«ما هو هذا التعليم الجديد؟»
مراجعة كتابية لاهوتية معّمقة للاهوت الازدهار وتفكيك ادعاءات “إنجيل الرخاء”
«فَتَحَيَّرُوا كُلُّهُمْ، حَتَّى سَأَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَائِلِينَ: مَا هذَا؟ مَا هُوَ هذَا التَّعْلِيمُ الْجَدِيدُ؟» مرقس 1: 27
ربما يساورك التحير ذاته اليوم وأنت تطالع صفحات الكلمة أو تستمع إلى تعاليم تخص الشفاء الإلهي، أو تسديد الاحتياجات والمباركة المادية (الازدهار الإلهي). قد يبدو هذا التعليم جديداً أو غريباً على مسامعك، وربما تخشى لئلا يكون انحرافاً يندرج تحت ما يُطلق عليه البعض اسم “إنجيل الرخاء والازدهار الاستهلاكي”، مما يبعث في نفسك التردد أو التوجس من الضلال عن كلمة الله.
ندعوك في هذه السطور ألا تتسرع في إصدار الأحكام. دعنا نذهب معاً في رحلة فاحصة وموضوعية لعمق الكلمة المقدسة، متحرين الحقائق كما صاغها الوحي الإلهي في أصولها العبرية واليونانية، لنكتشف معاً مشيئة الله الحقيقية لحياتك.
أولاً: المقياس الحقيقي للتعليم الكتابي (بين جدّة الاستنارة وأصالة الحق)
ليس كل تعليم يبدو لك “جديداً” هو بالضرورة غريب عن كلمة الله أو دخيل عليها؛ فالجدّة هنا غالباً ما تكون نسبية وتتعلق بدرجة استنارتنا الشخصية لا بأصالة الحق نفسه.
حين قال الحاضرون عن تعليم الرب يسوع: «مَا هُوَ هذَا التَّعْلِيمُ الْجَدِيدُ؟»، لم يكن ما قدمه يسوع جديداً على فكر الآب الأزلي، بل كان جديداً ومذهلاً لذهنيتهم الرعوية التقليدية التي اعتادت القيود الحرفية.
تخيل شخصاً يقطع يومياً مسافات شاسعة للوصول إلى مخبز بعيد، ليتكشف له فجأة وجود مخبز عريق ملاصق لبيته منذ سنوات طويلة دون أن يلحظه. المخبز لم يؤسَّس اليوم، لكن وعي الشخص به هو الذي استجد.
هذا هو تماماً مفهوم “الاستنارة” الذي ذكره الرسول بولس في رسالته إلى أفسس:
«مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ…» أفسس 1: 18.
في اللغة اليونانية، يرتبط مفهوم الاستنارة وإعلان الحق بلفظة Apokalupsis (كشف الستار) وPhotizo (إضاءة ما كان مظلماً). يعني هذا أن الحق الإلهي مُذخر وموجود بالكامل في الكلمة، لكن الروح القدس يرفع الغطاء عنه تدريجياً لندركه.
«إن التعليم الكتابي لا يُقاس بالأغلبية العددية، ولا بالأقدمية الزمنية، ولا بمدى قدرة الواعظ على الإقناع العاطفي، بل بمدى تطابقه مع كلمة الله المستقيمة.»
ثانياً: حكمة تبرهن عليها نتائجها (تفكيك الاتهامات التاريخية)
دائماً ما يواجه الحق الإلهي بموجات من التشويه والشائعات. تأمل كلمات الرب يسوع وهو يصف جيله:
«١٦ وَبِمَنْ أُشَبِّهُ هذَا الْجِيلَ؟ يُشْبِهُ أَوْلاَدًا جَالِسِينَ فِي الأَسْوَاقِ يُنَادُونَ إِلَى أَصْحَابِهِمْ ١٧ وَيَقُولُونَ: زَمَّرْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَرْقُصُوا! نُحْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَلْطِمُوا! ١٨ لأَنَّهُ جَاءَ يُوحَنَّا لاَ يَأْكُلُ وَلاَ يَشْرَبُ، فَيَقُولُونَ: فِيهِ شَيْطَانٌ. ١٩ جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، فَيَقُولُونَ: هُوَذَا إِنْسَانٌ أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْرٍ، مُحِبٌّ لِلْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ. وَالْحِكْمَةُ تَبَرَّرَتْ مِنْ بَنِيهَا» متى 11: 16-19.
تُظهر هذه الكلمات كيف تصيد المعترضون الأخطاء؛ فحينما جاء يوحنا المعمدان بأسلوب تقشفي صارم قالوا عنه: “به شيطان!”، وحين جاء ابن الإنسان يشارك الناس حياتهم ويجلس على موائدهم وصموه بأنه “أكول وشريب خمر، ومحب للعشارين والخطاة”.
كانوا يقصدون بعبارة “شريب خمر” و”محب للعشارين” اتهامه بالتعايش في ترف، والاستهتار بالمسؤولية الروحية، بل ومجاراة هؤلاء الخطاة في أفعالهم وأخذ أموالهم (بلغة اليوم: “بتاع عزومات ومظاهر وفلوس”).
لكن كيف رد الرب يسوع على هذا التشويه؟ قال: «وَالْحِكْمَةُ تَبَرَّرَتْ مِنْ بَنِيهَا».
في النص اليوناني لمتى 11: 19، تأتي الكلمة في أقدم المخطوطات والنسخ المعتمدة بلفظة Ergon (أعمال/نتائج) عوضاً عن Teknon (بنين)، لتكون صياغتها الأدق: «والحكمة تبررت (ثبتت صحتها) بأعمالها / نتائجها».
هذا المبدأ الإلهي يوضح أن صحة أي تعليم لا تؤخذ من أفواه الوعاظ التقليديين أو الإشاعات المروجة حوله، بل تُختبر بالثمار العملية والنتائج الروحية التي يُحدثها في حياة المؤمنين الحقيقيين.
ثالثاً: هل نعلّم بـ “إنجيل الرخاء”؟
الإجابة القاطعة هي: لا، نحن لا نُبشّر بما يُصطلح على تسميته “إنجيل الرخاء والترف” (Prosperity Gospel).
إن “إنجيل الرخاء” بمفهومه الشائع والمنحرف يضع الماديات والاستهلاك واقتناء الفيلات والسيارات الفارهة كغاية أساسية للإيمان ومحور متمحور حول الذات البشرية، وهذا فكر لا يتسق مع جوهر الإنجيل. الرب يسوع كان واضحاً حين قال: «أَنَا كَلَّمْتُ الْعَالَمَ عَلاَنِيَةً… وَفِي الْخَفَاءِ لَمْ أَتَكَلَّمْ بِشَيْءٍ» يوحنا 18: 20. عظاتنا وشروحاتنا منشورة علناً للجميع على منصات خدمة الحق المغير للحياة، وليس فيها ما يدعو للركض خلف الثراء الأناني أو المظاهر الاستهلاكية.
ولكن، في المقابل، نحن نؤمن ونعلم بـ “الازدهار الإلهي الكتابي”، وهناك بون شاسع بين الاثنين:
التعريف الكتابي للازدهار: “حالة الكفاية والامتلاء التي تنفي العوز”
يرتكز الازدهار الكتابي على الإعلان المجيد: «الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ» (مزمور 23: 1).
ولكي نفهم هذا النص بعمق، ينبغي التمييز الدقيق بين مفهومين:
الاحتياج (Need): متطلبات الحياة الطبيعية التي تسدد تباعاً ولا تسبب ضرراً في حال تأخرت يسيراً.
العوز (Want / Lack): النقص الشديد الحاد الذي يهدد استقرار حياة الإنسان الروحية أو النفسية أو الجسدية (كالجوع الشديد، أو غياب السكينة، أو العجز المرضي).
الرب واعدٌ بأنه لن يدع المؤمن يصل إلى حالة العوز أبداً؛ فالأصل العبري للازدهار والنجاح يرتبط بكلمة “شالوم” (Shalom)، وهي لا تعني مجرد غياب الحرب، بل تعني: السلام التام، الكمال، والتمام الجسدي والمادي والنفسي والروحي، بحيث لا يكون هناك كسر أو نقص.
إن السلوك في حيرة مادية دائمة وتقشف مصطنع يشبه قصة ذلك المسافر على متن سفينة سياحية فخمة، ظل يتناول الخبز الجاف طوال الرحلة ظناً منه أن ثمن الطعام غير مشمول في التذكرة، ليكتشف في نهاية المطاف أن تذكرته المدفوعة كانت تمنحه الحق الكامل في الموائد الفاخرة المفتوحة مجاناً. لقد سلك في عوز غير مبرر نتيجة لجهله بحقوقه القانونية.
رابعاً: البعد اللغوي للازدهار في المعاجم الأصلية
لكي نقف على أرضية لاهوتية صلبة، ينبغي دراسة كيفية استخدام الوحي لكلمة “الازدهار” والنجاح في اللغتين العبرية واليونانية:
1. في العهد القديم: اللفظة العبرية Tsalach (צָلַח)
تُترجم هذه الكلمة بـ “يزدهر” أو “ينجح” أو “يتقدم بقوة”. لقد وردت أول مرة لوصف يوسف في غربته: «وَكَانَ الرَّبُّ مَعَ يُوسُفَ فَكَانَ رَجُلاً نَاجِحًا (Metsliach – من جذر Tsalach)» تكوين 39: 2.
المدهش هنا أن يوسف وُصف بالنجاح والازدهار وهو لا يزال عبداً مباعاً في بيت فوطيفار، مما يثبت لاهوتياً أن الازدهار يبدأ كحالة روحية داخلية ومسحة إلهية تلازم المؤمن وتفرض حضورها على واقعه المادي الخارجي، وليست مجرد أرقام في حساب بنكي.
2. في العهد الجديد: اللفظة اليونانية Euodoo (εὐοδόω)
استخدم الرسول يوحنا هذه اللفظة في تمنيته الشهيرة لغايوس: «أَيُّهَا الْحَبِيبُ، فِي كُلِّ شَيْءٍ أُرَمِّي أَنْ تَكُونَ نَاجِحًا (Euodousthai) وَصَحِيحًا، كَمَا أَنَّ نَفْسَكَ نَاجِحَةٌ (Euodotai)» (3 يوحنا 1: 2.
تتكون لفظة Euodoo من شقين: Eu (جيد/حسن) وHodos (طريق أو مسيرة). المعنى الحرفي للكلمة هو: “أن تحظى برحلة موفقة، ومسار ممهد خالٍ من العوائق”.
هذا يعني أن النجاح والازدهار في الفكر الرسولي هو مسيرة حياة كاملة ممهدة بنعمة الله؛ تشمل الروح والنفس والجسد معاً، وليست قاصرة على جانب مادي أحادي الجانب.
خامساً: الاستقلال عن القوى الخارجية (لاهوت الـ “Autarkes”)
صاغ الرسول بولس تعبيراً لاهوتياً فريداً في رسالته إلى فيلبي يصف هذا الاكتفاء والازدهار الإلهي:
«لَيْسَ أَنِّي أَقُولُ مِنْ جِهَةِ احْتِيَاجٍ, فَإِنِّي قَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكُونَ مُكْتَفِيًا بِمَا أَنَا فِيهِ» فيلبي 4: 11.
الكلمة اليونانية المترجمة هنا بـ “مكتفياً” هي Autarkes (αὐτάρκης). وفي علم الاقتصاد المعاصر اشتُقت منها لفظة Autarchy والتي تعني: “الاستقلال المالي أو الاكتفاء الذاتي الكامل عن أي قوى خارجية”.
المؤمن المدعو باسم المسيح لا يعتمد في اقتصاده ومعيشته على تقلبات البورصة العالمية، أو أزمات التضخم، أو غلاء الأسعار؛ بل لديه نظام حماية داخلي يجعله مستقلاً ومكتفياً ذاتياً بالكامل بنعمة الروح القدس.
هذا الفكر تؤكده رسالة كورنثوس الثانية:
«وَاللهُ قَادِرٌ أَنْ يَزِيدَكُمْ كُلَّ نِعْمَةٍ، لِكَيْ تَكُونُوا وَلَكُمْ كُلُّ اكْتِفَاءٍ (Autarkeia) كُلَّ حِينٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ، تَزْدَادُونَ فِي كُلِّ عَمَل صَالِحٍ» 2 كورنثوس 9: 8.
المسيحي ليس قناة تستقبل النقص، بل هو واحة من الفيض ومصدر للخير في عالم مضطرب. الله يريدك مستقلاً عن تأثيرات الظروف الأرضية الصعبة لتكون يداً تمنح وتبني ملكوته، لا يداً مرتعشة تبحث عمن يعيلها.
سادساً: العهد الإبراهيمي والتحرر من “لعنة الناموس”
يقدم لنا الرسول بولس في رسالة غلاطية أساساً قانونياً حاسماً يربط ازدهارنا الروحي والمادي بالفداء:
«اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّاموسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا… لِتَصِيرَ بَرَكَةُ إِبْرَاهِيمَ لِلأُمَمِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ» غلاطية 3: 13-14.
عند العودة إلى سفر التثنية الأصحاح 28، نجد أن “لعنة الناموس” تنقسم بوضوح إلى ثلاثة محاور رئيسية:
الموت الروحي والخطية.
المرض والعلل الجسدية.
الفقر والعوز والدين المستمر (انظر تثنية 28: 15-68.
بما أن المسيح افتدانا ودفع ثمن إعتاقنا من لعنة الناموس بالكامل، فهذا يعني قانونياً وروقياً أن المؤمن قد تحرر من سلطان الفقر والعوز بذات القوة والشرعية التي تحرر بها من سلطان الخطية والمرض.
ما هي “بركة إبراهيم” التي نلناها؟
الوحي يذكر بوضوح طبيعة بركة إبراهيم: «وَكَانَ أَبْرَامُ غَنِيًّا جِدًّا فِي الْمَوَاشِي وَالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ» تكوين 13: 2، وأيضاً: «وَكَانَ الرَّبُّ قَدْ بَارَكَ إِبْرَاهِيمَ فِي كُلِّ شَيْءٍ» تكوين 24: 1.
إن ميراثنا في المسيح يسوع ليس فقر واحتياج برية سيناء، بل بركة إبراهيم الشاملة التي تجعل المؤمن رأساً لا ذنباً، ومقرضاً لا مستقرضاً، بهدف إتمام إرسالية البركة لجميع قبائل الأرض.
سابعاً: النظام والترتيب الإلهي (نموذج سني السبت واليوبيل)
في “إنجيل الرخاء” المنحرف، يصور المعلمون البركة المادية وكأنها ضربة حظ عشوائية أو مكافأة نقدية سحرية تأتي عبر التبرع المالي غير المدروس. في المقابل، يعلمنا الكتاب أن بركة الازدهار الإلهي تعمل وفق نظام وترتيب مؤسس ومخطط له من قبل الله نفسه.
تأمل شريعة السبت واليوبيل في سفر اللاويين أصحاح 25:
كان الشعب مدعواً للعمل ست سنوات، وفي السنة السابعة (سنة السبت) يمتنعون تماماً عن الزرع والحصاد ليرتاح الأرض. والسؤال الطبيعي الذي جال بخاطرهم: “من أين نأكل في السنة السابعة والثامنة؟”
أجاب الرب بوضع نظام حماية مالي وإعاشي فائق:
«فَأَنَا آمُرُ بِبَرَكَتِي لَكُمْ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ، فَتَعْمَلُ غَلَّةً لِثَلاَثِ سِنِينَ» لاويين 25: 21.
الله لم يترك شعبه للمصادفة أو العوز، بل خطط مسبقاً لمضاعفة المحصول ثلاثة أضعاف بطريقة إعجازية منظمة لتغطية سنوات الراحة. الازدهار الإلهي هو أمان مالي منظم ومستمر قائم على طاعة الكلمة، وليس قفزات عشوائية مبنية على مشاعر طارئة.
ثامناً: أربعة فوارق حاسمة بين لاهوت الازدهار وضلالة الرخاء
لكي تتبين الحدود الفاصلة بدقة وتتجنب الشبهات والخلط، دعنا نضع هذه المبادئ اللاهوتية الأربعة كمقياس للمقارنة والتمييز:
1. مفهوم “الوكالة الروحية” (Oikonomia) مقابل “الملكية الفردية الأنانية”
يرتكز “إنجيل الرخاء” على تلبية رغبات الذات وجعل المؤمن “مالكاً نهائياً” للثروة بهدف الاستهلاك الشخصي والرفاهية الفردية. في المقابل، يرى الفكر الكتابي أن المؤمن ليس مالكاً، بل هو وكيل (Steward).
الكلمة اليونانية للوكالة أو التدبير هي Oikonomia (οἰκονομία) (ومنها اشتقت كلمة Economy في اللغات الحديثة). وهي تتكون من شقين: Oikos (بيت أو عائلة) وNomos (قانون أو تدبير).
المؤمن في فكر العهد الجديد هو «وكيلٌ صالح على نعمة الله المتنوعة» (1 بطرس 4: 10. هذا يعني أن الازدهار المادي الذي يمنحه الرب ليس مكافأة شخصية للاحتفاظ بها، بل هو “رأس مال إلهي” يضعه السيد في يد وكيله الأمين لتسيير أعمال البيت (مملكة الله والكنيسة وتسديد احتياجات المحتاجين). عندما يزدهر الوكيل، يزداد تدفق الموارد عبره لا إليه فقط.
2. التمييز الحاسم بين “استخدام المال” و”عبادة المامون” (Mammonas)
يتهم المعترضون أي حديث عن البركة المادية بأنه دعوة لعبادة المال. وهنا ينبغي تفكيك مفهوم “المامون” كتابياً لتوضيح أن “إنجيل الرخاء” يقع في فخ المامون، بينما “الازدهار الإلهي” يتحرر منه تماماً.
استخدم الرب يسوع لفظة «المامون» (μαμωνᾶς – Mamōnas) وهي كلمة ذات أصل آرامي. تشير الأبحاث اللغوية إلى أن جذرها يرتبط بـ (أمان) أي “ما يضع فيه الإنسان ثقته ويستند عليه كمصدر أمانه”.
حذر الرب يسوع قائلاً: «لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَال (المامون)» متى 6: 24.
إنجيل الرخاء: يعلّم الناس كيف يستخدمون “الله” كوسيلة للحصول على “المامون” (المال كمصدر للأمان والقيمة الشخصية).
الازدهار الإلهي: يحرر المؤمن من سلطان المامون؛ فيكون أمانه وثقته بالكامل في شخص الآب (الراعي)، بينما يُعامَل المال كأداة أرضية محايدة تُستخدم لمجد الله دون أن تمتلك قلب المؤمن.
3. الازدهار وسط العواصف والاضطهادات (مواجهة فخ “الحياة الخالية من الآلام”)
يقع “إنجيل الرخاء” في مغالطة خطيرة تعلّم بأن المؤمن الحقيقي لا يجب أن يمر بأي ضيق، أو خسارة، أو اضطهاد، وإلا اعتُبر ذلك دليلاً على ضعف إيمانه. وهذا يناقض واقع الرسل والكنيسة الأولى.
الازدهار الكتابي لا يعني غياب العواصف، بل يعني السيادة الروحية والقدرة على الإنتاج والنمو في وسط العاصفة.
كان يوسف مزدهراً وهو يُباع كعبد، وظل رجلاً مزدهراً وهو سجين في بيت السجن تكوين 39: 2، 23؛ لأن البركة الروحية فيه كانت أقوى من قيود جدران السجن.
كان الرسول بولس يختبر الازدهار والاكتفاء الذاتي وهو مقيد بالسلاسل في روما، فكتب رسائل الفرح والتشجيع التي غيرت التاريخ.
الرب يسوع لم يعدنا بحياة خالية من الضيقات، بل قال: «فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ، وَلكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ» يوحنا 16: 33. الازدهار الإلهي هو النصرة والغلبة والفيض الروحي والمادي الذي يظهر جلياً في أوقات الأزمات كشهادة حية للعالم.
4. مركزية المسيح (Christocentrism) مقابل مركزية الذات (Egocentrism)
تكمن جوهر المشكلة في “إنجيل الرخاء” في أنه جعل “الإنسان” ورفاهيته الشخصية هما المركز، وصار المسيح والروح القدس والاتحاد بهما مجرد “أدوات وتدابير” لتحقيق تلك الرفاهية.
في الإيمان القويم والازدهار الكتابي، المسيح هو الغاية الكبرى، والكنز الثمين، والميراث الأوحد؛ فالمؤمن يطلب أولاً ملكوت الله وبره متى 6: 33. البركات المادية والجسدية والنفسية هي مجرد “توابع وإضافات طبيعية” يفيض بها الآب الصالح لتمكين المؤمن من تسيير خدمته وحياته بيسر ونعمة. نحن لا نتبع يسوع ليعطينا الذهب، بل نقبل الذهب لكي ننفقه في تبشير النفوس بيسوع.
تاسعاً: تفكيك الأسئلة اللاهوتية الشائعة والمغالطات
1. فرية “فقر وعوز يسوع” على الأرض
يروج البعض لتعليم مفاده أن الرب يسوع عاش معدماً تائهاً لا يملك شيئاً على الإطلاق. وهذا منافٍ للتدقيق التاريخي والكتابي:
كان ليسوع صندوق مالي وتبرعات يعول منها مجموعته والتلاميذ، وكان للخدمة أمين صندوق (يهوذا الإسخريوطي).
كان رداؤه الخارجي الذي صُلب به منسوجاً قطعة واحدة بلا خياطة من الأعلى إلى الأسفل، وهو لباس ثمين للغاية لدرجة أن الجنود الرومان رفضوا تمزيقه واقترعوا عليه يوحنا 19: 23-24.
لم يعش يسوع فقيراً بالمعنى المادي طوال حياته، لكنه “افتقر على الصليب” نائباً عنا كعمل كفاري روحي وجسدي متكامل:
«فَإِنَّكُمْ تَعْرِفُونَ نِعْمَةَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنَّهُ مِنْ أَجْلِكُمُ افْتَقَرَ وَهُوَ غَنِيٌّ، لِكَيْ تَسْتَغْنُوا أَنْتُمْ بِفَقْرِهِ» 2 كورنثوس 8: 9.
لقد حمل يسوع فقرنا وعوزنا الروحي والمادي على خشبة الصليب ليمنحنا غناه وفيض حياته.
2. هل الفقر حماية إلهية للمؤمن من الكبرياء؟
يستشهد البعض بصلوات سفر الأمثال: «لاَ تُعْطِنِي فَقْرًا وَلاَ غِنًى… لِئَلاَّ أَشْبَعَ وَأَكْفُرَ» (الأمثال 30: 8-9.
هذا الدعاء يمثل صرخة الإنسان الطبيعي في العهد القديم الذي لم يختبر الولادة الثانية ولا يسكن فيه الروح القدس المغير للرغبات والدافع؛ فهو يخشى غدر طبيعته الساقطة.
أما في العهد الجديد، فقد نلنا طبيعة إلهية جديدة (طبيعة البر)، والروح القدس المقيم فينا يضبط دوافعنا. الله لا يمنع عنك الفيض والازدهار حماية لك من الخطية، بل يعطيك قوة وقدرة لصنع الثروة ويصنع معك عقلاً ناضجاً قادراً على إدارة هذه الموارد لمجد ملكوته تثنية 8: 18.
3. ما هو حمل الصليب الحقيقي؟
المرض، والفقر، والمعاناة المادية ليست هي “الصليب”؛ فالمسيح افتدانا من لعنة الناموس (التي تشمل المرض والفقر والموت الروحي). الصليب الحقيقي هو بذل الذات الإرادي في الخدمة، وتحمل الاضطهادات والمشقات من أجل الكرازة بالكلمة والشهادة لاسمه القدوس، وليس الاستسلام السلبي للأمراض والفاقة.
4. قصة حنانيا وسفيرة أعمال 5: 1-10
يتخذ البعض من موت حنانيا وسفيرة دليلاً على خطورة التعامل المادي في الكنيسة. لكن الحقيقة أن قضاء الله عليهما لم يكن بسبب احتفاظهما بجزء من المال، بل بسبب الكذب والرياء ومحاولة خداع الروح القدس. لقد تظاهرا بالقداسة الكاملة والبذل الكلي بينما كان قلبهما منقسماً ومحباً للرياء.
عاشراً: معوقات تدفق الازدهار والعمل بالكلمة
إذا كان الازدهار حقاً مكفولاً بالعهد، فلماذا يعاني بعض المؤمنين من الاحتياج المادي أو الروحي؟ تكمن الإجابة في وجود عوائق واضحة تمنع فاعلية الكلمة في حياتهم:
1. عدم السلوك بالمحبة
الإيمان لا يعمل إلا بالمحبة غلاطية 5: 6. إن الاحتفاظ بالمرارة، وعدم الغفران، والخصام يمثل سداً مانعاً أمام سريان بركة الله وشفائه في جسد المؤمن وحياته المادية.
تأمل الوصية الإلهية في متى 18: 15: «وَإِنْ أَخْطِأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَاذْهَبْ وَعَاتِبْهُ». كلمة “عاتبه” في أصلها لا تعني توبيخه أو افتعال مشاجرة معه، بل تعني: “اطلب توضيحاً وشرحاً للموقف بقلب نقي ورغبة في المصالحة وفهم دوافعه”. هذا السلوك الراقي في السعي للسلام يحافظ على نقاء قلبك وقوة إيمانك.
2. الجهل بنقائص الإيمان وعدم تكميلها
صلى الرسول بولس من أجل تسالونيكي: «نَرَى وُجُوهَكُمْ، وَنُكَمِّلَ نَقَائِصَ إِيمَانِكُمْ» (1 تسالونيكي 3: 10. قد يكون لدى المؤمن رغبة روحية جيدة لكنه يفتقد المعرفة والتعليم المنهجي العملي لتفعيل إيمانه في جوانب معينة كالصحة أو الاستقرار المالي. الإيمان يبدأ بالمعرفة وينمو بالتطبيق، وهنا يأتي دور الخدمة التعليمية المنهجية لتكمل هذه النواقص.
3. عدم الأمانة في العطاء والعشور
العطاء هو البذرة التي يضاعفها الله لتثمر حصاداً وفيراً 2 كورنثوس 9: 10. الامتناع عن تقديم العشور لبيت الرب (المكان الذي ينمو فيه المؤمن روحياً) يعكس فكر الخوف الشحيح الذي لا يثق برعاية الآب. تقدم العشور للكنيسة لتسديد احتياجات الخدمة، بينما تُخصص التبرعات والصدقات الأخرى لمساعدة الفقراء والعمل الخيري.
من تأليف وإعداد وجمع خدمة الحق المغير للحياة وجميع الحقوق محفوظة. ولموقع خدمة الحق المغير للحياة الحق الكامل في نشر هذه المقالات. ولا يحق الإقتباس بأي صورة من هذه المقالات بدون إذن كما هو موضح في صفحة حقوق النشر الخاصة بخدمتنا.
Written, collected & prepared by Life Changing Truth Ministry and all rights reserved to Life Changing Truth. Life Changing Truth ministry has the FULL right to publish & use these materials. Any quotations is forbidden without permission according to the Permission Rights prescribed by our ministry