة “لِمَجْدِنَا” تُعنِي (لكي نتمجَّد نحن بها). إذًا يُوجَد خزينٌ لدى هذا الإله لكي يَضعنا في مجدٍ هُنا على الأرض، وليس فقط المجد الَّذي سنناله حينما نذهب إلى السماء.

ثُمَّ يُكمِل ويَقولُ: “الَّتي لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ.” ١ كورنثوس ٢: ٨. تلك الحكمة الَّتي لم يَعلمها أحدٌ مِن عُظماء هذا الدهر أولئك الَّذين يَرون أنفسهم فاهِمين. انظرْ معي إلى عبارة: “لأنَّهم لو عَرَفوا لَما صَلَبوا رب المجد”، فتلك الجُملة يُمكِن أنْ تُقال على الاثنين (أي على البشر أو على الأرواح الشريرة الَّتي حَرَّكَتْ البَشر لكي يَصلبوا يسوع).

 لو كانوا يَعرِفون ما الَّذي سيَحدثُ بعد قَتْلهم ليسوع، لأوقفوا هُم بأنفسهم مشروعَ قَتْلِ يسوع لأنَّهم قد اكتشفوا بعد ذلك أنَّ الأمرَ قد انقلبَ عليهم سواء البشر أو الأرواح الشريرة الَّتي حَرَّكتهم.

ثُمَّ يَستمِرُ ويَقولُ: “بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ».” ١ كورنثوس ٢: ٩. هُنا يَستخدم كلمات خاصة بالمُلكِ الأَلفي لشعب الله، فهذا موجودٌ في سِفْر إشعياء ٦٤، تكلَّمْتُ عن هذا الأمر العام الماضي في سلسلة “المجد الحالي بسبب القيامة“. لكن بالنسبة لنا ككنيسة فحن نراه مُطبَّقًا الآن معنا. ففي العدد العاشِر يَقولُ: “فَأَعْلَنَهُ اللهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ. لأَنَّ الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ.” ١ كورنثوس ٢: ١٠.

على أرضِ الواقِع لا يستطيعُ كلُّ إنسانٍ أنْ يَذوق هذا النَّصّ، على الرغم مِن أنَّه مرسومٌ لكلُّ إنسانٍ أنْ يَذوقَ هذه الآية ويَكتشفَ ما له في المسيح: “بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ».” ١ كورنثوس ٢: ٩. لكن لابد أن يضع الشخص نفسه في هذه الوضعية.

لا يستفيد الجميعُ مِن هذه الآية ليس لأنَّ الله لا يُريد ذلك بل لأنَّ الناس لم يَضعوا أنفسهم في وضعيَّة أنْ يَعرِفوا إعلانَ الله بخصوص تلك الآية. فَهُم لا يَستقبِلون جيَّدًا، مِثْلهم في ذلك مِثْل طبق استقبال إرسال القمر الاصطناعي حين لا يكون مَضبوطًا بصورةٍ صحيحةٍ لاستقبال الإرسال مِن القمر الاصطناعي. نفس الفِكْرة، فالمشكلةُ ليسَتْ في القمرِ الصناعيِّ لكن في الوضعيَّة الخاطِئة لطبق الاستقبال.

▪︎ تحت تأثير أيِّ رُوحٍ تقع؟!

مِن ثَمَّ يَقول: “١٠ فَأَعْلَنَهُ اللهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ. لأَنَّ الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ. ١١ لأَنْ مَنْ مِنَ النَّاسِ يَعْرِفُ أُمُورَ الإِنْسَانِ إِلاَّ رُوحُ الإِنْسَانِ الَّذي فِيهِ؟ هكَذَا أَيْضًا أُمُورُ اللهِ لاَ يَعْرِفُهَا أَحَدٌ إِلاَّ رُوحُ اللهِ. ١٢ وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ الْعَالَمِ، بَلِ الرُّوحَ الَّذي مِنَ اللهِ، لِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ.” ١ كورنثوس ٢: ١٠-١٢.

إذًا لا تنسَ إنَّنا لم نأخُذ رُوح العالَم، ورُوح العالَم هذا هو الَّذي يَجعلنا نُريد أنْ نعرفَ العالَم والأخبار والأحداث الَّتي تَحدُث فيه، هو القُوة الَّتي تَشدُّ الإنسان لكي يَعرفَ الخبر ويَفحصه ويُحلِّله، هذه القوة اسمها “رُوح العالَم”.

تلك القوة الَّتي تجعلك تَرغب في الانفتاح على أخبار الناس وهي أيضًا الَّتي تجعلك تفتح عينيك أثناء الصلاة لكي ترى كيف يُصلِي الآخرون وتنتقدهم وتنتقد طريقتهم في الصلاة. هذا اسمه “رُوح العالَم”، فهو القُوة الَّتي تَجعلك تتأثَّر وتنجذب إلى هذا العالَم بكلِّ تفاصيله. مَثَلًا أنْ تعرفَ أين ذهبَ فُلان وماذا فَعَلَ، هذا هو رُوح العالَم وأنتَ بذلك خاضِعٌ له دون أنْ تَدري.

لذلك يُكمِل الكتابُ قائِلًا: “أما نحن فلم نأخُذ رُوح العالَم بل الرُّوح الَّذي مِن الله، لنَعرفَ…”، إذًا فالرُّوح القُدس يَجعلك تَعرِفُ الأمورَ الَّتي مِن الله، ورُوح العالَم يَجعلك تعرفُ الأمورَ الَّتي في العالَمِ كالحكمةِ البشريَّةِ والحكمةِ النَفْسانيَّةِ والأمور الَّتي كُنْتُ أُحدِّثكم عنها في الدقائق السابِقة.

 أمَّا الرُّوح القُدس فيَجعلنا نَعرفُ الأشياءَ المَوهوبةَ لنا مِن الله، فهو يُريدنا أنْ نستمتعَ بتلك الأشياء هُنا، فهو أعدَّها لنا هُنا لكي نستمتعَ بها هُنا، أعلنها لنا وكشفها لنا. لكن رُبَّ قائِل: “ما المشكلة في أنْ نعرفَ ونَكتشفَ الأشياءَ الَّتي لنا في المسيح بالطريقة البشريَّة بعيدًا عن الرَّبِّ؟!”

دَعونا نُكمِل النَّصَّ معًا: “١٢ وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ الْعَالَمِ، بَلِ الرُّوحَ الَّذي مِنَ اللهِ، لِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ، ١٣ الَّتي نَتَكَلَّمُ بِهَا أَيْضًا، لاَ بِأَقْوَال تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ، قَارِنِينَ الرُّوحِيَّاتِ بِالرُّوحِيَّاتِ.” ١ كورنثوس ٢: ١٢، ١٣.

 هُنا عادَ بُولِس مرةً أُخرَى ليتحدَّث عن أنَّ الحكمةَ ليْسَت هي الحكمة البشريَّة الإنسانيَّة بل حكمة الرُّوح القُدس والَّتي بها سنَعرفُ الأمورَ الَّتي وُهِبَتْ لنا مِن الله فهي تلك الَّتي كَتَبَ عنها: “٩ بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ». ١٠ فَأَعْلَنَهُ اللهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ. لأَنَّ الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ.” ١ كورنثوس ٢: ٩، ١٠.

لاحِظْ أنَّ ما لم يَخطُر على بالِ إنسانٍ، يُعلِنه لنا الرُّوح القُدس ونتكلَّم عنه بلُغات الرُّوح القُدس، فالإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأنَّ هذه الأمور في نظره جهالة لذلك كُنْتُ أقولُ إنَّه ليس كل الناس مُستفيدين مِن تلك الآية.

إذًا لنَقف هُنا عند نقطةٍ هامةٍ أو بالأحرَى تَساؤُل هام: ما هو العائِق الَّذي من المُمكِن أنْ يَجعل الإنسان يسلُك بالجسدِ وليس بالرُّوح؟ أنْ تكون إنسانًا طبيعيًّا، المسألة هي أنَّه لمْ يَذُق ولم يَعرف ما له في المسيح، فسلبيَّات أنْ يَسيرَ الإنسانُ بالجسدِ هي أنَّ الإنسان الطبيعي لا يَقبلُ ما لرُّوح الله لأنَّها بالنسبة له جهالةٌ.

حسنًا! مَن هو الإنسان الطبيعي؟ إنَّه الشخصُ الَّذي يَسيرُ بحواسِهِ الخمس، الَّذي يسير بالطريقة الإنسانيَّة النفسانيَّة وبالتَّفكير البشريِّ العادي، هذا الإنسان سيَصطدِم بشيءٍ خطيرٍ وهو أنَّه لا يستطيع أنْ يَقبلَ ما لرُوح الله، فلن يقدر الرُّوح القُدس أنْ يَصِل له.

▪︎ حين تقف حكمتك ضدَّك!

 رُبَّما يقفُ بعضُ الخدامِ على المِنبر قائِلين إنَّ الرُّوحَ القُدس يستطيع كلَّ شيءٍ وذلك ما أُسميه (الفِتْوِنَّة المِنبريَّة). نعم فالرُّوح القُدس يَستطيع كلَّ شيءٍ ولكن كثيرًا ما يَصطدِم الرُّوح القُدس بإرادة وتفكير الإنسان الطبيعي الَّذي يَرفُض ما هو لرُوح الله، إنَّ الرَّبَّ يسوع نفسه وهو على الأرض لم يستطِع أنْ يَفعلَ أمورًا في حياة أُناسٍ كان يُريد أنْ يتدخَّل لصالِحهم ويَشفيهم ويُغيِّرهم لكنَّهم كانوا يَقِفون ضدَّه ليُقاوموه، لذلك لم يَقدِر يسوع أنْ يَفعلَ معهم شيئًا لأنَّ إرادتهم كانَتْ مُقاوِمة لإرادتِه.

هل حاولَ الرُّبُّ يسوع أنْ يَستخدِمَ القوَّةَ والإجبار ليُجبِرهم أنْ يتعلَّموا أمرًا مُعيَّنًا؟! حاشا، لم يفعل هذا إطلاقًا. لذلك فالتَّخاذُل العام الحادِث في حياة المُؤمِنين ناتِجٌ عن فِكْرة أنَّ الله إنْ أرادَ أنْ يأتي بي إليه سوف يستطيع أنْ يَفعلَ ذلك!

 للأسف، وَقَفَ الرَّبُّ يسوع نفسه أمام أُناسٍ كانوا رافِضين لكلمتِه ومُقاوِمين لها حتَّى أنَّه امتنعَ عن أنْ يُعطِي كلمةً أو أنْ يضيف كلمةً لهم لأنَّه رأى أنَّ إرادتهم رافِضة وقلبهم أيضًا رافِضٌ لكلماته ولمشيئته الصالِحة مِن نحوهم. كما أنَّ البعضَ مِنْهم لم يشرح لهم يسوع كُلَّ الأمور بل كانَ يُكلِّمهم بألغاز وأمثال لأنَّهم كانوا يعيشون بالألغاز وفي الألغاز.

في مُتابعاتي الروحيَّة لبعضِ الناسِ، أرَى كثيرين يَستغرقُ الأمرُ معهم سنوات طوال كي يَصِلُوا إلى نُقطةٍ روحيَّةٍ مُعيَّنةٍ كان يَنبغي أنْ يَصِلُوا إليها مُنْذ سنين طويلة مَضَتْ، ماذا لو قيلت تلك الحقائق مِن الرُّوح القُدس في أولِ الوقتِ بصورةٍ مُباشِرةٍ؟ الرُّوح القُدس هو المُعلِّم فِعْلًا وليْسَ الحكمةَ البشريَّة النفسانيَّة الإنسانيَّة. وحين تَنظرُ لذلك الإنسان الَّذي يتعلَّم بذلك البُطءِ تَجده يَنمو روحيًّا بِبطءٍ شديدٍ وقد يَصِل في مرحلةٍ مُعيَّنة إنْ لم يَنمو روحيًّا يُمكِن أنْ يُطلَق عليه مُعاقًا روحيًّا.

خُلاصة هذا الشاهِد أنَّ الحكمةَ الروحيَّة البشريَّة الإنسانيَّة إنْ سارَ بها الإنسانُ بصورةٍ عاديَّةٍ، سيَقفُ آجلًا أم عاجِلًا أمام نقطةٍ خطيرةٍ ألَّا وهي أنَّ الرُّوح القُدس لن يستطيع أنْ يتواصل معه لأنَّه يَعتبِر أنَّ ما يَقوله الرُّوح القُدس حماقةً حتَّى وإنْ كانَ لا يَقصِد هذا.

سأُعطِي لك مِثالًا: رُبما يَأتي شخصٌ لا يَسير روحيًّا بشكلٍ جيِّدٍ إذ أنَّه لا يَدرِس الكلمةَ ولا يضعها مَوضِعَ تنفيذ ولا يجعلها موضوعَ تفكيرِهِ، فحين يَأتي مَن يُتابِعه أو قائِده الروحيّ يُحذِّره قائِلًا: “يا فُلان إنَّ طريقة تفكيرك هذه ليسَتْ صحيحةً وليسَتْ مُتوافِقة مع الكلمة” هُنا تَجِدُ هذا الشخص يَعترِضُ على كلامِ المُرشِد الروحي باستنكارٍ شديدٍ قائِلًا له: “ماذا يُعنِي هذا الكلام ولماذا تقول هذا!”.

 هذا الشخص لم يَقُلْ إنَّ الكتابَ المُقدَّس مُخطِئٌ ولم يُجدِّف على كلمات الكتاب بشكلٍ مُباشرٍ لكنَّه تَعاملَ مع المَشورةِ المُستنِدةِ على الكلمةِ وكأنَّها حماقةٌ وجهالةٌ، فالإنسانُ الطبيعيُّ والَّذي يَسير حسب بشريَّته لا يَقبلُ ما لرُوح الله ثُمَّ يَعود ويَشتكي قائِلًا: “لسْتُ أدرى ماذا يَحدُث معي فأنا إنسانٌ عقلانيٌّ” أو قد يقول: “أنا إنسانٌ تحليليٌّ أو أنا أحبُّ النَقْد البنَّاء. هُناك أمورٌ تَمنعُني مِن أنْ أستقبلُ الكلمة!”

أتدرى لماذا؟ لأنَّك تحتاجُ أنْ تتنازلَ وتستغني عن حكمتك البشريَّة الخاصة وتضع مكانها حكمةَ الله. إنْ ميَّزْتَ تلك النُقطة فقد وَضَعْتَ قدمك على بداية الطريق، لكنَّك لم تُكمل بعد، أكمل الطريق وسِرْ فيه.

▪︎ الطِّبُ النَّفسيُّ أم التمييزُ الرُّوحيُّ؟

ثُمَّ يُكمِل الكتابُ قائِلًا: “وَلكِنَّ الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ، وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيًّا.” ١ كورنثوس ٢: ١٤.

ماذا يُعنِي هذا؟ يُعنِي أنَّ الشخصَ الَّذي لديه تمييزٌ روحيٌّ يستطيع أنْ يُميِّزَ هذا الشخص الَّذي يَسلُك بالجسدِ ويُخبِره أنَّه مُتوقِّفٌ عند هذه النقطة أو تلك، فالشخصُ نفسه لا يستطيع أنْ يُميِّز نفسه ولكن الشخصَ الرُّوحي يَستطيع أنْ يُميِّز ذلك الشخص، فالإنسانُ كائِنٌ روحيٌّ ولكي يتمَّ تشخيصه يجب أنْ يُحكَم فيه روحيًّا وليس نفسيًّا.

 عندما نُحاوِل أنْ ندمِجَ الطبَّ النفسيَّ مع كلمة الله، لا ينسجِم الاثنان معًا، هذا ما يَقوله الكتابُ، فالطبُّ النفسيُّ ما هو إلَّا مُحاولات وسَعي لفَهْم النَفْسِ البشريَّة لكن كلمة الله تُعرِّفنا أنَّنا نستطيع أنْ نُدير أمورنا عن طريق كلمة الله، هذا هو السبب الَّذي جعلَ الرَّبُّ يسوع لم يتعامل مع المَرضَى النفسانيين الَّذين كانوا مُعاصِرين له على أساس أنَّهم مَرضَى نفسانيين بل كان يُعامِلهم على أساس أنَّ هُناك أرواحًا شريرةً تَقود أذهانهم فكان يتكلَّم لهم بكلمة الله، فكان الناس يُشفون.

مُعظَم الَّذين كانوا يأتون إلى الرَّبِّ يسوع كانوا يُعانون مِن أمراضٍ جسديَّةٍ أكثر مِن الأمراض النفسيَّة، هذا لا يُعنِي أنَّه لم يَكُنْ هُناك مَرضَى نفسيون، بالتَّأكيد كانَ هُناك مَرضَى نفسانيون لكن الرَّبَّ يسوع لم يَكُن يُصلِي لأحدهم مَثَلًا قائِلًا: “ابرأ مِن مرضِ الاكتئاب أو الذهان أو ابرأ مِن الوسواس القهري…”، لم يَحدُث هذا ولا مرة في الكتاب.

كلُّ الأمراضِ النفسيَّة المَوجودة اليوم كانَتْ موجودةً وقت وجود المسيح على الأرض وما قبل ذلك، لكن الرَّبَّ لم يَكُنْ يتعامل معها بالطريقة الَّتي يتعامل بها الناس اليوم لأنَّ علاجها هو تجديد الذِهن وأنْ يبتدئ الشخص في أنْ يُغيِّر أفكاره طبقًا للكلمة، لأنَّ إبليس قد وَضَعَ يده على ذهنِهِ، فهذه هي استراتيجيته أنْ يتعامل مع الذهن البشريّ ويُشحِنه بأفكارٍ، فبالتالي حين يُغيِّر الرَّبُّ أفكاره يتم شفاؤه.

انتبه! فالإنسانُ الطبيعيُّ هو الَّذي يتمسَّك بطُرقِهِ البَشريَّة وأفكارِهِ البشريَّة، ولكن الآثار المُترتِبة على ذلك لا تَظهرُ سريعًا مِثْل ما يَحدُث مع الطفلِ الَّذي يَنقُصه عنصرٌ غذائيٌّ مُعيَّنٌ لا يَحصُل عليه طوال فترةٍ كبيرةٍ، فلن يَكتشف سريعًا احتياجه لهذا العُنصر إلَّا عندما يَصِلُ إلى طولٍ مُعيَّنٍ مَثَلًا أو عندما تَنبُت كُلُّ أسنانه، حينئذ يتمُّ اكتشاف أنَّه يَحتاج إلى هذا العُنصر لكن أثناء نموه لن تكتشف أمه هذا الاحتياج إلَّا في مرحلةٍ مُتأخِرة.

هذا ما يَحدُث للناس أثناء النُمو الروحيِّ، فعندما يتعامَل الشخصُ مع الأمورِ الروحيَّةِ بطفولةٍ، لا تَظهرُ أين تَكمُن مُشكلته فهو غيرُ مُتنازِلٍ عن أفكارِهِ ومُتمسِكٌ بأفكارٍ بشريَّةٍ عاديَّةٍ أتَى بها مِن العالَم، يَقولُ الكتابُ عن هذا الشخص إنَّه يُحكَم فيه روحيًّا، أي أنَّ هذا الشخص يَحتاجُ إلى مُساعدة لكن مِن شخصٍ ناضِجٍ روحيًّا ويَحتاجُ إلى تمييزٍ وفَحْصٍ روحيٍّ.

 “١٥ وَأَمَّا الرُّوحِيُّ فَيَحْكُمُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ لا يحكم فِيهِ مِنْ أَحَدٍ. ١٦ «لأَنَّهُ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ فَيُعَلِّمَهُ؟» وَأَمَّا نَحْنُ فَلَنَا فِكْرُ الْمَسِيحِ.” ١ كورنثوس ٢: ١٥، ١٦.

هُنا نَجدُ أنَّ بُولس قد اقتبسَ مِن إشعياء ٤٠، حَيْثُ النَّصَّ الشهير “١٣ مَنْ قَاسَ رُوحَ الرَّبِّ، وَمَنْ مُشِيرُهُ يُعَلِّمُهُ؟ ١٤ مَنِ اسْتَشَارَهُ فَأَفْهَمَهُ وَعَلَّمَهُ فِي طَرِيقِ الْحَقِّ، وَعَلَّمَهُ مَعْرِفَةً وَعَرَّفَهُ سَبِيلَ الْفَهْمِ؟” إشعياء ٤٠: ١٣، ١٤، فكأنَّه يَقول: لقد كُنَّا نَقولُ قديمًا مَن عَرَفَ فِكْر الرَّبِّ فيُعلِّم الرَّبَّ ويُرشِده أمَّا الآن فهُناك اختلافٌ، هذا الاختلاف هو “نَحن الآن لنا فِكْر المسيح” أي (ذهن المسيح، عقله وتفكيره).

 هُنا يُريد أنْ يَقول إنَّ العهدَ القديم كانَ مُتوقِّفًا عند نُقطةٍ مُعيَّنةٍ أمَّا الآن فقد أُبيح بها وصارَتْ مَعروفة لنا، هللويا، مُبارَك اسم الرَّب.

دعونا نفتح الإصحاح التالي، إذ يقول: “١ وَأَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُكَلِّمَكُمْ كَرُوحِيِّينَ، بَلْ كَجَسَدِيِّينَ كَأَطْفَال فِي الْمَسِيحِ، ٢ سَقَيْتُكُمْ لَبَنًا لاَ طَعَامًا، لأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَعْدُ تَسْتَطِيعُونَ، بَلِ الآنَ أَيْضًا لاَ تَسْتَطِيعُونَ، ٣ لأَنَّكُمْ بَعْدُ جَسَدِيُّونَ. فَإِنَّهُ إِذْ فِيكُمْ حَسَدٌ وَخِصَامٌ وَانْشِقَاقٌ، أَلَسْتُمْ جَسَدِيِّينَ وَتَسْلُكُونَ بِحَسَبِ الْبَشَرِ؟ ٤ لأَنَّهُ مَتَى قَالَ وَاحِدٌ: «أَنَا لِبُولُسَ» وَآخَرُ: «أَنَا لأَبُلُّوسَ» أَفَلَسْتُمْ جَسَدِيِّينَ؟” ١ كورنثوس ٣: ١-٤.

هُنا نُلاحِظ أنَّ الكلمةَ اليُونانيَّة المُترجَمة “أَطْفَال” هي لفظة تُستخدَم للتعبير عن حالات الإعاقة، فيقول: “كمُعاقين في المسيح….”. لم يستطِعْ بُولس أنْ يُقدِّم لهم طعامًا قويًّ للبالِغين، بل أعطاهم اللبن لأنَّهم جسديون، فمازال فيهم حسدٌ وخصامٌ ولا يزالوا يتضايقون مِن الناسِ.

 كذلك مُؤمِنون هذه الأيام هُناك البَعضُ مازال لا يَعجِبهم بعضَ الناسِ مِن حولِهم، فيتكلَّمون بكلامٍ مُعيَّنٍ عنهم، وفي وقتِ العملِ يَرتدون ثيابًا مُختلِفة عن ثيابِ المُؤمِنين الَّتي يرتدونها في الكنيسة. إنْ كُنْتَ مُستمِرًا تفعل هذا، فأنتَ لازلْتَ جسديًّا وتَسير بحواسِك الخمس.

 ألَّا تعلَم أنَّ التَّصرُّفَ النفسانيَّ يُؤدِي إلى التَّصرُّف الجسدانيّ وهذا هو السبب الَّذي لأجلِه أتحدَّثُ في هذه السلسلة عن كيف تُسيطِر على النَفْسِ والجسدِ لأنَّ مَن يَسلُك بالصورةِ النفسيَّةِ العاديَّة البشريَّة سيَصِل به الأمر حتمًا أنْ يَسلُك بالجسدِ.

ثُمَّ يُكمِل قائِلًا: “لأَنَّكُمْ بَعْدُ جَسَدِيُّونَ. فَإِنَّهُ إِذْ فِيكُمْ حَسَدٌ وَخِصَامٌ وَانْشِقَاقٌ، أَلَسْتُمْ جَسَدِيِّينَ وَتَسْلُكُونَ بِحَسَبِ الْبَشَرِ؟” ١ كورنثوس ٣: ٣). يتعجَّبُ بولسُ مِنْهم ويَقول: إنْ كانَ هذا فيكم ألستم تَسلُكون بحسبِ البشر؟ إذًا فليس مِن المُفترَض أنْ نسلُك بحسبِ البَشرِ، ليس مرسوم لنا أنْ نَسلُك بحسب البشر العاديين.

▪︎ أشياءٌ لا بدَّ مِن اقتلاعها!

دَعُونا نفتحُ إنجيلَ متَّى الإصحاح الخامِس عشر لنَرَى الأشياء الَّتي كانَ يسوع يُحاوِل أنْ يقتلِعها، وبولس أيضًا كان يَفعل مِثْل يسوع ويُحاوِل أنْ يقتلعَ تلك الأمور، دعونا نرَى ما هي الأمور الَّتي كانَ بولس يُحاوِل أنْ يقتلعها:

“١ حِينَئِذٍ جَاءَ إِلَى يَسُوعَ كَتَبَةٌ وَفَرِّيسِيُّونَ الَّذينَ مِنْ أُورُشَلِيمَ قَائِلِينَ: ٢ «لِمَاذَا يَتَعَدَّى تَلاَمِيذُكَ تَقْلِيدَ الشُّيُوخِ، فَإِنَّهُمْ لاَ يَغْسِلُونَ أَيْدِيَهُمْ حِينَمَا يَأْكُلُونَ خُبْزًا؟» ٣ فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: «وَأَنْتُمْ أَيْضًا، لِمَاذَا تَتَعَدَّوْنَ وَصِيَّةَ اللهِ بِسَبَب تَقْلِيدِكُمْ؟ ٤ فَإِنَّ اللهَ أَوْصَى قَائِلاً: أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، وَمَنْ يَشْتِمْ أَبًا أَوْ أُمًّا فَلْيَمُتْ مَوْتًا. ٥ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَقُولُونَ: مَنْ قَالَ لأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ: قُرْبَانٌ هُوَ الَّذي تَنْتَفِعُ بِهِ مِنِّي. فَلاَ يُكْرِمُ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ. ٦ فَقَدْ أَبْطَلْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ بِسَبَب تَقْلِيدِكُمْ! ٧ يَا مُرَاؤُونَ! حَسَنًا تَنَبَّأَ عَنْكُمْ إِشَعْيَاءُ قَائِلاً: ٨ يَقْتَرِبُ إِلَيَّ هذَا الشَّعْبُ بِفَمِهِ، وَيُكْرِمُني بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا. ٩ وَبَاطِلاً يَعْبُدُونَني وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ». ١٠ ثُمَّ دَعَا الْجَمْعَ وَقَالَ لَهُمُ: «اسْمَعُوا وَافْهَمُوا. ١١ لَيْسَ مَا يَدْخُلُ الْفَمَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ، بَلْ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ هذَا يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ». ١٢ حِينَئِذٍ تَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَقَالُوا له: «أَتَعْلَمُ أَنَّ الْفَرِّيسِيِّينَ لَمَّا سَمِعُوا الْقَوْلَ نَفَرُوا؟» ١٣ فَأَجَابَ وَقَالَ: «كُلُّ غَرْسٍ لَمْ يَغْرِسْهُ أَبِي السَّمَاوِيُّ يُقْلَعُ. ١٤ اُتْرُكُوهُمْ. هُمْ عُمْيَانٌ قَادَةُ عُمْيَانٍ. وَإِنْ كَانَ أَعْمَى يَقُودُ أَعْمَى يَسْقُطَانِ كِلاَهُمَا فِي حُفْرَةٍ». ١٥ فَأَِّجَابَ بُطْرُسُ وَقَالَ لَهُ: «فَسِّرْ لَنَا هذَا الْمَثَلَ». ١٦ فَقَالَ يَسُوعُ: «هَلْ أَنْتُمْ أَيْضًا حَتَّى الآنَ غَيْرُ فَاهِمِينَ؟ ١٧ أَلاَ تَفْهَمُونَ بَعْدُ أَنَّ كُلَّ مَا يَدْخُلُ الْفَمَ يَمْضِي إِلَى الْجَوْفِ وَيَنْدَفِعُ إِلَى الْمَخْرَجِ؟ ١٨ وَأَمَّا مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ فَمِنَ الْقَلْب يَصْدُرُ، وَذَاكَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ، ١٩ لأَنْ مِنَ الْقَلْب تَخْرُجُ أَفْكَارٌ شِرِّيرَةٌ: قَتْلٌ، زِنىً، فِسْقٌ، سِرْقَةٌ، شَهَادَةُ زُورٍ، تَجْدِيفٌ. ٢٠ هذِهِ هِيَ الَّتي تُنَجِّسُ الإِنْسَانَ. وَأَمَّا الأَكْلُ بِأَيْدٍ غَيْرِ مَغْسُولَةٍ فَلاَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ».” متى ١٥: ١-٢٠.

في هذا النَّص يُذكِّرهم الرَّبُّ بوصيةِ الكتابِ عن إكرامِ الوالِدين في العهدِ القديمِ، وكيف إنَّهم يُخالِفون الوصيَّة تلك بقولِهم لآبائِهم أو أمهاتهم: “لا أستطيعُ أنْ أُعطِي تلك الأشياء لكَ لأنِّي سأُقدِّمها قُربانًا على المذبَح أو في الهيكل!” أليس بذلك يتعدون على وصية الله؟!

هذا لا يُعنِي أنَّ العشورَ كانَتْ تُقدَّم للأُسر فقط، لا، حَيْثُ كانَ اليَهود عندهم ثلاثة أعشار، أحدهم كانَ يُقدَّم للرَّبِّ في الهيكل كامِلًا بلا نُقصان ولا استقطاع وتلك الَّتي نسميها اليوم العشور، والعُشْر الثاني والعشر الثالث يتمُّ إعطائهما إلى ثلاثِ جهاتٍ: أولًا لبيت الرَّبِّ، ثانيًا للفقير، ثالثًا للمسكين والغريب.

في هذا المَقطع يتكلَّمُ عن العُشرين الثاني والثالث أمَّا الأوَّل فكانَ يُقدَّم تمامًا كُلَّه إلى بيتِ الرَّبِّ وكانَ مَمنوعً أنْ يَخرُج خارِج بيتِ الرَّبِّ أو أنْ يتمَّ إعطائه إلَّا للرَّبِّ. فحين يَمتنِعُ الإنسانُ عن إعطاءِ العُشرِ الثاني أو الثالث لأبيه وأمه فهو بهذا يمتنعُ عن إكرام والديه وبالتَّالي يتعدَّى وصيةَ الله.

مِن هذا يُعلِّمنا الرَّبُّ نقطةً هامةً وهي أنَّ إكرام الآخرين يتمُّ عن طريق تقديم العطايا لهم، فالكتابُ المُقدَّسُ يُعلِّمنا طُرقَ الإكرام وإحدى هذه الطُرق أنْ تُعطِي تسبيحًا وإكرامًا للرَّبِ، كما أنَّ طريقة إكرام الرَّبِّ لنا هي بأنْ يُعطينا عطايا جيَّدة، لذلك وبَّخَهم الرَّبُّ علي إبطالهم لوصيَّة الله باستبدالها بمفاهيم بشريَّة عاديَّة وإحلالها مَحل وصيَّة الرَّبِّ.

إذًا كانَ جوابُ الرَّبِّ لَهم على سؤالِهم بسؤالٍ استنكاريٍّ، مِن ثَّمَّ رَدَّ بعد ذلك على سؤالهم الثاني الخاص بغَسْل أيدي التلاميذ مُوضِّحا لهم: “إنَّ ما يَخرُج مِن الفَمِ هو الَّذي يُنجِّس الإنسان وليس ما يَدخُل إلى فمِهِ.”

تمعَّنْ في قَوْل الرَّبِّ هذا: “١٣ كُلُّ غَرْسٍ لَمْ يَغْرِسْهُ أَبِي السَّمَاوِيُّ يُقْلَعُ”. أيُّ شيءٍ تَضَعه في حياتِك ليْسَ مصدره الرَّبُّ، مصيره لابُد وأنْ يكونَ الاقتلاع لأنَّه غيرُ مَبني على كلمةِ اللهِ. لقد قرأت مَعكم الشاهِد مِن بدايته لكي أُركِّزَ على أنَّ هُناك وصايا للناس ووصايا لله وأيُّ شيءٍ ليس وصيَّةَ الله سيُقلَع.

 ما هو الشيءُ الثابِتُ القويُّ الَّذي يستحيل أنْ يُقلَع؟ نقرأُ في عبرانيين أنَّه سيَأتي وقتٌ يتزعزعُ فيه كلُّ شيءٍ قابِل للتزعزُع، إنَّ كلمة “سيتزعزع” تتحدَّثُ عن الأمورِ البشريَّةِ، فالإنسانُ غيرُ مُصمَّمٍ لكي يَسيرَ بالأمورِ البشريَّةِ كما أنَّ مُبرِّد المياه غيرُ مُصمَّمٍ لكي يَغسلَ الملابس والغسَّالات غيرُ مُصمَّمةٍ لحِفْظ الأطعمةِ، هكذا النَفْس البشريَّة، فهي ليْسَتْ مُصمَّمةً لتسير بالطُرق البشريَّة بل بالطُرقِ الرُّوحيَّة.

لهذا قالَ الرَّبُّ: “اُتْرُكُوهُمْ. هُمْ عُمْيَانٌ قَادَةُ عُمْيَانٍ. وَإِنْ كَانَ أَعْمَى يَقُودُ أَعْمَى يَسْقُطَانِ كِلاَهُمَا فِي حُفْرَةٍ».” متى ١٥: ١٤.

▪︎ مجدٌ يبدأ مِن الآن!

“٤ حَتَّى إِنَّنَا نَحْنُ أَنْفُسَنَا نَفْتَخِرُ بِكُمْ فِي كَنَائِسِ اللهِ، مِنْ أَجْلِ صَبْرِكُمْ وَإِيمَانِكُمْ فِي جَمِيعِ اضْطِهَادَاتِكُمْ وَالضِّيقَاتِ الَّتي تَحْتَمِلُونَهَا، ٥ بَيِّنَةً عَلَى قَضَاءِ اللهِ الْعَادِلِ، أَنَّكُمْ تُؤَهَّلُونَ لِمَلَكُوتِ اللهِ الَّذي لأَجْلِهِ تَتَأَلَّمُونَ أَيْضًا. ٦ إِذْ هُوَ عَادِلٌ عِنْدَ اللهِ أَنَّ الَّذينَ يُضَايِقُونَكُمْ يُجَازِيهِمْ ضِيقًا، ٧ وَإِيَّاكُمُ الَّذينَ تَتَضَايَقُونَ رَاحَةً مَعَنَا، عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ الرَّبِّ يَسُوعَ مِنَ السَّمَاءِ مَعَ مَلاَئِكَةِ قُوَّتِهِ، ٨ فِي نَارِ لَهِيبٍ، مُعْطِيًا نَقْمَةً لِلَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ اللهَ، وَالَّذي نَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، ٩ الَّذينَ سَيُعَاقَبُونَ بِهَلاَكٍ أَبَدِيٍّ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ وَمِنْ مَجْدِ قُوَّتِهِ، ١٠ مَتَى جَاءَ لِيَتَمَجَّدَ فِي قِدِّيسِيهِ وَيُتَعَجَّبَ مِنْهُ فِي جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ. لأَنَّ شَهَادَتَنَا عِنْدَكُمْ صُدِّقَتْ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ. ١١ الأَمْرُ الَّذي لأَجْلِهِ نُصَلِّي أَيْضًا كُلَّ حِينٍ مِنْ جِهَتِكُمْ: أَنْ يُؤَهِّلَكُمْ إِلهُنَا لِلدَّعْوَةِ، وَيُكَمِّلَ كُلَّ مَسَرَّةِ الصَّلاَحِ وَعَمَلَ الإِيمَانِ بِقُوَّةٍ، ١٢ لِكَيْ يَتَمَجَّدَ اسْمُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِيكُمْ، وَأَنْتُمْ فِيهِ، بِنِعْمَةِ إِلهِنَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.” (٢ تسالونيكي ١: ١٢.

في العددِ العاشرِ يتحدَّثُ عن تعجُّبِ المُؤمِنين المَوجودين في الضيقةِ مِن تمجُّد الرَّبِّ في قديسيه. أمَّا في العددِ الحادي عشر فيتحدَّثُ عن أنَّه يُصلِّي لكي يتأهَّلوا لتلك الدعوة هل أنتَ تَعرِفُ أنَّك تَحتاجُ أنْ تَكون مُؤهَّلًا لتلك الدعوة ولهذا اليوم لكي يتمجَّد الرَّبُّ يسوع فينا هُنا على الأرضِ. هذا معناه أنَّه إنْ لم يَحدُثُ تمجيدٌ للرَّبِّ هُنا على الأرضِ فسوف لن يَحدُث فيما بعد!

لكن كيف يَحدُث هذا الأمر؟ في رسالة بطرس الأولى الإصحاح الرابع والعدد الثالث عشر يقول: “١٣ بَلْ كَمَا اشْتَرَكْتُمْ فِي آلاَمِ الْمَسِيحِ، افْرَحُوا لِكَيْ تَفْرَحُوا فِي اسْتِعْلاَنِ مَجْدِهِ أَيْضًا مُبْتَهِجِينَ. ١٤ إِنْ عُيِّرْتُمْ بِاسْمِ الْمَسِيحِ، فَطُوبَى لَكُمْ، لأَنَّ رُوحَ الْمَجْدِ وَاللهِ يَحِلُّ عَلَيْكُمْ. أَمَّا مِنْ جِهَتِهِمْ فَيُجَدَّفُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مِنْ جِهَتِكُمْ فَيُمَجَّدُ.” (١ بطرس ٤: ١٣، ١٤.

 يَقولُ الرسولُ بُطرس: افرحوا في الرَّبِّ الآن لكي تَفرحوا فيما بعد عند استعلان مَجده أيضًا مُبتهِجين، فنحن نُذخِّر اليوم رصيدًا لِما سيَحدُث فيما بعدِ، وحين يُمجَّد الرَّبُّ سيتمُّ التَّعجُب مِن هذا لدى المُؤمِنين الَّذين في الأرضِ.

دَعونا أيضًا نفتحُ الرسالة الثانية إلى تسالونيكي، إذْ يَقولُ: “١١ الأَمْرُ الَّذي لأَجْلِهِ نُصَلِّي أَيْضًا كُلَّ حِينٍ مِنْ جِهَتِكُمْ: أَنْ يُؤَهِّلَكُمْ إِلهُنَا لِلدَّعْوَةِ، وَيُكَمِّلَ كُلَّ مَسَرَّةِ الصَّلاَحِ وَعَمَلَ الإِيمَانِ بِقُوَّةٍ، ١٢ لِكَيْ يَتَمَجَّدَ اسْمُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِيكُمْ، وَأَنْتُمْ فِيهِ، بِنِعْمَةِ إِلهِنَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.” (٢ تسالونيكي ١: ١١، ١٢.

 هنا نَرَى أنَّ بولس الرسول يُصلِّي لأجلِهِم أنْ يُؤهِّلهم الرَّبُّ للدعوةِ ويُكمِّل كُلَّ مسرةِ الصلاح. إنَّ كلمةَ “مَسَرَّةِ الصَّلاَحِ” يُقصَد بها أنْ تعملَ الأمورَ بكامِل إرادته، لكي نفهم هذا الأمر دعونا نرجع الى رسالة أفسس الإصحاح الأول، إذْ يَقول: “إِذْ عَرَّفَنَا بِسِرِّ مَشِيئَتِهِ، حَسَبَ مَسَرَّتِهِ الَّتي قَصَدَهَا فِي نَفْسِهِ.” أفسس ١: ٩.

 كما قُلْتُ سابِقًا إنَّ هُناك كلمتين في اللُّغة اليونانيَّة مُختلفتين عن بعضهما، الأولَى هي كلمة “مَشِيئَتِهِ“، أمَّا الثانية فهي كلمة “مَسَرَّتِهِ“، كلتا الكلمتين موجودتان في النَّصِّ السابِق، فهو يُريد أشياءٌ لنا ويَعملها لنا بكُلِّ أريحيَّة.

كما أنَّ الكلمةَ اليُونانيَّة المُستخدَمة هُنا تَختلِفُ عن الكلمة المُترجَمة إلى لفظِ “القصد” في هذا النَّصّ: “الَّذي فِيهِ أَيْضًا نِلْنَا نَصِيبًا، مُعَيَّنِينَ سَابِقًا حَسَبَ قَصْدِ الَّذي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ.” أفسس ١: ١١. حَيْثُ تُعنِي أنَّه سيَفعلها ولابُد أنْ يَفعلها وسيُتمِّمها بدون مُقاوَمة، أمَّا الكلمة الأُولَى فتُوجَد فيها مُقاومةٌ، وهو لديه القُدرة على التَعامُل بالطريقتين، فهو يُحب أنْ يفعلَ الأمرَ وإنْ كانَ فيه مُقاومةٌ وخُشونةٌ.

 هُناك وقتٌ تُريد فيه أنْ تُصلِّي ولكن إنْ لم تُجبِر جسدك على ذلك سيَكون مِن الصعبِ عليك أنْ تفعلها، إنْ لم تَفعل ذلك اليوم فأنتَ بذلك تُقلِّل مِن مُستوَى المجدِ الَّذي يَنبغي أنْ تكون عليه فيما بعد، فما تفعله اليوم يُؤثِّر على ما سيأتي. في الإصحاح الثاني مِن رسالةِ كورنثوس الأُولَى، يَقول الوحي عن تلك الأمور المَجيدة إنَّه قد أعدَّها لمجدنا: “بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرّ: الْحِكْمَةِ الْمَكْتُومَةِ، الَّتي سَبَقَ اللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا.” ١ كورنثوس ٢: ٧.

لقد كانَ ما أعدَّه الله للَّذين يُحبونه مَخفيًّا ومَكتومًا على مرِّ السنين ولم يتحدَّث عنه أحدٌ. رأى أخنوخ أو ذاقَ بعضًا مِن هذا المَجدِ في حياتِهِ على الأرضِ حتَّى أَخَذه الرَّبُّ إليه، ذلك المجد الَّذي تناقله وتَحدَّثَ عنه البعضُ لكنَّهم لم يكونوا يُدرِكون أبعاد هذا المجد بشكلٍ جيدٍ إلى أنْ جاءَ ربنا يسوع المسيح وأعطانا طريقة تفكيره؛ “«لأَنَّهُ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ فَيُعَلِّمَهُ؟» وَأَمَّا نَحْنُ فَلَنَا فِكْرُ الْمَسِيحِ.” ١ كورنثوس ٢: ١٦. أي ذهن المسيح.

 إنْ سِرْتَ بالرُّوح اليوم فأنتَ تسيرُ بالمجدِ المُعدِّ لنا سابقًا وسيُؤثِّر هذا على المَجد الَّذي سنَكون عليه فيما بعد، وهذا الأمر كان لابُد أنْ يتمَّ الكشفَ عنه عَبْر الزمن وهذه الاجراءات قد كُشِفَتْ لنا اليوم وسوف يَظهرُ هذا المَجدِ بأكثر وضوح في المُلْكِ الألفي.

في كُلِّ مرةٍ تتعامَل بالجسدِ فأنتَ تُقلِّل مِن وَهَج المجد والوميض الخاص بك واستنارتك في عالَم الرُّوح، وقتئذ ستكتشفُ أمرًا خطيرًا وهو أنَّ الحياة في الأرضِ قد صارَتْ صعبةً. دعنا نقرأُ في رسالة غلاطية والإصحاح الخامس ما يَقوله بُولس.

“١٦ وَإِنَّمَا أَقُولُ: اسْلُكُوا بِالرُّوحِ فَلاَ تُكَمِّلُوا شَهْوَةَ الْجَسَدِ. ١٧ لأَنَّ الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحُ ضِدَّ الْجَسَدِ، وَهذَانِ يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، حَتَّى تَفْعَلُونَ مَا لاَ تُرِيدُونَ. ١٨ وَلكِنْ إِذَا انْقَدْتُمْ بِالرُّوحِ فَلَسْتُمْ تَحْتَ النَّامُوسِ. ١٩ وَأَعْمَالُ الْجَسَدِ ظَاهِرَةٌ، الَّتي هِيَ: زِنىً عَهَارَةٌ نَجَاسَةٌ دَعَارَةٌ ٢٠ عِبَادَةُ الأَوْثَانِ سِحْرٌ عَدَاوَةٌ خِصَامٌ غَيْرَةٌ سَخَطٌ تَحَزُّبٌ شِقَاقٌ بِدْعَةٌ ٢١ حَسَدٌ قَتْلٌ سُكْرٌ بَطَرٌ، وَأَمْثَالُ هذِهِ الَّتي أَسْبِقُ فَأَقُولُ لَكُمْ عَنْهَا كَمَا سَبَقْتُ فَقُلْتُ أَيْضًا: إِنَّ الَّذينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ. ٢٢ وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ ٢٣ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ. ضِدَّ أَمْثَالِ هذِهِ لَيْسَ نَامُوسٌ. ٢٤ وَلكِنَّ الَّذينَ هُمْ لِلْمَسِيحِ قَدْ صَلَبُوا الْجَسَدَ مَعَ الأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ. ٢٥ إِنْ كُنَّا نَعِيشُ بِالرُّوحِ، فَلْنَسْلُكْ أَيْضًا بِحَسَبِ الرُّوحِ. ٢٦ لاَ نَكُنْ مُعْجِبِينَ نُغَاضِبُ بَعْضُنَا بَعْضًا، وَنَحْسِدُ بَعْضُنَا بَعْضًا.” غلاطية ٥: ١٩-٢٦.

 عندما تَسلُك بالرُّوح وتُخرِج ثَمر روحك، لن يستطيع أي قانون الوقوف أمامك! فضدُّ هذه وأمثالها لا يُمكِن أنْ يَقف قانونٌ أو ناموسٌ، وتصغير هذا في الأرضِ أنَّه حين يتعامل شخصٌ مع آخر بمحبةٍ لا يُمكِن أنْ يقول له أحدٌ أنَّه مُخطِئٌ، فلن يَستطيع أحدٌ أنْ يُجرِّم السُلوك برحمةٍ أو بمحبةٍ مع الآخرين.

▪︎ سرُّ الحياة الَّتي لا تُهزَم!

لكن هُنا يتحدَّث عن أمرٍ آخر وهو أنَّه يَستحيل أنْ يَقفَ أيُّ قانونٍ أو حساباتٍ سواء قوانين طبيَّة أو فيزيائيَّة أو حتَّى عُرْف أو إطار يعترف الناس به ضدَّ الثَمر الخارِج مِن رُوح الإنسان المُفتدَى بدمِ يسوع، فالإنسانُ حِين يَسيرُ بالرُّوحِ لا يُمكِن أنْ ينهزم، إنَّها مُعادَلة، فالأمرُ مُرتبِطٌ بإذا كُنْتَ تَسير بمجدِ الرَّبِّ أم لا وبماهية رصيد حياتك وأنتَ تتحرَّك على الأرضِ.

نَعودُ مرةً أُخرَى إلى رسالة تسالونيكي الثانية: “الأَمْرُ الَّذي لأَجْلِهِ نُصَلِّي أَيْضًا كُلَّ حِينٍ مِنْ جِهَتِكُمْ: أَنْ يُؤَهِّلَكُمْ إِلهُنَا لِلدَّعْوَةِ، وَيُكَمِّلَ كُلَّ مَسَرَّةِ الصَّلاَحِ وَعَمَلَ الإِيمَانِ بِقُوَّةٍ.” (٢ تسالونيكي ١: ١١.

كلُّ شيءٍ تَفْعَله هل تفعله بإيمانٍ أم لا؟ تذكَّرْ ما هي الأمور الَّتي تَفسَد عند الإنسانِ، قال لهم بولس إنَّه لم يَرُد أنْ يتحدَّث معهم بالحكمةِ الإنسانيَّة البشريَّة العاديَّة لكي لا يكون إيمانهم مُرتكِزًا على حكمةِ الناسِ بل على قوةِ الله، فإنْ كانَ إيمانك مُرتكِزًا على مبادئ الكلمة فأنتَ في حالة قوة، لذلك يَقول: “كُلَّ مَسَرَّةِ الصَّلاَحِ وَعَمَلَ الإِيمَانِ بِقُوَّةٍ“، بلُغةٍ أُخرَى يَقول لهم: “أنْ يَعمل الرُّوح القُدس فيكم لكي تَستطيعوا أنْ تَفْعلوا ما قد سَبَقَ وتَمَّ تخطيطه لكم مِن قِبل الله”، تلك الخطط الصالِحة الجميلة الرائِعة لنا الَّتي هي مسرة الآب والَّتي لكي تفعلها يجب أنْ تكون مَسرة الآب لكَ أنتَ أيضًا.

هذا معناه أنَّك تتحرَّك بمُحاذاة وبخضوع لما تقوله الكلمة، فحين تأتي إليك الفِكْرة الَّتي تقول إنَّ هذا الأمر مُستحيلٌ، حينئذ يُذكِّرك الرَّبُّ بكلماتِهِ الَّتي تَقول إنَّ كُلَّ شيءٍ مُستطاعٌ لدى المُؤمِن، لذلك فحين تنحاز لتلك الفِكْرة وتضع نفسك بتلك المُحاذاة حينئذ ستَكون ركيزة إيمانك على قوةِ الله لا على الحكمةِ البشريَّة الَّتي تَقول لكَ إنَّ هذا الأمر صعبٌ ويَستحيل أنْ يَحدُث.

رُبما يَكون هذا مُقنِعًا بشريًّا لكن حين تَنظرُ إلى كلمة الرَّبِّ ستَمتلئ بالإيمان الَّذي يَجعلك تَقول: أستطيعُ أنْ أصنعَ هذا الأمر. إنْ سِرْتَ بهذه الطريقة طوال الوقت وليس فقط في وقت الصلاة الَّتي قد تُركِّز فيها ثُمَّ تفقد تركيزك بعد ذلك، سوف تجد أنَّ هذا الأمر يَحدُث بقوة الرُّوح القُدس وتستطيع أنْ تُكمِل مسرَّة الصَّلاح، تُكمِل هذا الأمر وتُؤهَّل له، وتسير فيه وهذه هي المَسرَّة الإلهيَّة وهذا هو الصلاح الإلهي الَّذي يُريد الله أنْ يَعْمَله فيك.

هذا هو فِكْر الله وهذه هي مَشيئته الَّتي تَحدَّثَ عنها في الإصحاح الأوَّل مِن أفسس والإصحاح الأوَّل مِن تسالونيكي الثانية أيضًا. بعد هذا كُلُّ شيءٍ تفعله فافعله بإيمانٍ وبقوةِ الرُّوح القُدس وبهذا يتمجَّد اسم ربنا يسوع المسيح فيك وأنتَ فيه، حيْثُ قالَ: “١٢ لِكَيْ يَتَمَجَّدَ اسْمُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِيكُمْ، وَأَنْتُمْ فِيهِ، بِنِعْمَةِ إِلهِنَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.”

كما أنَّ كلمة “فِيكُمْ” تُعنِي وبينما نحن هنا على الأرض نستطيع أنْ نَرَى مجد الله (وليس فقط في المُلك الألفي) ويُرى على حياتنا هنا، أمَّا كلمة “وَأَنْتُمْ فِيهِ” فتُعنِي أنَّكم مُستلِمون تلك الطاقة مِنه ومعروف أنَّكم فيه كما قالَ بُولس في رسالة فيلبي: “٨ بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي، الَّذي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ، ٩ وَأُوجَدَ فِيهِ، وَلَيْسَ لِي بِرِّي الَّذي مِنَ النَّامُوسِ، بَلِ الَّذي بِإِيمَانِ الْمَسِيحِ، الْبِرُّ الَّذي مِنَ اللهِ بِالإِيمَانِ.” فيلبي ٣: ٨، ٩.

▪︎ السُّلوك بالرُّوح مُفتاح المَجد:

في هذا العدد يَقولُ الرَّسول بُولس إنَّه يُريد أنْ لا يَعرِفه أحدٌ بأي هويَّةٍ أو صِفةٍ إلَّا بكونِهِ فيه (أي في المسيح)، فهويتي تُعرَّف فقط بأنَّني فيه، ولا أُريد أنْ يكون لي ارتباطٌ بأي شيءٍ أو أمرٍ آخر سواه أو أي شخصٍ آخر سواه إلي أنْ ينحصر في أمرٍ واحدٍ وهو أنْ يَعرِفه.

لاحِظْ أنَّ كونه يَقول أنْ يتمجَّد المسيح فيكم وأنتم فيه، فهذا يُعنِي أنَّ هُناك مَجدًا مُرتبِطًا بالعِلاقة الروحيَّة بينك وبين الرُّوح القُدس، إنْ كانَتْ علاقتك معه هي مصدر طاقتك فأنتَ بذلك تَسير في الرُّوح، لكن إنْ كُنْتَ مُهتمًّا بالأمور الأرضيَّة فأنتَ تَسير في الجسدِ!

لهذا السبب قالَ بُولس لكنيسة كورنثوس: “وَأَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُكَلِّمَكُمْ كَرُوحِيِّينَ، بَلْ كَجَسَدِيِّينَ كَأَطْفَال (مُعاقين) فِي الْمَسِيحِ.” ١ كورنثوس ٣: ١. حيْثُ استخدمَ لفظة “نيبيوس” اليونانيَّة الَّتي تُعنِي “مُعاقين” وذلك لأنَّهم كانوا يَفعلون مِثْل البشر العاديين، هذا معناه أنَّ المُستوَى الَّذي يُريدني الرُّوح القُدس أنْ أسيرَ فيه هو ألَّا أكون مُشتَّتًا أو مَسحوبًا أو سرحانًا ولا يَأخُذني العالَم وألَّا أتحرَّك بصورةٍ مُشابِهةٍ للبشر.

لأنَّه حينئذ سيَكون هناك قلقًا على حياتي إذْ سيبدأ المَجد الَّذي يَجب أنْ أكونَ عليه وأظهر فيه في أنْ يَبهُت ويَضعُف ويَخبو وبذلك سأكون خارِج الصورة أو العلاقة السليمة الَّتي يُفترَض أنْ أكون عليها؛ فطاقتنا مُرتبِطةٌ بتلك العلاقة.

كيف أَصِلُ إلى تلك النُقطة؟ يَحدُث ذلك عن طريق السُّلوك بالرُّوح، لذلك قالَ لم أستطِع أنْ أُكلِّمكم كروحيين بل كجسديين، فالشخصُ الَّذي يَسير بالجسد تكون الأمور الإلهيَّة بالنسبة له حماقةً، وأحيانًا لا يُعني هذا أنَّه يَرفُض عملَ الرَّبِّ تمامًا، بل يَصير لديه نوعٌ مِن الازدواجيَّة فيُركِّز في الأمور الَّتي تَخصُّه مُتوازيًا مع الأمور الَّتي تَخُص الرَّب.

بالطبع هو بذلك يكون أمام الرَّبِّ ذا قلبٍ مُبتعِدٍ كالكتبة والفريسيين الَّذين شخَّصَ الرَّبُّ بنفسهِ حالة قلبهم قائِلًا “إنَّ هذا الشعب يتكلَّم عني بفمه فقط لكن قلبه شارِدٌ عني بعيدًا”. فعبادته للرَّبِّ عبارة عن قشور خارجيَّة. هذا هو السبب الَّذي جعلَ الرَّبُّ يَقول عنهم: “اُتْرُكُوهُمْ. هُمْ عُمْيَانٌ قَادَةُ عُمْيَانٍ. وَإِنْ كَانَ أَعْمَى يَقُودُ أَعْمَى يَسْقُطَانِ كِلاَهُمَا فِي حُفْرَةٍ”. متى ١٥: ١٤.

▪︎ ختامًا: اقتلِعْ ما يَعوق مجدك!

 للأسف هُناك أمورٌ زُرِعَتْ في حياة الإنسان وهي ليسَتْ إلهيَّة؛ إنَّها الأمور البشريَّة النفسانيَّة الأرضيَّة، فرئيسُ هذا العالَم إبليس هو الَّذي يعمل الآن في أبناء المعصية. ما الطريقة إذًا للخُروج مِن هذا وأنْ يتمجَّد الرَّبُّ فينا ونحن فيه؟! ببساطة أنْ تَسلُك بالرُّوح، فحياتك اليوم تُعَدُّ وتُحسَب لما هو آتٍ. إياك أنْ تَكون هشًّا بل لتَسِر بالمجد الإلهي مِن هُنا على الأرضِ.

إنْ كانَ المَنطِقُ البشريُّ يَقول هذا الأمر مستحيل الحدوث، بينما كلمة الله تُنبِئك بأنَّ حُدوثه مُمكِن، وذلك لأنَّ لديك ذخيرة مِن كلمة الرَّبِّ تقول لك إنَّك تَستطيع كلَّ شيءٍ في المسيح يسوع الَّذي يَحقِن في داخلك قوة الرُّوح القُدس فيُقويك، إذًا تَستطيع أنْ تعيشَ هذا الأمر بقوة الرُّوح القُدس وتنتصر عليه.

إنْ كُنْتَ تحتاج إلى بعض التوقيعات على بعض الأوراق الَّتي يقول عنها الناس إنَّها صعبةُ المَنال، تقول لك الكلمة وتُذكِّرك بأنَّك تستطيع كلَّ شيءٍ في المسيح يسوع الَّذي يُقويك، فالرَّبُّ نفسه يُريد لكَ هذا؛ أنْ يتمجَّد فيك هُنا وأنَ تتمجَّد أنتَ فيه أيضًا. حين تكون مُمتلِئًا ومُرتكِزًا على ركيزة صحيحة وليس على حكمةٍ بشريَّةٍ، لن تتعامل مع المُعجِزات على أنَّها رُبما تَحدُث أو قد لا تَحدُث. لن يكون لديك هذا الارتياب بل تَكون مُتيقِّنًا.

استنادك على رصيدٍ قويٍّ مِن الكلمة يَجعلك تُؤمِن بأنَّ الأمرَ قد حدثَ بالفِعْل وبأنَّك قد نِلْتَ مُعجِزتك. تُؤدِي الحكمة البَشريَّة إلى السلوك بالجسد ولكن إنْ سِرْتَ بالحكمةِ الإلهيَّةِ فأمانك يكون مَبنيًّا ومُرتكِزًا على كلمة الله وحكمته، مُرتكِزًا على قوة الله وتدخُّله في ظروفك الَّذي يَجعلك تَسير دائمًا في ازدياد وليس في نُقصان.

بقوةٍ وليس بضعفٍ لذلك قالَ لهم بُولِس: “يُكَمِّلَ كُلَّ مَسَرَّةِ الصَّلاَحِ وَعَمَلَ الإِيمَانِ بِقُوَّةٍ.” (٢ تسالونيكي ١: ١١. اختَرْ أنْ تَسير بذلك، اختَرْ أنْ تسير بالرُّوح وبقوتِه وتأثيرِه الَّذي سيُخبِرك بكل ما هو لكَ في المسيح ولا تنجذب للعالَم ولا تتشتَّت بالأفكار الَّتي تأتي لكَ مِن العالَم ومِن إبليس بل رد عليها بأنْ تَقول: “أنا سأُركِّز فقط على الكلمة وعلى الرُّوح القُدس!” هذا ما سيُساعِدك فيما بعد على أنْ ترَى تدخُّلات الرُّوح القُدس في حياتك، آمين.

__________

من تأليف وإعداد وجمع خدمة الحق المغير للحياة وجميع الحقوق محفوظة. ولموقع خدمة الحق المغير للحياة الحق الكامل في نشر هذه المقالات. ولا يحق الاقتباس بأي صورة من هذه المقالات بدون إذن كما هو موضح في صفحة حقوق النشر الخاصة بخدمتنا.

 

Written, collected & prepared by Life Changing Truth Ministry and all rights reserved to Life Changing Truth. Life Changing Truth ministry has the FULL right to publish & use these materials. Any quotations are forbidden without permission according to the Permission Rights prescribed by our ministry.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

PNFPB Install PWA using share icon

Install our app using add to home screen in browser. In phone/ipad browser, click on share icon in browser and select add to home screen in ios devices or add to dock in macos

Hide picture